الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (27)

مجتمع لا عدد... متى تتحول الإنسانية من قيمةٍ في الفرد إلى حياةٍ بين الناس؟

14 دقيقة للقراءة


المقدمة

يستطيع الإنسان أن يفكّر وحده، وأن يتأمّل وحده، وأن يختار في داخله القيم التي يريد أن يؤمن بها؛ لكنه لا يستطيع أن يمارس إنسانيته وحده.

فلا معنى لعدالةٍ لا يقف أمامها صاحب حق، ولا لرحمةٍ لا تقترب من متألّم، ولا لاحترامٍ لا يُمنح لإنسان، ولا لتقبّلٍ لم يُختبر أمام مختلف؛ حتى الحرية التي نظنها شأنًا فرديًا لا تظهر حقيقتها إلا حين تلتقي بحرية إنسانٍ آخر.

لقد بحثنا طويلًا عن القيم التي تجعل الإنسان أكثر إنسانية، ودخلنا إلى أعماقه، ثم إلى أسرته والى المكان الذي نصنعه ويصنعنا؛ لكن القيم التي تولد في الإنسان تبقى إمكانيةً صامتة ما لم تخرج منه إلى غيره؛ هناك فقط، في المسافة بين إنسانٍ وإنسان، تتحول الفكرة إلى موقف، والنية إلى فعل، والقيمة إلى حياة.

قد يعيش آلاف البشر في المكان نفسه من دون أن يحدث هذا اللقاء؛ يتبادلون المنافع، ويتزاحمون على الطرق، ويخضعون للقانون نفسه، لكن كلًّا منهم يبقى عالمًا مغلقًا يرى الآخرين حدودًا لمصلحته أو عوائق أمامها.

فالعدد لا يصنع مجتمعًا؛ إنه يضع البشر بعضهم قرب بعض؛ أمّا المجتمع فيبدأ عندما يصبح وجود الآخر جزءًا من وعي الإنسان ومسؤوليته، وحين يدرك أن إنسانيته لا تكتمل في داخله، بل في الطريقة التي يقترب بها من إنسانية غيره.

فكيف تنتقل الإنسانية من قيمةٍ تسكن كلَّ واحدٍ منّا إلى حياةٍ تجمعنا؟

ضرورة الآخر

حين يكون الإنسان وحده، يستطيع أن يظنّ في نفسه ما يشاء؛ أن يصفها بالعدل والرحمة والتواضع، وأن يؤمن بأنه يحترم الجميع؛ لكن ظهور الآخر هو الذي ينقل هذه القيم من صورتها التي نحبها عن أنفسنا إلى حقيقتها.

فالآخر قد يعارض رغبتنا، أو يزاحم مصلحتنا، أو يختلف عن أفكارنا، أو يحتاج إلى شيءٍ نملكه؛ عندها فقط نعرف إن كان العدل مبدأً أم مصلحة، والرحمة خُلُقًا أم انفعالًا، والاحترام حقًا للإنسان أم مكافأةً لمن يشبهنا.

وقد رأى ابن خلدون (Ibn Khaldun) أن "الاجتماع الإنساني ضروري"؛ فالإنسان لا يستطيع وحده أن يؤمّن حاجاته ويحمي حياته، ولذلك يحتاج إلى التعاون مع غيره. لكن الحاجة تستطيع أن تجمع الناس من دون أن تجعلهم أكثر إنسانية؛ فقد نتعاون لأننا نحتاج بعضنا إلى بعض، ثم يستغل القوي الضعيف حين تتاح له الفرصة.

الضرورة تضع البشر معًا، والقانون يمنع بعضهم من الاعتداء على بعض؛ لكن المجتمع الإنساني يحتاج إلى ما هو أبعد: أن يصبح الآخر، لا الخوف من العقوبة، هو الحدّ الذي تتوقف عنده الأنا.

الإنسانية تبدأ في الفرد وعيًا، لكنها لا تصبح واقعًا إلا حين يقف أمامه إنسانٌ آخر.

أن أراك إنسانًا

لا يبدأ المجتمع بالمحبة؛ فالمحبة لا تُفرَض، ولا نستطيع أن نحب جميع الناس؛ لكنه يبدأ بشيءٍ يسبقها ويجعل العيش ممكنًا: أن نعترف بالآخر.

أن أعترف بك لا يعني أن أوافقك أو أن أفهمك تمامًا، بل أن أراك إنسانًا كامل الكرامة قبل أن أعرف اسمك ودينك وفكرك ومكانتك؛ فالاحترام لا ينتظر التشابه، ولا يجعل قيمة الإنسان رهينةً برأينا فيه.

ثم يأتي التقبّل خطوةً أبعد؛ فالاحترام يقول للآخر: لن أهين كرامتك، أمّا التقبّل فيقول له: لن أطلب منك أن تمحو اختلافك كي يكون لك مكان بيننا؛ وقد يحترم المجتمع المختلف نظريًا، ثم يعزله عمليًا، فيسمح له بالوجود من دون أن يسمح له بالانتماء.

ولا يعني التقبّل الموافقة على كل فكرةٍ أو سلوك، بل أن نرفض الفكرة من دون أن نلغي صاحبها، وأن نمارس حقنا في النقد من دون أن نحوّل اختلافنا إلى حكمٍ على إنسانية الآخر.

فالاحترام يحفظ للإنسان كرامته، والتقبّل يفتح له مكانًا؛ ومن الكرامة والمكان تبدأ أولى ملامح المجتمع.

