بعد نداء أوّل أطلقوه في 29 أيار 2026، محذّرين من وصول الحرب والتدمير إلى النبطية، وداعين الدولة إلى التحرك قبل فوات الأوان، أطلق أطباء ومهندسون ومحامون ومصرفيون وإعلاميون وأكاديميون وكتّاب وناشطون، في الساعات الماضية، "نداء النبطية الثاني"، ووقّع عليه 400 شخص، ويدعو إلى إرسال الجيش فورًا إلى النبطية.
النبطية تراهن على الدولة
التطورات العسكرية الدراماتيكية التي سجّلتها الساحة الجنوبية في الأيام الأخيرة، وعلى إثر سقوط تلال علي الطاهر بالتحديد بيد الجيش الإسرائيلي، شكّلت الدافع الأساس لهذا النداء. فالخشية كبيرة من أن تكون السلطات السياسية في تل أبيب تعدّ العدّة لتصعيد إضافي في الميدان الجنوبي، بحيث تكون النبطية هدفَها التالي. ذلك أنه، وعلى الرغم من تفضيل الجيش الإسرائيلي إعادة الانتشار نحو ما سمّاها "المنطقة الرمادية"، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بحاجة إلى مراكمة "الإنجازات" لرفع حظوظه بالفوز في الانتخابات الإسرائيلية إلى سقوفها الأعلى، وسقوطُ النبطية، بما ومَن تمثّله، في قبضة جيشه عشية الاستحقاق المرتقب، سيعطيه ما يبحث عنه.
أهل النبطية الذين رأوا ما حلّ بمَن صدّقوا أوهام الممانعة بالردع والصمود والتصدي، وفق ما تقول مصادر سياسية سيادية لـ"نداء الوطن"، يستجيرون بالدولة اللبنانية اليوم. هم يراهنون عليها ويعتبرون أن دخول جيشها إلى المدينة، وانتشاره فيها، وإخراج كل معالم الدويلة الإيرانية واللاشرعية منها، من شأنه تجنيبها الكأس المرّ الذي يريد نتنياهو أن تتجرّعه. ولسان حالهم هو لسان حال معظم الجنوبيين أوّلا، وإن كان هؤلاء لا يرفعون الصوت بعد، بل يكتمون هذه الصرخة في صدورهم، وهو حال معظم اللبنانيين ثانيًا.
إيمان بالشرعية
فنكبة الجنوب أحرقت، إلى غير رجعة، كلّ ما كان "حزب الله" يبيعهم إياه من خبريات وبطولات. ومشهد الدمار والتهجير والمجازر المتنقلة عرّى "الحزب"، وثبّت أن السلاح الإيراني لم يحم ولم يبن.
وفي وقت خرج إيرانيون ليعلنوا بوضوح أن الجنوب اللبناني "انتهى"، في إقرار بأن طهران نفضت يدها منه وأدارت ظهرها له، تقول المصادر إن النبطية تطلب اليوم من الدولة اللبنانية أن تحميها. هي تراهن عليها وتؤمن بها، وبأن الشرعية تحمي، وهي حمت، إلى حدّ كبير، القرى الجنوبية التي تمسّكت بها ورفضت دخول السلاح الإيراني إليها، على مدى حربَي الإسناد.
هل تلبّي النداء؟
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو: "هل الدولة مؤمنة بنفسها وبقدراتها"؟ وهل ستلبّي نداء أبنائها في النبطية وترسل جيشها إليهم، أم ستكسفهم؟ القرار بنشر الجيش وحيدًا على كامل الـ10,452 كلم²، وتنظيفها من السلاح غير الشرعي، مأخوذ. واللبنانيون توّاقون إلى رؤيته يُنفَّذ. فهل تقرّر دولتهم تطبيقه؟
قد يكون الإسرائيلي عاقدًا العزم على إلحاق النبطية بركب الكارثة الجنوبية، لكن على الدولة أن تحاول أقلّه، وأن تسعى إلى أن تثبت لشعبها أوّلا وللعالم ثانيًا أنها تريد أن تمسك بالأرض والقرار، وحدها في لبنان، وذلك من خلال الانتشار بقوة جنوبًا لاستعادته من إيران. فهل تفعل وتُطلق من النبطية قطار حصر السلاح؟