قبل أن يدخل أي قانون عفو عام حيّز التنفيذ، وقبل أن تختلط الأحكام القضائية بمفاعيل أي عفو أو تسوية، كانت المحاكم قد قالت كلمتها في عدد من الملفات التي شغلت طرابلس خلال السنوات الماضية.
القصة هنا ليست مجرد خلاف على منشور على «فيسبوك»، ولا معركة إعلامية عابرة بين أشخاص. إنها قصة مغترب طرابلسي معروف بنشاطه الاجتماعي والثقافي على المستوى الدولي، حاول، بحسب ما تظهره الوقائع والملفات التي تقدم بها، أن يفعل ما عجزت عنه جهات كثيرة داخل المدينة: أن يجلب مشاريع إنمائية إلى طرابلس، المدينة التي تعاني منذ سنوات من الفقر والبطالة وغياب الفرص.
بدلاً من أن يتحول هذا الجهد إلى مناسبة للتعاون، وجد نفسه في مواجهة سلسلة من الحملات الإعلامية والاتهامات والافتراءات. ومع مرور الوقت، انتقل النزاع من صفحات التواصل الاجتماعي إلى أروقة المحاكم، حيث بدأت الوثائق القضائية ترسم صورة مختلفة عن تلك التي حاول البعض تقديمها عبر الإعلام. ومن أبرز الملفات التي تظهر في هذا السياق، الملفات المتعلقة بمحمد شوك المعروف بـ«أبو محمود»، ويحيى مولود، وغسان ريفي، وفوزي فري، وغيرهم، مع ضرورة التمييز دائماً بين الأحكام التي صدرت وبين الملفات التي لا تزال قيد المحاكمة ولم يصدر فيها حكم نهائي.
القضاء بدأ يتكلم
في ما يتعلق بمحمد شوك، المعروف "بأبو محمود شوك" رئيس عصابة "حراس المدينة"، صدرت قرارات بحقه عن قاضي الأمور المستعجلة في طرابلس بتاريخ 23 كانون الثاني 2023 ثم في 26 حزيران 2026، عملاً بالمادة 579 من قانون أصول المحاكمات المدنية، قضت بحذف منشورات تضمنت، وفق ما ورد في القرارات، إساءات وقدحاً وذماً وتشهيراً وافتراءً، مع تحميله الرسوم والنفقات. ولا يتوقف الملف عند القرارات المستعجلة. فهناك شكاوى أخرى أمام القضاء الجزائي، كما أن ملفاً أحاله قاضي التحقيق إلى محكمة الجزاء بتاريخ 26 أيار 2026، مع الظن وفق مواد من قانون العقوبات، بحسب ما هو وارد في الملف القضائي.
وفي قضية يحيى مولود، صدر عن قاضي الأمور المستعجلة بحقه في طرابلس بتاريخ 12 أيار 2022 قرار عملاً بالمادة 579 أ.م.م. قضى بحذف منشورات تضمنت، بحسب القرار، إساءات وقدحاً وذماً وتشهيراً وافتراءً، فيما بقيت شكوى أخرى بحقه قيد المتابعة أمام محكمة الجزاء في طرابلس.
أما غسان ريفي، مسؤول موقع «سفير الشمال»، فقد صدر بحقه قرار بتاريخ 20 آذار 2023 بإزالة محتوى اعتبره القضاء متضمناً إساءات وتشهيراً، حتى وإن نشر تحت عنوان «استفسار»، فيما بقي ملف آخر قيد المتابعة أمام محكمة المطبوعات.
وفي قضية فوزي فري، جاء الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف الجزائية في لبنان الشمالي بتاريخ 16 حزيران 2026 ليحمل دلالة إضافية. فقد فسخت المحكمة الحكم السابق الذي كان قد أبطل التعقبات، واعتبرت أن الوقائع تنطبق عليها المادتان 582 و584 من قانون العقوبات، وألزمت فري بتعويض قدره ليرة لبنانية واحدة عن الضرر المعنوي، إضافة إلى الرسوم والنفقات.
وقد يبدو مبلغ الليرة رمزياً، لكنه في هذه القضية كان مقصوداً: صاحب الدعوى لم يكن يبحث عن المال، بل عن إثبات الحق ورد الاعتبار.
من حملات التواصل إلى القضاء
بحسب ما يرد في الملف الذي أُعدّ قانونياً، لم تكن القضية بالنسبة إلى المغترب الطرابلسي مجرد خلاف شخصي مع أفراد متفرقين. بل تتحدث المعطيات التي استند إليها عن تنسيق بين عدد من الأشخاص، بحيث تحرك كل منهم، كل من موقعه، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام.
كان بينهم من يعمل في الصحافة، ومن كانت لديه علاقات واتصالات إعلامية، ومن كان ناشطاً سياسياً، بحيث تحولت الحملة إلى روايات متكررة واتهامات متبادلة، فيما انتقلت بعض هذه الوقائع لاحقاً إلى التحقيقات والأجهزة المختصة. والأخطر، وفق ما يورده الملف، أن التحقيقات في بعض القضايا تضمنت إفادات تتعلق بتنسيق بينهم بهدف عرقلة أي مشروع إنمائي يسعى المغترب إلى إدخاله إلى طرابلس. وهنا تحديداً تصبح القضية أكبر من شخص.
