هل فقد اللبناني رغبته في التغيير، أم فقد ثقته بقدرته على تحقيقه؟
في الديمقراطيات الحية، لا تُقاس قوة المشاركة السياسية بمجرد عدد الناخبين أو حجم الاحتجاجات، بل بقدرة المواطن على الإيمان بأن صوته يمكن أن يصنع فرقًا، وأن مشاركته قادرة على الانتقال من التعبير إلى التأثير، ومن المطالبة إلى القرار، ومن القرار إلى تغيير ملموس في حياة الناس. فالديمقراطية ليست مجرد آلية لاختيار ممثلين، وإنما علاقة ثقة بين المواطن والمؤسسات، وبين المشاركة والنتيجة، وبين المسؤولية السياسية وإمكانية التغيير.
ومن هذه الزاوية، تبدو الأزمة اللبنانية أعمق بكثير من مجرد أزمة ثقة بطبقة سياسية أو حكومة أو مجلس نيابي. إنها أزمة ثقة بجدوى الفعل السياسي نفسه، بل وربما أزمة ثقة بقدرة المواطن على التأثير في المسار العام.
في لبنان، لا تبدو المشكلة السياسية دائمًا في غياب الوعي، ولا في انعدام الرغبة في التغيير، ولا حتى في عدم قدرة اللبنانيين على النزول إلى الشارع والتعبير عن غضبهم. فالتجربة اللبنانية خلال السنوات الأخيرة أثبتت العكس تمامًا. خرج الناس إلى الشوارع، واحتجوا، وانتخبوا، وأسّسوا مجموعات مدنية، وخاضوا معارك اجتماعية وسياسية، ورفعوا شعارات تجاوزت في لحظات كثيرة الانقسامات التقليدية.
ومع ذلك، بقي السؤال الأكثر إلحاحًا بلا جواب واضح:
لماذا لا يتحول هذا الغضب الشعبي، وهذه المشاركة، وهذا الوعي، إلى تغيير سياسي ومؤسساتي مستدام؟
ربما هنا تكمن إحدى أكثر المفارقات اللبنانية قسوة: المواطن اللبناني قد يكون واعيًا للمشكلة، رافضًا لها، غاضبًا منها، لكنه في الوقت نفسه غير مقتنع بأن مشاركته قادرة على تغيير النتيجة.
وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته بـ«الفاعلية السياسية السلبية».
فاللامبالاة السياسية تعني أن المواطن لا يهتم. أما الحالة اللبنانية فهي أكثر تعقيدًا: المواطن يهتم، ويتابع، وينتقد، وربما يحتج، لكنه يصل في مرحلة معينة إلى قناعة مفادها: «ماذا أستطيع أن أفعل؟»
ومن هنا تبدأ الاستقالة السياسية.
ليست الاستقالة السياسية بالضرورة قرارًا معلنًا بالابتعاد عن السياسة. قد تكون صمتًا، أو امتناعًا عن التصويت، أو هجرة، أو انسحابًا من العمل العام، أو عودة إلى الاحتماء بالطائفة والعائلة والزعيم، أو ببساطة قبولًا بالأمر الواقع باعتباره أقل كلفة من محاولة تغييره.
من الاحتجاج إلى الإحباط
شهد لبنان خلال العقد الأخير سلسلة من المحطات التي كان يمكن أن تشكل نقاط تحول حقيقية.
في عام 2015، انفجرت أزمة النفايات، وتحولت حركة «طلعت ريحتكم» من احتجاج على أزمة بيئية وخدماتية إلى مساحة أوسع للاعتراض على الفساد والعجز السياسي. لم يكن الشارع يومها يحتج على النفايات فقط، بل كان يعبر عن رفض منظومة سياسية عاجزة عن إدارة أبسط شؤون الدولة.
ثم جاءت تجربة «بيروت مدينتي» في الانتخابات البلدية عام 2016، مع ما لنا من تحفظات وملاحظات، لتقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا عن السياسة التقليدية، وتثبت أن هناك شريحة من اللبنانيين مستعدة لخوض المعركة السياسية خارج الأطر الحزبية والطائفية المعروفة.
وفي انتخابات 2018، ظهرت لوائح وشخصيات ومجموعات حاولت تقديم نفسها كبدائل عن القوى التقليدية. كانت الرسالة واضحة: هناك جمهور يريد خيارات جديدة.
