ميناسيان كرّم الصحافة بحضور السيدة الاولى: نحن مع لبنان الدولة... والوزير مرقص: لإعلام يحمي التنوّع

11 دقيقة للقراءة

أقام كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان عشاء تكريميا للصحافة اللبنانية، في بطريركية الأرمن الكاثوليك – الأشرفية، الجعيتاوي مساء أمس في حضور اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون ممثلة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، وزير الاعلام المحامي د.بول مرقص، نقيب الصحافة عوني الكعكي، نقيب المحررين جوزف القصيفي، المدير العام لوزارة الاعلام الدكتور حسان فلحة، رئيس مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رفيق شلالا، رئيسة مجلس ادارة “تلفزيون لبنان” اليسار نداف، مدير المركز الكاثوليكي للاعلام المونسنيور عبده أبو كسم، المدير العام لـ tv Charité الاب شربل جعجع, رئيس مجلس ادارة “نورسات” جاك كلاسي، نائب نقيب الصحافة جورج صولاج، المستشار الاعلامي للرئيس نجيب ميقاتي فارس الجميّل، المدير العام لاذاعة “صوت لبنان” أسعد مارون، رئيس “نادي الصحافة” بسام أبو زيد، كما شارك رئيس الدير والنائب البطريركي لجمعيّة كهنة بزمّار البطريركيّة المونسنيور ماشدوتس زاختريان، وكهنة البطريركية والرعايا وحشد من الاعلاميين العاملين في الوسائل الاعلام المكتوبة والسمعية والبصرية والمواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي.

بداية النشيد الوطني، ثم كانت كلمات تحدث فيها مدير العلاقات العامة والإعلام في البطريركية شربل بسطوري عن معاني هذا اللقاء الذي يهدف الى تكريم الصحافة اللبنانية.

البطريرك ميناسيان

وألقى البطريرك ميناسيان كلمة قال فيها: “يسعدني أن أرحّب بكم هذا المساء في بيتكم، في بطريركية الأرمن الكاثوليك. أردنا أن نلتقي بكم، لا لنضيف مناسبةً إلى روزنامة المناسبات، بل لنكرّم رسالةً نؤمن بأهميتها، ولنقول لأهل الكلمة والصورة والصوت: أننا نرى تعبكم، ونقدّر رسالتكم، ونعرف حجم المسؤولية التي تحملونها كل يوم، فالحياة الكهنوتية الحقيقية لا تسعى وراء شهرة أو مركز، بل تسير وراء المسيح وتحمل البشرى إلى الإنسان. والإعلام، حين يسمو إلى حقيقة دعوته، يصبح هو أيضًا رسالةً: بحثًا عن الحقيقة، ودفاعًا عن كرامة الإنسان، وخدمةً للمجتمع والوطن. من هنا، نريد أن نقول لكم الليلة، بكل بساطة ومحبة: شكرًا. شكرًا لكل ما قدّمتموه لبطريركيتنا وكنيستنا طوال أيام السنة؛ لكل خبر نقلتموه، ولكل مناسبة واكبتموها، ولكل مساحة فتحتموها أمام رسالتنا لكي تصل إلى الناس.ونخصّ بالشكر مواكبتكم الاستثنائية للحدث التاريخي الذي عاشته كنيستنا في روما، مع تقديس القديس إغناطيوس مالويان”.