لأن المشروع الذي كان محور إحدى أبرز هذه المعارك لم يكن مشروعاً تجارياً خاصاً، بل مشروعاً لمعالجة أزمة النفايات في طرابلس، جرى العمل عليه بالتعاون مع جهات دولية، بينها الأمم المتحدة، بهدف معالجة أزمة بيئية وصحية مزمنة تعاني منها المدينة. فكيف يمكن لمدينة تعاني من جبل نفايات، ومن التلوث، ومن البطالة والفقر، أن تتحول فيها محاولة إدخال مشروع إنمائي وبيئي إلى سبب لحملة سياسية وإعلامية ضد من يحاول القيام بها؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه هذه القضية.
عندما يتحول التشهير إلى قضية قضائية
لم يكتفِ المغترب بالرد عبر الإعلام. بل اختار القضاء. وهذه النقطة تستحق التوقف عندها.
فهو يعيش ويعمل بين دول يعتبر فيها احترام القضاء والمؤسسات أمراً أساسياً، وكان بإمكانه أن يرد على الحملات بحملات مضادة، أو أن يستخدم علاقاته الدولية والإعلامية، لكنه اختار الطريق الأصعب والأبطأ: تقديم الدعاوى وانتظار القضاء اللبناني. سنوات من الملفات، جلسات، تأجيلات، أزمات اقتصادية، إضرابات، نقص في الإمكانات، وتعطّل أحياناً في المؤسسات. ومع ذلك استمر في متابعة القضية. وبمرور الوقت، بدأت تصدر القرارات. حذف منشورات. أحكام جزائية. إحالات إلى المحاكم. إدانة في بعض الملفات. وإبقاء ملفات أخرى مفتوحة إلى حين صدور الحكم النهائي.
ملف المحكمة العسكرية
ومن أكثر جوانب القضية حساسية الملف الذي وصل إلى القضاء العسكري، حيث جرى، بحسب المعطيات المقدمة في الملف، تقديم إخبار إفترائي من هذه العصابة مجتمعة ضد المغترب.
والنتيجة كانت قراراً عن قاضي التحقيق لدى المحكمة العسكرية بمنع المحاكمة.
وهذه النقطة مهمة قانونياً: قرار منع المحاكمة الصادر بعد التحقيق يختلف عن انتهاء الملاحقة أو سقوط العقوبة نتيجة عفو يصدر في مرحلة لاحقة. أي أن التسلسل الزمني له أهمية.
القرار القضائي جاء أولاً، وأي عفو عام يأتي لاحقاً لا يمحو حقيقة أن القضاء كان قد نظر في الملف واتخذ قراراً بشأنه. ولهذا فإن الحديث عن القضية اليوم، بالتزامن مع إقرار قانون عفو عام، لا يعني محاولة الالتفاف على العفو، بل على العكس: المقصود هو التذكير بأن حقوق هذا المغترب لم تبدأ مع العفو ولم تنتج عنه. لقد بدأ مساره القضائي قبل ذلك بسنوات.
ميرفت الهوز: ملف مختلف
وفي المقابل، لا ينبغي وضع ميرفت الهوز في الإطار نفسه أو اعتبارها جزءاً من المجموعة المذكورة. فقضيتها، بحسب المعطيات المتوافرة، جاءت في سياق مختلف، وكانت مرتبطة بتحرك منفصل، فيما كانت تتحرك آنذاك من موقع مستشارة لرئيس حكومة لبنان بحسب إفادتها .
وقد صدر بحقها حكم عن القاضي المنفرد الجزائي بتاريخ 22 آب 2024 أدانها بموجب المادة 403 من قانون العقوبات، مع استبدال عقوبة الحبس بغرامة قدرها عشرون مليون ليرة لبنانية، وإلزامها بدفع مئة مليون ليرة لبنانية بدل عطل وضرر، إضافة إلى الرسوم والنفقات.
القضية ليست شخصية
قد يقول البعض إن المغترب كان يستطيع أن يتجاهل كل ذلك. لكن المسألة بالنسبة إليه لم تكن شخصية بالكامل. فطرابلس ليست مدينة عادية في وجدان أبنائها في الاغتراب. هي مدينة تحتاج إلى الاستثمارات، والمشاريع البيئية، والفرص الاقتصادية، والمبادرات الثقافية والاجتماعية. ومن هنا جاءت محاولاته لاستقدام وفود ومشاريع ومبادرات، والدفع في اتجاه ملفات تتعلق بالتنمية والبيئة وحقوق المرأة وغيرها من القضايا التي حملها أيضاً في نشاطه الدولي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا رفع هذا الشخص دعاوى؟ بل: لماذا اضطر شخص يأتي من خارج منظومة السلطة المحلية إلى اللجوء إلى القضاء كي يحمي حقه في العمل من أجل مدينته؟