ثم جاءت اللحظة الأكبر في 17 تشرين الأول 2019.
لم تكن «انتفاضة 17 تشرين» مجرد حركة احتجاجية محدودة. فقد انتشرت التظاهرات في مختلف المناطق اللبنانية، وشارك فيها لبنانيون من خلفيات اجتماعية وطائفية ومناطقية متعددة. رفعت شعارات ضد الفساد، والمحاصصة، والطبقة السياسية، وطالبت بدولة أكثر عدالة ومساءلة.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدا أن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين يريد أن يقول بوضوح:
المشكلة ليست في هذا السياسي أو ذاك فقط؛ المشكلة في طريقة إنتاج السلطة نفسها.
لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
استقالت حكومة، وتغيرت حكومات، وارتفعت حدة الانهيار الاقتصادي، ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ليضيف جرحًا وطنيًا عميقًا إلى أزمة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وكان السؤال الذي طرحه اللبنانيون بعد الانفجار أكثر قسوة من كل ما سبقه:
إذا كان المواطن لا يستطيع الحصول على حقه في العدالة حتى في قضية بهذا الحجم، فكيف يمكن إقناعه بأن صوته الانتخابي أو مشاركته السياسية ستغير شيئًا؟
هنا تتحول خيبة الأمل إلى قناعة.
وقناعة المواطن بأن صوته لا يغير شيئًا أخطر بكثير من عدم اهتمامه بالسياسة.
المشكلة ليست غياب المشاركة، بل غياب نتائجها
ربما يكون من الخطأ القول إن اللبنانيين شعب غير سياسي أو غير مهتم بالشأن العام. التاريخ الحديث للبنان لا يسمح بهذه الخلاصة.
المشكلة أكثر عمقًا:
اللبناني يشارك، لكنه لا يرى دائمًا نتائج لمشاركته. يحتج، لكن الاحتجاج لا يتحول بالضرورة إلى إصلاح. يصوت، لكن النتائج قد تعيد إنتاج القوى نفسها.
ينتخب وجوهًا جديدة، ثم يكتشف أحيانًا أن الوجوه الجديدة تعمل داخل قواعد اللعبة القديمة. وهنا تظهر مشكلة أساسية يمكن تلخيصها بجملة واحدة:
لا يعاني لبنان أساسًا من عجز في المشاركة السياسية، بل من عجز في تحويل المشاركة السياسية إلى تأثير مؤسساتي.
وهذا العجز هو الذي يقتل الأمل تدريجيًا.
فعندما يشارك المواطن مرة ولا يرى نتيجة، ثم يشارك مرة ثانية ولا يرى نتيجة، ثم يشارك ثالثة ويكتشف أن الذين وعدوا بالتغيير أصبحوا عاجزين عنه أو جزءًا من آلياته، تبدأ المشاركة نفسها بفقدان معناها.
وعندها يصبح السؤال:
لماذا أشارك إذا كانت النتيجة محسومة سلفًا؟
حين تصبح المنظومة أقوى من الأشخاص
لا يمكن تفسير استمرار النظام السياسي اللبناني فقط من خلال قوة الأحزاب التقليدية.
فالمنظومة ليست مجموعة أشخاص فقط؛ إنها شبكة من المصالح والقواعد غير المكتوبة والعلاقات الزبائنية والتحالفات والقدرة على توزيع الخدمات والموارد والحماية السياسية.
ولهذا فإن تغيير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير النظام.
قد يدخل شخص جديد إلى البرلمان، أو تتقدم مجموعة مدنية، أو تظهر شخصية مستقلة، لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد الوصول إلى المؤسسة:
هل يستطيع هذا الشخص تغيير قواعد اللعبة، أم أن قواعد اللعبة ستغيره؟
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في تجربة التغيير اللبنانية.
من البديل إلى جزء من النظام
ليس من العدل وضع جميع المستقلين والقوى التغييرية في سلة واحدة. فهناك شخصيات ومجموعات حافظت على مواقفها، ودافعت عن استقلاليتها، واستمرت في طرح قضايا الإصلاح والمساءلة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل تجربة بعض الذين دخلوا الحياة السياسية باعتبارهم ممثلين للتغيير، ثم بدأت المسافة بينهم وبين خطابهم الأول تضيق.
