لم تعد الحرب الروسية - الأوكرانية محصورة بين البلدين، ولا في المواجهة غير المباشرة بين موسكو والغرب عبر التسليح والعقوبات. فكلّما طال أمد الحرب، اتّسعت المنطقة الرمادية الفاصلة بين الحرب والسلم، وتحوّلت الدول الأوروبية الداعمة لكييف، وفي مقدّمتها ألمانيا، إلى ساحات مواجهة موازية تُستخدم فيها أدوات التجسّس والتخريب والطائرات المسيّرة والعمليات السرّية، من دون بلوغ عتبة الصدام العسكري المباشر.
من هنا، تكتسب اتهامات برلين الأخيرة لموسكو أهمية تتجاوز حادثة أمنية منفردة. فقد خلصت الحكومة الألمانية، استنادًا إلى تقييم التكنولوجيا المستخدمة ومعلومات استخباراتية أخرى، إلى تحميل روسيا مسؤولية "الهجوم الهجين" الذي شهدته لايبزيغ في 4 آب، بعدما عُثر على طائرة مسيّرة محمّلة بالمتفجّرات قرب طائرة شحن أوكرانية في مطار يؤدّي دورًا مهمًا في نقل العتاد العسكري لمصلحة الجيش الألماني وحلفاء "الناتو"، كما تستخدمه شركة "أنتونوف" الأوكرانية.
والأخطر أن برلين لا تتعامل مع ما حصل بوصفه حادثًا معزولًا. فقد وضع وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت الواقعة في سياق "أعمال هجينة أخرى"، معلنًا أن ألمانيا تتوقّع أن تكون هدفًا لمزيد من الهجمات الروسية. وبذلك، تنتقل المسألة من مستوى الاشتباه الأمني إلى تقدير استراتيجي يفترض أن موسكو تمارس ضغطًا مستمرًّا على أكبر اقتصاد أوروبي وأحد أبرز الداعمين العسكريين والماليين لأوكرانيا.
وتتجسّد خطورة المقاربة الروسية في أن موسكو تعدّ الدعم الأوروبي لكييف جزءًا من الحرب نفسها، حتى لو لم تشارك الجيوش الأوروبية مباشرة في القتال. ومن هذا المنظار، تصبح خطوط الإمداد، والمطارات التي تنقل المعدّات، والمصانع الدفاعية، وشبكات الطاقة والاتصالات، وحتى البيئة السياسية والإعلامية، أهدافًا محتملة في صراع يرمي إلى رفع كلفة دعم أوكرانيا وزرع الشك داخل المجتمعات الأوروبية في جدوى الاستمرار فيه.
وتكمن فعالية هذا النوع من المواجهة تحديدًا في بقائه دون عتبة الحرب التقليدية. فهو يتيح إلحاق أضرار بالخصم من دون استخدام صواريخ أو قوّات نظامية، ويترك في الوقت نفسه مساحة للإنكار أو الغموض حول هوية المنفذين. كما يضع الحكومات الأوروبية أمام معضلة صعبة: فإذا جاء الردّ ضعيفًا، فقد يشجّع على مزيد من العمليات، وإذا كان قويًا، فقد يفتح بابًا لتصعيد لا تُعرف حدوده.
ولهذا اتّسم الرد الألماني بطابع دبلوماسي واقتصادي وأمني في آن واحد: إغلاق القنصلية الروسية في بون، وإلغاء عقد إيجار "البيت الروسي" في برلين، وتشديد إجراءات دخول المواطنين الروس، والسعي إلى فرض عقوبات أوروبية إضافية، وزيادة الضغط على ما يُعرف بـ "أسطول الشبح" الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على العقوبات الغربية. والرسالة واضحة: برلين تريد الردّ، لكن من داخل إطار يحول، في الوقت الراهن، دون انتقال المواجهة إلى المستوى العسكري. في المقابل، توعّدت موسكو بالردّ على الإجراءات الألمانية بحقّها، وسط تضامن أوروبي - أطلسي مع برلين.
غير أن التهديد الأخطر لا يكمن في العملية نفسها بقدر ما يكمن في احتمال تجاوز هذا النوع من العمليات الخطوط الحمراء. فطائرة مسيّرة تحمل متفجّرات داخل مطار استراتيجي تختلف نوعيًا عن عملية تجسّس أو اختراق إلكتروني. وإذا أدّت عملية مماثلة مستقبلًا إلى سقوط قتلى، أو تدمير منشأة عسكرية، أو إصابة جنود تابعين لدولة عضو في "الناتو"، فسيصبح تحديد الحدّ الفاصل بين "التخريب" و"العمل العسكري" أكثر تعقيدًا. عندها قد تجد أوروبا وروسيا نفسيهما أمام أزمة لا يرغب أيّ منهما في بلوغها، لكن سلسلة من الحسابات الخاطئة قد تدفعهما إليها.
