روجيه نهرا

برج الملوك... بلدة تحرس ذاكرة الجنوب وتصمد على خط النار

4 دقائق للقراءة
تبقى برج الملوك بلدة تتمسك بتاريخها كما تتمسك بأرضها

تقف بلدة برج الملوك، في قضاء مرجعيون، شاهدة على قرون من التاريخ، بعدما شكّل موقعها الجغرافي عند المدخل الجنوبي لمنطقتي مرجعيون وحاصبيا محطة رئيسية للقوافل التجارية التي كانت تصل بين مصر والعراق وبلاد المشرق. فمنذ مئات السنين، لم تكن البلدة مجرد نقطة عبور، بل مركزاً للحركة التجارية والتواصل الحضاري، لتصبح إحدى أعرق بلدات الجنوب اللبناني.

ويقع هذا الإرث التاريخي بين قلعة الشقيف غرباً وسهل مرجعيون شرقاً، حيث ارتبطت نشأة البلدة بنبع "الحوش" الذي كان يستريح عنده المسافرون والقوافل للتزوّد بالمياه. وتروي الروايات المحلية أن الملوك والأمراء وكبار التجار كانوا ينزلون في أبراج شُيدت على مرتفع، ومنها استمدت البلدة اسمها "برج الملوك". أما اسمها القديم "الخربة"، فقد ارتبط بما أصابها من دمار خلال الحروب، قبل أن يُعتمد اسمها الحالي رسمياً عام 1964 مع إنشاء أول مجلس بلدي برئاسة المرحوم نايف الحمصي.

ولا يزال وسط البلدة يحتفظ بجزء من حائط "المنزول"، المبنى الذي كان يستقبل رؤساء القوافل، شاهداً على المكانة التي احتلتها برج الملوك على طرق التجارة القديمة.

وتختزن البلدة ثروة أثرية تعود إلى حضارات متعاقبة، من معاصر عنب منحوتة في الصخر تعود إلى العصر الروماني، وأحجار رحى وبقايا منشآت أثرية قرب كنيسة مار جرجس، إلى جانب منازل تراثية يزيد عمر بعضها على مئتي عام، ما يجعلها متحفاً مفتوحاً لذاكرة الجنوب.

ويبرز التراث الديني أيضاً كأحد أهم معالمها، إذ تضم كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس التي شُيدت عام 1903 فوق أنقاض كنيسة أقدم، وتحتفظ بإنجيل مخطوط نادر يعود إلى عام 1703، إضافة إلى كنيسة مار يوسف للروم الكاثوليك والكنيسة الإنجيلية المعمدانية، في صورة تعكس التنوع الديني الذي ميّز البلدة عبر تاريخها.

ويبلغ عدد أبناء برج الملوك المسجلين على لوائح الشطب نحو 1200 نسمة، يتوزعون بين الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والطائفة الإنجيلية المعمدانية ويزداد عدد سكانها خلال فصل الصيف مع عودة المغتربين. كما عُرفت برج الملوك بإرثها التعليمي، وقدّمت عشرات الضباط والعمداء إلى المؤسسة العسكرية، ولا يزال الأهالي يستذكرون "المعلم سعيد" من آل الحمصي الذي علّم الأطفال تحت شجرة زيتون منذ عام 1890، في واحدة من أقدم المبادرات التعليمية الأهلية في قضاء مرجعيون.

غير أن هذا التاريخ العريق يقف اليوم في مواجهة واقع أمني ومعيشي بالغ الصعوبة. فالبلدة، الواقعة على تماس مع الحدود، تعيش على وقع القصف والاشتباكات، فيما تتعرض أراضيها الزراعية لخسائر متكررة نتيجة الحرائق وإقفال طريق الخردلي، الذي يشكل الشريان الحيوي الرابط بين مرجعيون وصيدا وبيروت.

ويقول رئيس البلدية إيلي سليماني لـ"نداء الوطن" إن نحو 700 من أبناء البلدة، أي حوالى 160 عائلة، ما زالوا متمسكين بمنازلهم وأرضهم رغم الظروف الأمنية، مشيراً إلى أن معظمهم يعتمد على الزراعة التي تلقت ضربة قاسية بعدما أتت الحرائق على مساحات واسعة من حقول الحبوب وأشجار الزيتون، فيما تضررت تربية النحل وتراجعت الحركة الاقتصادية مع خلو القرى المجاورة من سكانها.

ويضيف أن إقفال طريق الخردلي ضاعف معاناة الأهالي، إذ بات الوصول إلى بيروت يمر عبر البقاع، ما يزيد ساعات السفر وكلفته، ويثقل كاهل المرضى والطلاب والعاملين.

ورغم الظروف الصعبة، لا تزال الخدمات الأساسية تؤمَّن بالحد الأدنى، إذ تعتمد البلدة على بئر ارتوازية أنشأتها البلدية قبل خمس سنوات إضافة إلى مياه نبع مرج الخوخ، فيما تؤمَّن الكهرباء عبر مولد خاص، وتعمل فرق مؤسسة كهرباء لبنان على إصلاح الأعطال متى سمحت الظروف الأمنية.

أما المدرسة الرسمية الوحيدة، فما زالت مقفلة منذ عام 1975، فيما ينتظر الطلاب انطلاق العام الدراسي في مدارس القليعة وجديدة مرجعيون، وسط مخاوف من أن تفرض التطورات الأمنية عاماً دراسياً جديداً من المعاناة.

من جهته، يؤكد مختار البلدة ماهر ديب أن البلدية تواصل تقديم الخدمات ضمن إمكاناتها المحدودة، في ظل غياب الدعم الرسمي، لافتاً إلى أن أبناء البلدة المغتربين كان لهم دور في تعزيز صمود الأهالي. ويشير إلى أن برج الملوك تضم نحو 400 منزل، فيما ينتشر أبناؤها في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في البرازيل والأرجنتين وأستراليا ودول الخليج والاتحاد الأوروبي، مضيفاً أن إقفال طريق الخردلي زاد من صعوبة الحياة اليومية وعزل المنطقة اقتصادياً واجتماعياً.

ورغم القصف والخسائر والأزمات المعيشية، تبقى برج الملوك بلدة تتمسك بتاريخها كما تتمسك بأرضها، وتحافظ على آثارها وكنائسها وبيوتها التراثية، في انتظار أن تستعيد هدوءها ودورها الطبيعي، وأن تعود الحياة إلى شوارعها وحقولها كما كانت عبر مئات السنين.