وهنا يجب أن تطرح الأسئلة بصراحة، بعيدًا عن الشخصنة والتجريح:
ماذا فعل المستقلون عندما دخلوا المؤسسات؟ هل حافظوا على استقلاليتهم؟
هل استطاعوا بناء مؤسسات سياسية وتنظيمات مستدامة، أم بقيت التجربة مرتبطة بأفراد وشخصيات؟ هل تحولت بعض التحالفات الضرورية إلى تسويات دائمة؟
هل أعادت بعض الشخصيات الجديدة إنتاج منطق الزبائنية أو الشخصانية الذي كانت تنتقده؟ هل نجح من وصل إلى البرلمان في ترجمة آمال الناخبين إلى تشريعات وممارسات ورقابة ومساءلة؟ وهل كان البديل السياسي مستعدًا فعلًا للحكم، أم كان مستعدًا أكثر للاعتراض؟
هذه الأسئلة ليست محاولة لتبرئة الطبقة السياسية التقليدية. على العكس، إنها محاولة لوضع مسؤولية التغيير في مكانها الصحيح.
فالمنظومة التقليدية تتحمل مسؤولية كبرى عن الانهيار السياسي والاقتصادي والمؤسساتي، لكن القوى التي قدمت نفسها كبديل لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد خارج دائرة المساءلة.
من المعارضة إلى السلطة: الاختبار الحقيقي
من السهل نسبيًا أن تكون معارضًا. من السهل أن تنتقد الحكومة، وتكشف الفساد، وترفع الشعارات، وتقول إن النظام فاشل.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح جزءًا من المؤسسة. هناك، لا يعود السؤال:
هل أنت ضد النظام؟
بل يصبح:
ماذا ستفعل عندما تصبح جزءًا من النظام؟
وهنا تظهر الفجوة بين الخطاب التغييري والممارسة التغييرية.
قد يكون الإنسان مستقلًا في خطابه، لكنه يفقد استقلاليته في تحالفاته.
وقد يكون تغييريًا في شعاراته، لكنه يتصرف بمنطق تقليدي عندما يدخل إلى المؤسسات. وقد يرفض المحاصصة نظريًا، لكنه يقبل بتسويات تجعلها جزءًا من ممارسته السياسية.
وقد يرفع شعار بناء الدولة، لكنه لا ينجح في بناء تنظيم سياسي ديمقراطي داخل مجموعته نفسها.
ولهذا، فإن الاستقلالية ليست لقبًا دائمًا، والتغييرية ليست صفة تُكتسب مرة واحدة؛ إنهما سلوك سياسي يجب أن يُثبت باستمرار.
هل استطاعت قوى التغيير أن تتحول إلى مشروع؟
هذه ربما واحدة من أهم مشكلات التجربة اللبنانية الحديثة.
نجحت قوى كثيرة في إنتاج الاحتجاج، ونجحت في إنتاج الخطاب، ونجحت في جذب جمهور غاضب من الطبقة السياسية.
لكن هل نجحت بالقدر نفسه في إنتاج مشروع سياسي متكامل؟
المشروع السياسي لا يعني فقط رفض المنظومة. إنه يحتاج إلى برنامج اقتصادي، وإداري، واجتماعي، وسيادي، وقضائي، وانتخابي؛ ويحتاج إلى تنظيم، وآليات لاتخاذ القرار، وتمويل شفاف، ومحاسبة داخلية، وقدرة على إدارة الاختلاف.
فالوجه الجديد ليس بالضرورة مشروعًا جديدًا. والشخصية المستقلة ليست بالضرورة مؤسسة. والفوز الانتخابي لا يعني امتلاك القدرة على الحكم.
ومن هنا، فإن أي قوة سياسية تقدم نفسها كبديل مطالبة بأن تجيب مسبقًا عن سؤال الحكم: ماذا ستفعل إذا وصلت إلى السلطة؟ وكيف ستدير الاختلاف؟ وكيف ستموّل نفسها؟ وكيف ستمنع احتكار القرار داخلها؟ وكيف ستضمن ألا تتحول مع الوقت إلى نسخة أخرى من المنظومة التي انتقدتها؟
لماذا يعود المواطن إلى المنظومة نفسها؟
عندما يفقد المواطن ثقته بقدرة البديل على إحداث التغيير، يعود غالبًا إلى الخيار الذي يعرفه. ليس لأنه يحبه بالضرورة، بل لأنه يعتبره أكثر قدرة على حماية مصالحه.