والمشكلة أن البنية التحتية المدنية نفسها أصبحت جزءًا من هذه المعادلة. فالهجوم الذي استهدف محطة فرعية قرب محطة يانشفالده الكهربائية وألحق أضرارًا بخطوط الكهرباء، وإن لم تُحدّد الجهة التي تقف خلفه، أعاد تسليط الضوء على هشاشة المنشآت الحيوية أمام عمليات منخفضة الكلفة وقادرة على إحداث اضطراب واسع. وقد تحدّث مسؤولون في براندنبورغ عن "وتيرة مرتفعة بشكل مقلق" للهجمات على البنية التحتية الحيوية.
ولا تغيّر هذه التهديدات مفهوم الأمن الأوروبي فحسب، بل تعيد أيضًا تشكيل الصناعة الدفاعية في القارة. ومن هنا، لا يعود ازدهار شركات تكنولوجيا الدفاع الناشئة في ميونيخ مجرّد معطى اقتصادي، بل يصبح جزءًا من التحوّل الأمني الأوسع. فشركات مثل "كوانتوم سيستمز" و"هيلسينغ" و"تيتان تكنولوجيز" تعمل في مجالات المسيّرات والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل، وهي تكنولوجيا أثبتت الحرب الأوكرانية قدرتها على تغيير معادلة الكلفة والفعالية في الحروب الحديثة.
وتبرز أهمية "تيتان" خصوصًا في تطوير طائرات اعتراضية مخصّصة لمواجهة المسيّرات المعادية وحماية المنشآت، بعدما تعاونت مع القوّات المسلّحة الألمانية على تطوير وسائل دفاعية من هذا النوع. وقد زاد عدد موظّفيها عشرة أضعاف، فيما تضاعف عدد الشركات الدفاعية الناشئة المتخصّصة في منطقة ميونيخ خلال السنوات الأخيرة إلى نحو 60 شركة.
وتعكس هذه الشركات جانبًا من التحوّل الذي تحتاج إليه أوروبا للتعامل مع طبيعة التهديد الجديد. فالدفاع لم يعد مسألة دبابات ومدفعية ومقاتلات فقط، بل أصبح أيضًا قدرة على إسقاط مسيّرة رخيصة قبل وصولها إلى مطار أو محطة كهرباء، ورصد تهديدات تستخدم الذكاء الاصطناعي، وتطوير أنظمة أسرع وأقلّ كلفة من الوسائل التقليدية.
لكن أوروبا تواجه سباقًا مع الزمن. فالشركات الناشئة نفسها تشكو من أن جزءًا كبيرًا من الإنفاق العسكري لا يزال يتّجه إلى المنظومات التقليدية، كما تعاني من البيروقراطية وتأخّر التراخيص والتدقيق الأمني، ما يبطئ قدرتها على توسيع الإنتاج رغم توافر الطلبات، وفق تقرير لوكالة "فرانس برس".
وهكذا تجمع ألمانيا اليوم بين وجهين لمواجهة واحدة: دولة أصبحت أكثر تعرّضًا لأدوات الضغط غير المباشر بسبب موقعها المركزي في دعم أوكرانيا، وقطاع دفاعي جديد يتطوّر بسرعة استجابةً لنوع التهديدات التي أفرزتها الحرب نفسها. وبين لايبزيغ وميونيخ تتّضح ملامح المرحلة الأوروبية المقبلة: روسيا تختبر قدرة خصومها على الصمود دون مستوى الحرب المباشرة، وأوروبا تحاول بناء أدوات ردع قادرة على العمل في هذه المنطقة الرمادية.
ويبقى التحدّي الأكبر هو منع هذه المنطقة الرمادية أو "الحرب الرمادية" من التحوّل إلى حرب مفتوحة. فكلّما اتسعت دائرة التخريب والتجسّس والعمليات السرّية، ارتفعت احتمالات الخطأ وسوء التقدير. وعندها قد لا يكون السؤال ما إذا كانت أوروبا وروسيا تريدان مواجهة مباشرة، بل ما إذا كانتا ستتمكّنان من منع حرب هجينة تتصاعد خطوة بعد أخرى من أن تفرض عليهما مواجهة لم يخطّط لها أحد.