تابع:” لقد حملتم معنا سيرة شهيدٍ لم يساوم على إيمانه، وجعلتم شهادته تصل إلى بيوت اللبنانيين وإلى العالم. وبفضلكم أيضًا، لم يبقَ مالويان اسمًا في سجل التاريخ، بل أضحى شهادةً حيّة تقول إن الإيمان أقوى من الخوف، وإن الإنسان يستطيع أن يخسر حياته، لكنه لا يخسر إيمانه وضميره. ولأن طريق القداسة لا يتوقف، أقول لكم الليلة: إن شاء الله، سنلتقي قريبًا مع قديس جديد، وخبر كنسي مفرح، وصفحة جديدة من صفحات كنيستنا. وعندما يحين الوقت، نعرف أنكم ستكونون معنا، كما عهدناكم دائمًا، شركاء في حمل البشرى وإيصالها. للقائنا الليلة معنى آخر، جميل وعميق. فنحن نكرّم أهل الإعلام في مكان يعرف الإعلام، ويعرف الحبر، ويعرف الكلمة. هنا، في هذا المكان، كانت مطبعة البطريركية. ومن هنا كانت تخرج الصحافة البطريركية، تحمل الخبر والفكر والرسالة إلى الناس. وفي قلب هذا التاريخ يقف واحد من كبار رجال كنيستنا والكنيسة الجامعة: الكاردينال أغاجانيان. لقد فهم أغاجانيان منذ زمن بعيد أن الرسالة التي ورثها من أسلافه المتنسكين في جبال كسروان والذين كانوا يكتبون وينشرون فأراد أن يكمل الرسالة الصادقة، لتجد طريقها إلى الإنسان. ولذلك أولى الصحافة والإعلام اهتمامًا خاصًا، وأسهم في إطلاق الصحيفة الأسبوعية والشهرية للبطريركية، واضعًا الكلمة المكتوبة في خدمة الكنيسة والمجتمع والإنسان. وما أجمل أن يجمعنا الزمن اليوم في المكان نفسه! هنا كانت المطبعة بالأمس، وهنا يجلس أهل الإعلام اليوم. تغيّر الحبر، وتغيّرت الآلة، وتبدّلت وسائل الإعلام، وصارت الكلمة تعبر القارات في ثوانٍ؛ لكن أمانة الكلمة لم تتغيّر. وحين عاد رفات الكاردينال أغاجانيان إلى لبنان، واستقبله هذا الوطن بما يليق بمكانته، فلم تكن عودته كرجل عظيم إلى أرض أحبّها فحسب، بل كانت عودة ذاكرة ورسالة وإرث. اليوم، أجمل وفاء لهذا الإرث أن تبقى الكلمة في خدمة الحقيقة لا المصالح، وفي خدمة الإنسان لا الانقسام”.

ورأى أن “لبنان يمر اليوم بمرحلة دقيقة ومصيرية ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا في زمن الأزمات، ليس الاختلاف في الآراء، بل أن تضيع فيه الحقيقة”، أضاف: “هنا تكمن عظمة مسؤوليتكِم. نريد إعلامًا حرًا، لأن الحرية من هوية لبنان؛ ونريدها حريةً مسؤولة، تدرك أن الكلمة قد تجمع شعبًا، وقد تزرع بين أبنائه شرخًا يصعب ترميمه بعض الأحيان. لذلك نريد إعلامًا يُراقَب ويُسائَل ويُكشَف ويُحاسب؛ لكنّه لا يُحاكم قبل القضاء، ولا يحوّل الاختلاف إلى عداوة، ولا يجعل السبق الصحافي بديلًا عن الحقيقة. في هذه المرحلة، نتطلع برجاء إلى المسيرة التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وإلى الجهود المبذولة لإعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتِها، وترسيخ منطق القانون والعدالة والمواطنة. من هذا الصرح، نقولها بوضوح: نحن مع لبنان الدولة. مع دولة لا يكون فيها أحد أكبر من القانون، ولا يشعر فيها مواطن أنه أصغر من حقوقه. نحن مع دولة المؤسسات، والجيش والقوى الأمنية والقضاء. مع دولة تحمي جميع أبنائِها، وتصون سيادتَها وكرامتهم، وتعيد إلى اللبناني ثقته بوطنه ودولته ومستقبله. الأرمن الكاثوليك لم يكونوا يومًا ضيوفًا على لبنان، بل كانوا وسيبقون جزءًا أصيلًا من نسيجه، شركاء في بنائه، وفي ثقافته واقتصاده ومؤسساته وحياته العامة. فلبنان بالنسبة إلينا ليس مكانُ إقامة، بل وطنُ انتماء ورسالةٌ ومصير”.

وقال: “حضرة اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، إن وجودكم بيننا الليلة عزيز على قلوبنا، ونرى فيه حضورًا للبنان الذي نحب: لبنان القرب واللقاء، لبنان الذي يحتضن جميع مكوّناته، ولبنان الذي تبقى فيه الدولة بيتًا لجميع أبنائها. شكرًا لحضوركم. وانقلوا إلى فخامة الرئيس محبّتَنا وتقديرَنا وصلاتنا، وقولوا له إننا نريد لهذه المسيرة أن تنجح؛ لأن نجاح الدولة ليس نجاح شخص فردي أو عهد أو فريق، بل نجاح لبنان. يسرّنا في هذا العهد الرئاسي أن ننوّه بالإرادة الواضحة لاحتضان النجاحات اللبنانية ودعم الإبداع والطاقات التي تؤكد، رغم كل التحديات، أن لبنان قادر على النهوض واستعادة دوره ومكانته”.