وهنا تعمل الزبائنية السياسية والطائفية كشبكة أمان.
في بلد يعاني من ضعف الدولة والخدمات العامة والأمن الاقتصادي، يصبح السياسي بالنسبة إلى بعض المواطنين ليس فقط ممثلًا سياسيًا، بل مصدرًا للخدمة أو الحماية أو الوظيفة أو الوساطة.
وبالتالي، فإن المواطن قد يعرف أن النظام غير عادل، لكنه يشعر أن الابتعاد عنه قد يكون أكثر كلفة. وهكذا يصبح النظام قادرًا على إعادة إنتاج نفسه حتى عندما يكون مكروهًا.
هذه هي المفارقة:
قد يفقد النظام شرعيته الأخلاقية، لكنه يحتفظ بقدرته العملية على البقاء.
الخوف من كلفة التغيير
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: كلفة المشاركة السياسية.
في بعض البيئات اللبنانية، الانخراط في نشاط سياسي أو انتخابي خارج الاصطفاف التقليدي قد تكون له كلفة اجتماعية أو مهنية أو عائلية. وقد يشعر الفرد أن موقفه السياسي قد يؤثر في علاقاته أو فرصه أو أمنه الاجتماعي.
وهذا يجعل التغيير أكثر صعوبة. فالمواطن لا يسأل فقط:
هل أريد التغيير؟
بل يسأل أيضًا:
ما الذي سأدفعه إذا حاولت تغييره؟
وهنا تصبح المعادلة غير متكافئة.
المنظومة لديها موارد وتنظيم وشبكات، أما المواطن الفرد، فغالبًا ما يملك غضبه وصوته فقط. وعندما يشعر أن تكلفة استخدام صوته أكبر من قدرته على التأثير، يبدأ بالانسحاب.
الهجرة أيضًا شكل من أشكال التصويت
في هذه النقطة يمكن فهم الهجرة اللبنانية بطريقة مختلفة.
الهجرة ليست دائمًا بحثًا عن فرصة اقتصادية فقط. بالنسبة إلى بعض اللبنانيين، تصبح الهجرة نوعًا من الخروج من النظام عندما يفقدون الأمل في إصلاحه.
بدلًا من أن يحاول الفرد تغيير بيئته، يغير البيئة نفسها. وبدلًا من أن يقول:
«سأبقى وأحاول إصلاح البلد»
يصبح منطقه:
«سأغادر وأبني حياتي في مكان آخر».
وهنا تتحول الهجرة من ظاهرة اقتصادية واجتماعية إلى ظاهرة سياسية أيضًا.
إنها شكل من أشكال Exit في مقابل Voice، وفق التمييز الذي قدمه ألبرت هيرشمان Albert O. Hirschman.
والمشكلة أن خروج الأكثر نشاطًا وتعليمًا وقدرة على المبادرة يمكن أن يضعف، على المدى الطويل، قدرة المجتمع نفسه على إنتاج التغيير.
لذلك لا ينبغي النظر إلى الهجرة فقط كخسارة اقتصادية أو ديموغرافية، بل أيضًا باعتبارها مؤشرًا على علاقة اللبناني بدولته وبمستقبله السياسي.
انتخابات 2022: هل تغيرت المعادلة؟
كانت انتخابات 2022 اختبارًا مهمًا لما إذا كان زخم 17 تشرين قادرًا على الانتقال من الشارع إلى المؤسسات. وصل عدد من الوجوه الجديدة والمستقلين إلى البرلمان، واعتبر كثيرون ذلك إنجازًا سياسيًا مهمًا.
