أعاد سمير جعجع التفاهم الأميركي ـ الإيراني إلى حجمه، وأعاد لبنان إلى سؤاله الأصلي: هل يكون دولة تقرر مصيرها، أم يبقى مساحة تنتظر ما يقرره الآخرون عنها؟ فالأزمة اللبنانية أعمق من بيان نوايا، وأقسى من مهلة تفاوض، وأخطر من أن تُختصر بفتح مضيق أو إغلاق جبهة. المشكلة أن لبنان، منذ عقود، يُدفع إلى العيش كدولة مؤجلة: لها دستور ولا قرار، جيش ولا حصرية، حكومة ولا تنفيذ، وحدود ولا سلطة كاملة على الحدود.
من هنا، يصيب جعجع حين ينزع عن التفاهم هالة “التحول التاريخي”. ففتح مضيق هرمز قد يهم الأسواق، وخفض أسعار النفط قد يهم واشنطن، وترتيب شروط التفاوض قد يهم طهران. أما لبنان، فلا يهمه من كل ذلك إلا سؤال واحد: هل يصبح قرار الحرب والسلم بيد الدولة أم يبقى في يد تنظيم مسلح يقرر ثم يطلب من الناس التصفيق، ويدمّر ثم يطلب من الدولة الإعمار؟
الممانعة تحاول دائماً سرقة المعنى قبل سرقة السياسة. حين تخسر تسمي الخسارة صموداً. حين تنجو تسمي النجاة انتصاراً. حين تفاوض إيران تسمي ذلك حكمة. وحين تطالب الدولة اللبنانية بالتفاوض تسمي ذلك خيانة. هنا تحديداً تأتي قيمة خطاب جعجع: إعادة الكلمات إلى معناها. السيادة ليست أن يفاوض الإيراني باسم اللبناني. والمقاومة ليست أن يتحول الجنوبي إلى درع بشري. والدولة ليست أن تصدر قراراً ثم تخاف من تنفيذه.
لكن البعد الأعمق في المقابلة هو فتح ملف “الدولة العميقة”. وهذه ليست عبارة إعلامية عابرة. إنها وصف لجوهر الأزمة اللبنانية: أن القرار السياسي قد يتقدم، لكن بنى الدولة القديمة تفرمله. هناك مؤسسات تعودت التعايش مع السلاح. هناك إدارات أتقنت لغة الانتظار. هناك أجهزة تخاف من القرار أكثر مما تخاف من الفوضى. لذلك لا يكفي أن يقول رأس الدولة الكلام الصحيح، ولا أن تتخذ الحكومة القرار الصحيح، إذا بقيت الدولة التنفيذية أسيرة منطق الأربعين سنة الماضية.
المعركة المقبلة، إذاً، ليست فقط مع حزب الله كسلاح، بل مع كل الثقافة التي جعلت السلاح أمراً واقعاً. مع القضاء حين يتردد. مع الإدارة حين تختبئ. مع السياسة حين تساوم. مع الخوف حين يلبس ثوب الحكمة. ومع ذاك الاستسلام الناعم الذي يقول للبنانيين إن الدولة جميلة في الخطاب، مستحيلة في الواقع.
الأهم أن هذا الخطاب لا يعادي الشيعة، بل يحرر النقاش من ابتزاز الحزب باسمهم. الشيعة اللبنانيون لا يحتاجون إلى من يحتكر خوفهم. يحتاجون إلى دولة تعطيهم أمناً لا حرباً، إعماراً لا تعويضات مشروطة، مواطنة لا تبعية، ومستقبلاً لا ذاكرة دائمة من النزوح والدمار. من يضع الشيعة أمام خيار الحزب أو الخوف يرتكب جريمة سياسية بحقهم وبحق لبنان. الخيار الحقيقي هو الحزب أو الدولة، الساحة أو الوطن، الاستعمال أو المواطنة.
كذلك، لا يجوز أن يتحول الاتفاق الأميركي ـ الإيراني إلى فخ نفسي للقوى السيادية. فاللحظة لا تستدعي الإحباط، بل المزيد من الوضوح. ما دام لبنان مطروحاً كبند في تفاوض الآخرين، فهذا يعني أن غياب الدولة هو المشكلة. وما دام الخارج يسأل عن سلاح الحزب قبل أي شيء آخر، فهذا يعني أن ما قالته القوات منذ سنوات لم يكن شعاراً بل تشخيصاً. وما دامت إسرائيل تستخدم السلاح ذريعة للبقاء والاعتداء، فهذا يعني أن حصرية السلاح ليست خدمة لإسرائيل، بل الطريق الوحيد لإسقاط ذرائعها.
لا يُبنى لبنان بردات الفعل، ولا بالانتظار، ولا بالخوف من ضجيج الممانعة. يُبنى حين تتحول الدولة من فكرة جميلة إلى سلطة قادرة. وحين يصبح الجيش المرجعية الوحيدة لا الشريك الخجول في توازنات مفروضة. وحين يتوقف اللبنانيون عن سؤال الخارج ماذا يريد، ويبدأون بسؤال دولتهم: لماذا لا تفعل؟
في النهاية، ما طرحه جعجع ليس تعليقاً على اتفاق. إنه نقل للمعركة إلى مستواها الحقيقي: لبنان لا يريد مكاناً أفضل على طاولة الآخرين، بل يريد طاولته الخاصة. لا يريد أن يكون بنداً في تفاهم، بل دولة تقرر. ولا يريد وقف نار يعيد إنتاج الأزمة، بل سلاماً يبدأ من حقيقة واحدة: لا وطن قابلاً للحياة بسلاحين، ولا جمهورية فعلية بقرارين.