في الذاكرة الاجتماعية حكايات عن أصحاب نفوذ كانوا يدركون أن السلطة لا تعيش فقط في القرارات الكبرى، بل تحتاج إلى أن يشعر الناس بوجودها في التفاصيل الصغيرة. كانت الحاشية أحيانًا تتعمد صناعة حادثة لا قيمة لها في ذاتها، لتجعل منها مشهدًا عامًا يذكّر الناس بوجود صاحب السلطة.
تروي بعض الحكايات أن الاقتراب من شجرة زيتون مملوكة لصاحب القصر، أو المرور في مكان معين خلافًا لأمر صادر عنه، كان يمكن أن يؤدي إلى تدخل أمني شديد لا يتناسب مع حجم المخالفة. وفي بعض الروايات، كان أحد أفراد الحاشية يتعمد مخالفة الأمر، ثم تتولى الحاشية الأمنية إظهار البطش أمام الناس، لكي تصل الرسالة، هناك سلطة تراقب التفاصيل، ومن يتجاوزها يدفع الثمن.
قد لا تكون هذه الحكايات وثائق تاريخية دقيقة، لكن بقاءها في الذاكرة يحمل معنى مهمًا: السلطة كانت تعرف أن حضورها لا يثبت فقط بالقرارات الكبرى، وإنما أيضًا بما يراه الناس في حياتهم اليومية.
بعد مئات السنين، تغير معنى السلطة. لم تعد الدولة الحديثة تحتاج إلى الحاشية ولا إلى استعراض البطش. أصبحت المؤسسة والقانون هما وسيلة الحضور. لكن الفكرة الأساسية بقيت صالحة بصيغة أخرى ، الدولة التي لا تظهر في التفاصيل تترك تفاصيلها لغيرها.
وهذا بالضبط ما ينبغي أن نتوقف عنده في لبنان اليوم. فالسلطة اللبنانية تواجه مسؤوليات ضخمة، من الحرب وتداعياتها، مفاوضات، حدود وسيادة، أضرار وتهجير، وإعادة إعمار، إلى جانب أزمة اقتصادية واجتماعية لم تنتهِ. ومن الطبيعي أن تستحوذ هذه الملفات على الاهتمام السياسي. لكن في اللحظة نفسها، وربما بسببها تحديدًا، تحتاج الدولة إلى أن تكون أكثر حضورًا في التفاصيل. ليس استعراضًا للقوة، وإنما ممارسة فعلية للوظيفة العامة.
المشكلة التي ينبغي الحذر منها هي أن تتحول عملية استعادة الدولة لدورها إلى مجرد استخدام لأسماء مؤسساتها، فيما تبقى آليات العمل القديمة وشبكات النفوذ القديمة موجودة داخلها فإذا أرادت الدولة أن تتولى تخمين الأضرار بعد الحرب، مثلًا، فلا يكفي أن تقول إن التخمين يتم عبر مؤسسة رسمية.
بل الأهم من يقوم بالتخمين؟ وكيف اختير؟ ولمن يرفع تقريره؟ وهل يستطيع المتضرر أن يعترض؟ وهل توجد معايير موحدة؟ وهل يمكن مراجعة القرار؟ وهذه التفاصيل هي التي تحدد إن كانت الدولة قد استعادت وظيفتها فعلًا أم استعادت عنوانها فقط.
ولذلك فإن المؤسسات الرسمية المعنية بالأضرار والإغاثة وإعادة الإعمار يجب أن تعمل عبر موظفين وخبراء ولجان يتم اختيارهم على أساس الكفاءة والاستقلالية، بعيدًا عن أي ارتباط سياسي أو حزبي مباشر أو غير مباشر بالقوى التي كانت تؤدي هذه الوظائف خارج الدولة. بل اكثر من ذلك على السلطات الآن واكثر من اي وقت مضى ان تعمد الى فرض آليات مختلفة طالما تقدم الخدمة الى الأهالي والسكان المحتاجين ، المطلوب تغيير القاعدة التي يُختار على أساسها الشخص. ويمكن، مثلًا، أن يكون مجلس الجنوب نموذجًا يستحق المراجعة في هذه المرحلة. ليس المطلوب الدخول في سجال حول تاريخه أو حول الأشخاص الذين تولوا المسؤوليات فيه، بل الاستفادة من التجربة لتجنب إعادة إنتاج النموذج نفسه. فمن الأفضل إذا أصبحت هناك حاجة إلى تخمين أضرار الجنوب، فلا ينبغي أن تكون المعالجة مجرد إعادة إنتاج الأشخاص والآليات ذاتها التي ارتبطت طويلًا بجهة سياسية بعينها. فالأنسب والمطلوب أن تتولى المهمة مؤسسات الدولة المختصة، وأن يتم اختيار فرق العمل من داخل المؤسسات الرسمية أو من خبراء مستقلين، على أساس واضح من الكفاءة والنزاهة وعدم الارتباط بالقوى السياسية المستفيدة من نتائج العملية.وان تتعزز بادارة رقابية متنوعة المصادر القانونية .فالاستقلال هنا ليس ترفًا بل إنه شرط للثقة.