لكن النجاح الانتخابي شيء، والتحول السياسي شيء آخر. وهنا يجب ألا يكون السؤال فقط:
كم نائبًا تغييريًا وصل إلى البرلمان؟
بل:
ماذا فعل هؤلاء بعد الوصول؟
هل تمكنوا من تشكيل قوة سياسية مؤثرة؟ هل استطاعوا بناء استراتيجية مشتركة؟ هل حافظوا على ثقة الجمهور؟
هل تحولت أصوات الاعتراض إلى قوة تشريعية ورقابية؟ هل استطاعوا تقديم نموذج مختلف في العمل السياسي؟ وهل نجحوا في إقناع المواطن بأن صوته لم يذهب سدى؟
لأن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد إلى حد كبير ما إذا كان اللبناني سيشارك مجددًا، أم سيعود إلى اللامبالاة أو الانسحاب أو التصويت التقليدي.
عندما يستوعب النظام التغيير
الخطر الأكبر على أي حركة تغيير ليس فقط أن تفشل في الوصول إلى السلطة. الخطر الأكبر أن تصل، ثم تفقد السبب الذي جعل الناس ينتخبونها.
فالمنظومات السياسية لا تحافظ على نفسها فقط بالقوة. أحيانًا تحافظ على نفسها بقدرتها على استيعاب خصومها. يبدأ الاستيعاب بتحالف مؤقت، ثم بتسوية، ثم بمقايضة، ثم بتنازل صغير، ثم يصبح التنازل ممارسة.
وبعد فترة، قد يجد السياسي الجديد نفسه يتحدث بلغة النظام الذي كان ينتقده، ويتعامل بأدواته، ويدافع عن بعض قواعده.
وهنا يحدث أخطر شيء:
لا يعود النظام بحاجة إلى هزيمة التغيير؛ يكفي أن يجعل التغيير يشبهه.
لذلك، فإن التحدي أمام القوى الجديدة ليس فقط الوصول إلى المؤسسات، بل الحفاظ على قدرتها على تغيير قواعد العمل من داخلها.
هل المشكلة في الشعب أم في النظام؟
من السهل تحميل المواطن مسؤولية العزوف. لكن هذا التفسير غير كافٍ.
فإذا كان المواطن قد احتج وانتخب وشارك ثم اكتشف أن النظام قادر على إعادة إنتاج نفسه، فإن تحميله وحده مسؤولية الإحباط يشبه لوم المريض على أعراض المرض.
وفي المقابل، ليس صحيحًا أيضًا إعفاء المواطن بالكامل من المسؤولية.
فالديمقراطية لا يمكن أن تنجح إذا تحولت المشاركة إلى موسمية، وإذا أصبح المواطن مستعدًا للعودة إلى الزبائنية عندما يشعر بالإحباط، أو إذا استبدل القناعة السياسية بالمصلحة الشخصية في كل استحقاق.
لذلك، فإن الأزمة هي أزمة نظام وممارسة ومجتمع وبديل سياسي في آن واحد. النظام التقليدي مسؤول عن إنتاج بيئة سياسية مغلقة.
والمجتمع مسؤول، بدرجات متفاوتة، عن إعادة إنتاجها عندما يقبل بها. والقوى التغييرية مسؤولة عن تقديم بديل قادر فعلًا على البقاء خارج منطقها.
ومن هنا، فإن الإصلاح لا يمكن أن يكون مسؤولية فئة واحدة؛ إنه عملية مشتركة تتطلب تغييرًا في قواعد المؤسسات، وفي سلوك القوى السياسية، وفي الثقافة السياسية للمجتمع.
من الاستقالة السياسية إلى استعادة الفاعلية
إذا كان المرض اللبناني هو فقدان الإيمان بجدوى المشاركة، فإن العلاج لا يمكن أن يكون مجرد دعوة جديدة إلى المشاركة. لا يكفي أن نقول للمواطن: «انزل إلى الانتخابات».
بل يجب أن نثبت له أن صوته له أثر.
ولا يكفي أن نقول: «انتخب وجوهًا جديدة».
بل يجب أن نسأل هذه الوجوه عن برامجها، وتحالفاتها، ومصادر تمويلها، وأدائها، وآليات محاسبتها. ولا يكفي أن نقول: «نحن مستقلون».
بل يجب أن تظهر الاستقلالية في السلوك السياسي. ولا يكفي أن نرفع شعار التغيير.
بل يجب أن نوضح:
ما الذي سيتغير؟ وكيف؟ ومن سيغيره؟ وما الضمانة ألا يتحول الجديد إلى قديم؟
ومن هنا يمكن تحديد مجموعة من الأولويات الضرورية لأي مشروع سياسي يسعى إلى استعادة ثقة اللبنانيين:
أولًا: الانتقال من الاحتجاج إلى المشروع.
