عيسى يحيى

حين يغيب السياسي السنّي عن طاولة البقاع

4 دقائق للقراءة
من زيارة ملتقى "البقاع إنماء وانتماء" إلى قصر بعبدا في 2 أيلول 2026

بين وجود مرجعية دينية سنيّة حاضرة، وغياب نسبي لمرجعية سياسية سنيّة مستقلة تتحدث باسم شريحة واسعة من أبناء بعلبك الهرمل، يعلّق التمثيل السنّي في البقاع الشمالي بين المرجعية الدينية والغياب السياسي، ويصبح لزامَا على السنّة هنا أن يصنعوا تمثيلهم بأنفسهم، لا أن يصادر بسبب التشتت تارةً، وغياب الإطار الجامع الذي يحاكي طموحاتهم وآراءهم تارةً أخرى، أو ينصهر في بحر العددية وفائض الأرقام.

قد يكون المشهد الذي رافق لقاء وفد "البقاع إنماء وإنتماء" رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أكثر دلالة مما يبدو للوهلة الأولى، فبينما اجتمعت شخصيات بقاعية من مختلف المناطق والطوائف للبحث في قضايا الإنماء وحضور الدولة ومستقبل البقاع، كان لافتًا تمثيل محافظة بعلبك الهرمل الذي اقتصر على مفتيها الشيخ بكر الرفاعي، في غياب أي شخصية سياسية سنيّة من المحافظة عن هذا المشهد. ليست المسألة هنا انتقادًا للمرجعية الدينية، بل على العكس، فحضور المفتي ودوره في جمع الناس وحفظ التوازن الاجتماعي والديني أمرٌ أساسي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين الصوت السياسي السني الذي يتولى إلى جانب المرجعية الدينية التعبير عن قضايا أبناء المنطقة والطائفة ومطالبهم المحقة؟

لم تكن بعلبك الهرمل يومًا منطقة هامشية في التركيبة السنيّة اللبنانية، فهي تضم قرى وبلدات سنيّة واسعة، وكتلة ناخبة، ومقعدان نيابيان، ومرجعية إفتاء، وفعاليات اجتماعية وثقافية واقتصادية. ومع ذلك عندما تشكّل إطار بقاعي واسع لنقل مطالب وهموم المحافظة ظهر التمثيل السياسي السنّي للمحافظة غائبًا، فيما حضرت المرجعية الدينية.

اعتاد أبناء المنطقة السنّة على مدى سنوات، أن ينظر إلى حضورهم من زاوية الانتخابات والمقاعد والتحالفات، لا كطائفة ومكون أساسي من مكونات المحافظة لهم بلداتهم وامتدادهم الاجتماعي والعائلي، وحضورهم الاقتصادي والثقافي، ومرجعيتهم الدينية. لكن هذا الحضور المتعدد لم يتحول حتى اليوم إلى قوة سياسية منظمة تعرف ماذا تريد، ومن يتحدث بإسمها، وكيف تضع مطالبها على الطاولة. فوجود نائبين في المجلس النيابي لا يعني بالضرورة وجود مشروع سياسي سنّي. وعليه فإن السؤال المطروح اليوم: ماذا يريد السنّة في بعلبك الهرمل من دولتهم؟ وماذا يريدون لمحافظتهم؟ ومن يحمل مطالبهم عندما تجتمع القوى السياسية حول طاولة واحدة؟

ليس المطلوب اليوم إنتاج مواجهة سنيّة - شيعية، ولا بناء خطاب يستفز شركاء المحافظة، وليس المطلوب أيضًا منافسة المرجعية الدينية أو مصادرة دورها. على العكس، فإن قوة أي مشروع سنّي يبدأ باحترام المرجعية الدينية ومكانتها، ولكن مع إدراك واضح أن الديني والسياسي مجالان متكاملان لا يلغي أحدهما الآخر. فالمطلوب ببساطة أن تستعيد البيئة السنيّة قدرتها على تنظيم نفسها سياسيًا. والانتخابات النيابية المقبلة ليست موعدًا لتسمية مرشحين فحسب، إنها فرصة ترتيب البيت السنّي إذا أراد أبناؤه ذلك.

المطلوب إذًا ليس صناعة خصومة جديدة في بعلبك- الهرمل، ولا فتح مواجهة مع أحد، بل إنهاء حالة سياسية لم تعد تليق بحجم الحضور السنّي في المحافظة. فالسنّة الذين يملكون تاريخًا وحضورًا اجتماعيًا وثقلا انتخابيًا ومرجعية دينية، لا يجوز أن يبقى صوتهم السياسي موزعًا بين الأفراد والتحالفات، أو أن يُستدعى فقط عند الاستحقاقات. وربما آن الأوان للمرجعيات الدينية والسياسية أن تتعامل مع هذه المسألة باعتبارها مسؤولية لا ترفًا سياسيًا، وأن يبادر أبناء البيئة أنفسهم إلى جمع كلمتهم وصياغة مشروعهم. فالانتخابات المقبلة قد تكون محطة لتكريس هذا الفراغ، وقد تكون بداية لاستعادة القرار، والفارق بين الاثنين أن يبدأ السنّة اليوم، لا غدًا، في تحديد من يمثلهم وماذا يريدون.