تابع:”حضرة معالي وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص، ابن الكلمة والقانون والإعلام، إذ أننا نُثمّن جهودَكم في إعادة الحيوية إلى مؤسسات الإعلام الرسمي، من تلفزيون لبنان والوكالة الوطنية للإعلام إلى إذاعة لبنان والأرشيف الوطني وكلّنا أمل بأن يشكّل إقرار قانون الإعلام الجديد خطوةً متقدّمة نحو تعزيز حرية الإعلام، وصون كرامة الإعلاميين وحماية حقوقهم، بما يواكب تطوّرات العصر والتحوّلات التي يشهدها الإعلام اليوم. فلبنان الذي كان منبرًا للكلمة الحرّة في هذا الشرق، يجب أن يبقى كذلك؛ لأن حرية الإعلام جزء من هويته ورسالته”.

أضاف: “أما أنتم، أيها الإعلاميون والإعلاميات، فلا نطلب منكم أن تمدحونا، ولا نريد منكم أن تقولوا ما يرضينا. قولوا الحقيقة. ولا تجعلوا من الخبر حكمًا قبل الحقيقة، ولا من الاختلاف خصومة، ولا من الحرية فوضى. لأنكم لا تحملون ميكروفونًا أو قلمًا أو كاميرا فحسب؛ أنتم تحملون ثقة الناس. من هذا المكان الذي سُمع يومًا صوت المطبعة، ومن البيت الذي عَرف أغاجانيان، ومن كنيسة قدّمت مالويان شهيدًا وقديسًا، نريد أن نضع بين أيديكم الليلة أمانةً واحدة: لا تسمحوا للحقيقة أن تصبح يتيمةً في لبنان. قد نختلف في السياسة وقد تختلف قراءاتنا للأحداث وقد تتبدّل الحكومات والعهود والأشخاص لكن يجب أن يبقى هناك شيء واحد لا نساوم عليه: هو لبنان. لبنان الإنسان قبل الحسابات، لبنان الدولة قبل المصالح، لبنان الحقيقة قبل الإشاعة، ولبنان الذي يجمعنا قبل كل ما يفرّقنا. أنتم تكتبون كل يوم خبر لبنان؛ فاكتبوه بما يليق بوطن يستحق الحياة. أنتم تنقلون صورته إلى العالم؛ لا تسمحوا لأحد أن يختصر لبنان بأزماته. وأنتم تصنعون جزءًا من ذاكرته؛ اجعلوا هذه الذاكرة أمينةً للحقيقة”.

ختم:”من قلب هذه البطريركية أقول لكم: شكرًا لأنكم كنتم معنا. شكرًا لأنكم حملتم معنا فرح إعلان قداسة مالويان. شكرًا لكل تعاون ومحبة ووفاء قدّمتموه لبطريركيتنا. وشكرًا مسبقًا لكم، على مسيرة كل طريق جديد سنسير فيه معًا. صلاتنا أن يحفظ الله فخامة رئيس الجمهورية واللبنانية الأولى، وأن يبارك كل مسؤول يعمل بصدق وإخلاص في خدمة الوطن، وأن يحفظ جيشنا ومؤسساتنا وشعبنا. وأن يحفظكم أنتم، أهل الإعلام، أحرارًا في كلمتكم، أمناء في رسالتكم، شجعانًا في قول الحقيقة. الكلمة قد تُقال في لحظة لكن أثرها يبقى لأجيال. وليكن إعلام لبنان دائمًا صوتًا للحقيقة، ولتكن الحقيقة دائمًا في خدمة الإنسان وليكن الإنسان دائمًا في قلب لبنان. حفظ الله لبنان، وحفظ كلمته حرّة،وحفظ أبناءه مجتمعين حول وطنٍ واحد، ودولةٍ واحدة، ورجاءٍ واحد. أهلًا وسهلًا بكم في بيتكم، ومن القلب، شكرًا لكم”.