يجب أن تتحول القوى التغييرية من تجمعات انتخابية أو احتجاجية إلى مشاريع سياسية واضحة، تمتلك برامج اقتصادية واجتماعية وإدارية وقضائية وانتخابية وسيادية قابلة للنقاش والتنفيذ.
ثانيًا: الانتقال من الشخصانية إلى المؤسسة.
لا يمكن بناء تغيير مستدام حول أفراد مهما كانت نزاهتهم أو شعبيتهم. المطلوب مؤسسات سياسية ديمقراطية، وأنظمة داخلية واضحة، وتداول للقيادة، وآليات لاتخاذ القرار والمحاسبة.
ثالثًا: تحويل الاستقلالية إلى شفافية قابلة للقياس.
ينبغي أن يعرف المواطن مصادر التمويل، وحدود التحالفات، ومواقف ممثليه، وتضارب المصالح المحتمل، وأسباب القرارات السياسية التي يتخذونها.
رابعًا: بناء علاقة مستمرة بين الناخب وممثله.
يجب ألا تنتهي العلاقة يوم الانتخابات. فالممثل المنتخب يحتاج إلى آلية دورية للإبلاغ عن أدائه التشريعي والرقابي والسياسي، بحيث تصبح المحاسبة ممارسة مستمرة لا رد فعل انتخابيًا كل عدة سنوات.
خامسًا: وضع ضوابط تمنع استيعاب قوى التغيير.
التحالفات السياسية قد تكون ضرورية، لكن يجب أن تكون لها أهداف وحدود واضحة، وأن تخضع للمساءلة، حتى لا تتحول التسويات المؤقتة إلى تنازلات دائمة تفقد المشروع هويته.
سادسًا: الانتقال من سؤال «من نرفض؟» إلى سؤال «ماذا سنبني؟».
فالبديل السياسي الحقيقي لا يُعرّف فقط بما يعارضه، بل بما يستطيع بناءه وإدارته.
سابعًا: استعادة الدولة لدورها في حماية المواطن.
كلما ضعفت الدولة، ازدادت الحاجة إلى الزبائنية والطائفية والحماية الشخصية. ولذلك فإن بناء مؤسسات فعالة، وقضاء مستقل، وإدارة حديثة، وخدمات عامة عادلة، ليس مشروعًا إداريًا فقط؛ بل هو جزء أساسي من مشروع التغيير السياسي.
ثامنًا: تحويل الشباب واللبنانيين في الاغتراب إلى طاقة وطنية.
بدلًا من النظر إلى الهجرة باعتبارها خروجًا نهائيًا من الحياة الوطنية، يمكن تحويل الطاقات والخبرات اللبنانية في الداخل والخارج إلى قوة معرفية واقتصادية ومدنية وسياسية مرتبطة بمشروع وطني طويل الأمد.
تاسعًا: بناء ثقافة سياسية جديدة.
التغيير المستدام يحتاج إلى مواطن لا يرى نفسه مجرد ناخب، بل شريكًا في صناعة القرار ومراقبًا للسلطة. وهذا يتطلب تعزيز التربية المدنية والسياسية في المدارس والجامعات والمجتمع المدني والإعلام.
عاشرًا: اعتماد معيار جديد للنجاح السياسي.
لا ينبغي أن يكون عدد النواب أو حجم الحضور الإعلامي هو المعيار الأساسي لنجاح أي قوة سياسية. المعيار الحقيقي هو مقدار التغيير الذي أحدثته: ما الذي تغير في القوانين؟ وفي المؤسسات؟ وفي الممارسات؟ وفي حياة المواطن؟
نحو عقد سياسي جديد
التغيير الحقيقي لا يبدأ من صناديق الاقتراع فقط، ولا من الشارع فقط. إنه يبدأ من إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الناخب وممثله، وبين المشاركة والنتيجة.
ولهذا، فإن لبنان لا يحتاج فقط إلى تغيير الأشخاص، بل إلى إعادة تعريف معنى السلطة نفسها. السلطة ليست امتيازًا، بل مسؤولية.
والتمثيل ليس تفويضًا مفتوحًا، بل أمانة قابلة للمحاسبة. والاستقلالية ليست شعارًا انتخابيًا، بل سلوكًا مستمرًا.