البلدية والسلطات المحلية الرسمية يجب أن تعرف ما الذي يجري على أرضها، والوزارة المعنية يجب أن تملك البيانات والخطة، والجهة المنفذة يجب أن تكون معروفة، والتمويل يجب أن يكون قابلًا للتتبع، والمواطن يجب أن يعرف من المسؤول. لا يجوز أن تتحول عملية إعادة الإعمار إلى مجموعة مشاريع منفصلة تتنافس فيها القوى السياسية على الظهور.
فالطريق الذي يُعاد بناؤه اليوم يمكن أن يصبح غدًا دليلًا على حضور جهة سياسية، والمدرسة التي تُجهز قد تتحول إلى عنوان لجهة مانحة مرتبطة بها، والمساعدة التي تصل إلى العائلة قد تتحول إلى ذاكرة سياسية طويلة. وفي بلد مثل لبنان، حيث للذاكرة السياسية وزن كبير، لا يجوز الاستهانة بهذه التفاصيل. لكن الدولة يجب أن تضمن ألا تتحول الحاجة إلى المواطنين إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفوذ القوى التي جعلتهم، في مراحل مختلفة، أكثر اعتمادًا عليها.
وهذا لا يعني أن كل جمعية حزبية فاسدة، ولا أن كل مساعدة تقدمها جهة سياسية سيئة. المسألة أبسط وأعمق ، ما الذي نريد بناءه بعد هذه الأزمة؟
وقد تبدو المقارنة مع دول أخرى بعيدة عن الواقع اللبناني، لكنها تساعد على فهم المسألة.
في الدول التي تواجه حروبًا أو أزمات كبرى، لا تتوقف الدولة عن ممارسة وظائفها بحجة أن الأولوية للمعركة السياسية أو العسكرية. التجربة الأوكرانية، مثلًا، أظهرت أهمية استمرار الخدمات العامة والمؤسسات المحلية في أثناء الحرب، لأن صمود الدولة لا يتعلق بالجبهة وحدها، بل بقدرتها على إبقاء المجتمع مرتبطًا بمؤسساته العامة.
وفي تجارب الدول التي مرت بكوارث كبيرة، كان تنظيم الإغاثة وإعادة الإعمار عبر قنوات رسمية قابلة للمراقبة جزءًا من استعادة الثقة، لا مجرد مسألة تقنية.
ان الدرس الذي يمكن أن نأخذه من هذه التجارب ليس تقليدها، وإنما فهم أن الأزمة هي أكثر اللحظات التي تحتاج فيها الدولة إلى مؤسساتها، لا إلى بدائل عنها.
ولبنان اليوم بأشد الحاجة إلى هذا الأمر. فالسلطة التي تتفاوض على وقف الحرب أو على الحدود أو على مستقبل البلاد تحتاج إلى أن تثبت في الداخل أنها تمثل الدولة فعلًا. وعندما تعود الدولة إلى الجنوب ليس فقط من خلال حضور أمني، وإنما من خلال الإدارة والخدمات والقانون والتنمية.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بعد كل ما مر به لبنان هو أن نعيد بناء الدولة بالأدوات التي ساهمت في إضعافها. اذ قد يبدو ذلك مريحًا وسريعًا في البداية. فالجهات المحلية تعرف مناطقها، وتعرف الناس، وتملك شبكات جاهزة، وتستطيع الوصول بسرعة إلى المتضررين. لكن السرعة ليست المعيار الوحيد. ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس فقط أن تمارس الدولة وظائفها، بل أن تمارسها بالطريقة التي تعيد بناء العلاقة المباشرة بينها وبين المواطن.
وهذا يبدأ من أبسط الأشياء: من استمارة تخمين الضرر، ومن اللجنة التي تكشف المنزل، ومن الموظف الذي يستقبل صاحب الطلب، ومن البلدية التي تنظم المعلومات، ومن الجهة التي تدفع التعويض، ومن الطريقة التي يدخل بها مشروع إعادة الإعمار إلى القرية.
قد تبدو هذه تفاصيل صغيرة. لكنها، في النهاية، هي التي تحدد لمن تعود السلطة . ان المعنى الحقيقي لاستعادة الدولة ليس أن تحل محل القوى المحلية في توزيع الخدمات. بل أن تنهي الحاجة إليها كوسيط. وهنا تحديدًا تكمن مسؤولية السلطة اللبنانية في هذه المرحلة.
فإذا كانت هذه الأزمة فرصة لاستعادة الدولة، فلا يجوز أن تتحول إلى فرصة لإعادة تدوير السلطة التي أخذت مكان الدولة ، وربما يكون المطلوب اكثر اعادة تدوير وتشكيل الأفراد في المسؤليات الصغيرة على كافة الأراضي اللبنانية ، لتخفيف حدة النفوذ السياسي .