الوزير مرقص

وكانت كلمة للوزير مرقص قال فيها:” يسعدني أن أكون بينكم في هذا اللقاء الذي يجمعنا حول مائدة المحبة، بدعوة كريمة من صاحب الغبطة البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان، تكريما للصحافة والإعلام، هذه المهنة التي لم تكن في لبنان يومًا مجرد نقل للأخبار، بل كانت جُزءًا من تاريخه، وذاكرته، وحياته الوطنية. وأود في هذه المناسبة أن أحيّي غبطَته على هذه الالتفاتة التي تحمل أكثر من معنى. فحين تفتح الكنيسة أبوابها للصحافة والإعلام، إنما تؤكد أن الكلمة الصادقة تظل جسرًا بين الإنسان والإنسان، وبين المجتمع ومؤسساته، وأن الحوار يبقى السبيلَ الأجدى لمواجهة الانقسام والخوف وسوء الفهم”.

أضاف:” لبنان، هذا البلد الذي قام على التنوع ، يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت إلى إعلام يعرف كيف يحمي هذا التنوع بدل أن يحوّله إلى مادة للانقسام، وإلى صحافة تضيء على الحقيقة بدل أن تتركها أسيرة الإشاعات والأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية. إنني أنظر إلى الصحافة اللبنانية بوصفها شريكًا أساسيًا في بناء الدولة، ومراقبًا لأدائها، ومساحة للنقاش العام. ومن موقعنا في وزارة الإعلام، نؤمن بأن تنظيم الإعلام لا يعني تقييد حريته، بل حماية هذه الحرية وتحصينها بالمسؤولية المهنية والأخلاقية، بما ينسجم مع روحِ الدستور والقوانين ومع التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع الإعلامِ. ونحن اليوم أمام تحدٍّ جديد لا يمكن تجاهله: الذكاء الاصطناعي الذي يغيّر طريقة إنتاج الخبر وتوزيعه واستهلاكه، ويفتح أمام الإعلام فرصًا واسعة، لكنه يطرح في المقابل أسئلة عميقة عن الحقيقة والصدقية وحقوق الإنسان والملكية الفكرية. وفي خضم هذا التحول، أعتقد أن علينا أن نتذكر دائمًا أن التكنولوجيا تستطيع أن تساعد الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تحل محل عقله وضميره. فالذكاء الاصطناعي قد ينتج نصًا، لكنه لا ينتج مسؤولية. وقد يصنع صورة، لكنه لا يملك ضميرًا. وقد يسرّع انتشار المعلومة، لكنه لا يعرف وحده أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الأكذوبة. من هنا، إن مستقبل الإعلام لن يكون في منافسة الإنسان مع الآلة، بل في قدرة الإنسان على استخدام الآلة من دون أن يتنازل عن عقله وحريته وحسّه النقدي وأخلاقياته المهنية”.

تابع: ” إن تكريم الصحافة هو، في جوهره، تكريم للكلمة. والكلمة مسؤولية. وفي بلد مثلَ لبنان، عانى كثيرا بفعل الحروب والانقسامات والأزمات، تبقى الكلمة قادرة على أن تكون عامل تهدئة أو عامل توتر، وسيلةً للحوار أو وقودًا للانقسام. لذلك، نريد إعلامًا حرًا، ولكن نريد أيضًا إعلامًا مسؤولًا. نريد صحافة تسأل وتنتقد وتحاسب، من دون أن تفقد احترامها للحقيقة وللإنسان وللمصلحة العامة. وأمام التحديات التي تواجه لبنان، تبقى مَهمتنا المشتركة أن نحافظ على مساحة اللقاء، وأن نختلف من دون أن نتخاصم، وأن ننتقد من دون أن نَكره، وأن نختلف في الرأي من دون أن نختلف على الوطن”.

وتوجه إلى اللبنانية الأولى “ممثلة فخامة الرئيس الذي تشخص أنظارُنا إليه في مسيرة النهوض بلبنان في هذا العهد” بالقول: ” شكراً لحضورِكِ وإغناء هذا اللقاء”.

وللبطريرك ميناسيان قال:” شكرًا لكم على هذا العشاء الذي يجمع أهلَ الصحافة حول قيم المحبة والحوار والعيش المشترك”.

ختم: “شكرًا للصحافيين والإعلاميين الذين يواصلون أداء رسالتهم، في ظروف ليست سهلة، مؤمنين بأن لبنان يستحق إعلامًا يليق بتنوعه، وبحريته، وبمكانته”.

في ختام الاحتفال قدم البطريرك للوزير مرقص ميناسيان وللاعلاميين ميدالية القديس إغناطيوس مالويان تكريما لهم.