والتغييرية ليست صفة تُكتسب مرة واحدة، بل اختبار يومي أمام إغراء السلطة والتحالفات والمصالح.
إن المهمة الأساسية لأي مشروع سياسي جديد في لبنان ليست فقط أن ينتقد المنظومة، بل أن يثبت أنه قادر على عدم التحول إلى جزء منها؛ وليست فقط أن يقدم وجوهًا جديدة، بل أن يقدم ثقافة سياسية جديدة؛ وليست فقط أن يصل إلى البرلمان، بل أن يحول الوصول إلى تأثير؛ وليست فقط أن يربح الانتخابات، بل أن يحافظ على ثقة الذين انتخبوه.
فالتغيير ليس أن تأتي وجوه جديدة إلى السلطة، بل أن تتغير قواعد السلوك السياسي عندما تصل هذه الوجوه إلى السلطة.
وفي هذا المعنى، فإن مستقبل لبنان لا يتوقف فقط على قدرة القوى التغييرية على الفوز في الانتخابات، بل على قدرتها على تحويل الفوز إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى نتائج، والنتائج إلى ثقة متجددة.
وهنا تحديدًا يمكن الانتقال من الفاعلية السياسية السلبية إلى الفاعلية السياسية الحقيقية.
فالمواطن الذي يقول «ماذا أستطيع أن أفعل؟» لا يحتاج إلى خطاب جديد عن الأمل بقدر ما يحتاج إلى تجربة تثبت له أن الفعل ممكن.
أن يرى أن صوته أحدث فرقًا.
أن يرى أن ممثله خضع للمساءلة.
أن يرى أن المؤسسة أقوى من الشخص.
أن يرى أن القانون يمكن أن ينتصر على الواسطة. وأن يرى أن المشاركة يمكن أن تنتج نتيجة.
عندها فقط تصبح الانتخابات أكثر من عملية اقتراع، ويصبح الاحتجاج أكثر من لحظة غضب، ويصبح المجتمع المدني أكثر من مساحة اعتراض، ويصبح التغيير مشروعًا سياسيًا قابلًا للاستمرار.
وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن يفشل التغيير فحسب، بل أن يتحول التغيير نفسه إلى وسيلة جديدة لإعادة إنتاج المنظومة القديمة.
عندها لن تكون المشكلة أن اللبناني فقد رغبته في التغيير، بل أن التجارب المتكررة أقنعته بأن التغيير لا يغير شيئًا.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط حول من يحكم لبنان، بل حول كيف تُنتج السلطة، وكيف تُمارس، وكيف تُراقب، وكيف يمكن للمواطن أن يستعيد موقعه في قلب العملية السياسية.
إن لبنان الذي يستحق أن يُبنى ليس لبنان الذي ينتظر زعيمًا جديدًا، ولا لبنان الذي يكتفي بتغيير الوجوه، بل لبنان الذي يمتلك مواطنًا فاعلًا، ومؤسسات قوية، وقوى سياسية مسؤولة، ودولة تستعيد قدرتها على حماية الإنسان وصون المصلحة العامة.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط:
«لماذا لا يتغير لبنان؟»
بل يصبح السؤال الأكثر أهمية:
«كيف نبني نظامًا يجعل التغيير ممكنًا، ومستدامًا، وقابلًا للمحاسبة؟»
وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو استعادة ما هو أهم من المشاركة السياسية نفسها:
استعادة الإيمان بأن المواطن قادر فعلًا على صناعة الفرق، وأن الدولة يمكن أن تصبح أقوى من الزعيم، وأن المؤسسة يمكن أن تنتصر على الزبائنية، وأن التغيير يمكن أن يتحول من وعد انتخابي إلى واقع سياسي.
عندها فقط يمكن للبنان أن ينتقل من الاستقالة السياسية إلى المشاركة الفاعلة، ومن إعادة إنتاج الماضي إلى صناعة المستقبل.
الدكتور محسن المكاري
اســتاذ الـ"Geopolitics" الدبلوماسية، العلاقات الدولية والمفاوضات الاستراتيجية
رئيس المكتب السياسي لـ"Forum" "Cedarsمنتدى الارز"
خريج جامعة "Harvard"