التعدّد يجمعنا

لو كان المجتمع لا ينجح إلا بتشابه أفراده، لما كان مجتمعًا، بل نسخةً واحدةً مكرّرة؛ فالحياة المشتركة لا تبدأ حين تختفي الفروق، بل حين يجد المختلفون ما يكفي من القيم ليبقوا معًا من دون أن يفقد أحدهم نفسه.

ولهذا ينبغي التمييز بين الاندماج والانصهار؛ فالاندماج يجعل الإنسان شريكًا في المجتمع، يسهم في خيره ويحترم حقوقه وقواعده المشتركة، من دون أن يتخلّى عن ثقافته وذاكرته وخصوصيته؛ أمّا الانصهار فيشترط عليه أن يذوب في الأكثرية، وأن يصبح شبيهًا بها كي يُقبَل؛ وهنا، فإن الاختلاف الذي يُجبَر على الاختباء لا يختفي؛ يتحول إلى خوفٍ وانغلاق، وقد يعود يومًا غضبًا وصراعًا دائمًا؛ فمحاولة صهر التعددية لا تصنع وحدةً حقيقية، بل هدوءًا ظاهريًا يقوم على محو الأصوات التي لا تشبه الصوت الغالب.

لا يعني احترام الثقافات أن تصبح كل ممارسةٍ فوق النقد؛ فما يهين الإنسان أو يبرّر العنف لا تحميه تسمية الثقافة؛ نحن لا نصون الاختلاف لأنه صحيح دائمًا، بل نصون حق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ثم نحتكم جميعًا إلى ميزانٍ واحد: كرامة الإنسان.

المجتمع الإنساني لا يختار بين الوحدة والتعددية؛ بل يصنع وحدةً تتّسع للتعدد، وتعدّدًا لا يهدم ما يجمعنا.

المسافة بيننا

لا تسكن القيم داخل الإنسان وحده؛ إنها تظهر في المسافة التي تفصله عن الآخرين وتربطه بهم؛ هناك تصبح الحرية مسؤولة لأنها تلتقي بحريةٍ أخرى، وتصبح العدالة ضرورية لأن الحقوق قد تتعارض، وتصبح الرحمة فعلًا لأن أمامنا ضعفًا لا يخصّنا.

رأى إيمانويل كانط (Immanuel Kant) أن الإنسان يجب أن يُعامَل دائمًا بوصفه غايةً في ذاته، لا مجرد وسيلة؛ فحين نرى العامل يدًا نحتاج إليها، والفقير عبئًا، والناخب رقمًا، والمختلف تهديدًا، قد نستمر في تبادل المنافع، لكننا نكون قد أفرغنا العلاقة من إنسانيتها.

أما مارتن بوبر (Martin Buber)، فميّز بين أن نلتقي الآخر بوصفه "أنتَ"، وأن نتعامل معه بوصفه "شيئًا"؛ في الأولى نقف أمام إنسانٍ له عالمه وصوته وألمه؛ وفي الثانية لا نرى منه إلا ما يقدّمه لنا أو ما يعوق رغباتنا.

ومن هنا لا يعود السؤال: ماذا أستطيع أن آخذ منك؟ بل: ماذا تفرض عليّ إنسانيتك لمجرد أنك تقف أمامي؟ هنا يبدأ الضمير الاجتماعي؛ حين يصبح وجود الآخر حدًّا للقوة، ونداءً للمسؤولية، وفرصةً لأن تخرج إنسانيتنا من داخلنا.

فالمجتمع لا يُبنى حول الإنسان، بل في المسافة الأخلاقية بين إنسانٍ وإنسان.

الطريق مرآتنا

لا تحتاج إنسانيتنا دائمًا إلى مواقف عظيمة كي تظهر؛ قد يكفي طريقٌ مزدحم أو صفٌّ طويل ليكشف حقيقة علاقتنا بالآخر.

فالقيادة ليست مهارةً في التحكّم بالسيارة فقط؛ قبل المهارة هناك الأخلاق؛ من يسلك عكس السير لأنه مستعجل لا يخالف قاعدةً فحسب، بل يعلن أن وقته أثمن من سلامة الجميع؛ ومن يفتح لنفسه مسارًا كي يتجاوز المنتظرين يمارس منطق الواسطة نفسه: يريد من الآخرين أن يحترموا النظام، فيما يمنح نفسه حق الخروج عليه.

ومن يقطع الإشارة لأن شرطيًا لا يراه يكشف أن القانون عنده خوفٌ من العقوبة، لا احترامٌ للآخر؛ ومن يسدّ الطريق أو يحتل الرصيف يتعامل مع المجال العام كأنه ملكٌ ورثه عن أجداده؛ وفي المقابل، من يتوقف لمارٍّ، أو يفسح الطريق لسيارة إسعاف، أو يتنازل عن أسبقيته منعًا للخطر، يمارس احترامًا وتضامنًا مع أشخاص لا يعرفهم وقد لا يراهم مرةً أخرى.

أما الوقوف في الصف، فهو أبسط صور العدالة وأوضحها؛ أن أعترف بأن مَن وصل قبلي له حق يسبق استعجالي، وأن وقت الآخرين لا يقل قيمةً عن وقتي؛ ومن يتجاوز دوره لا يسرق مكانًا فقط، بل يقول للمنتظرين إن حاجته أهم من حاجاتهم.

وفي لبنان، تبدو الطريق أحيانًا صورةً مؤلمة عن المجتمع: يفتح كل واحدٍ لنفسه مسارًا خاصًا، ثم نتساءل لماذا لا يسير الجميع؛ نشتكي من الفوضى فيما نحاول النجاة منها بمزيدٍ من الفوضى، ونرفض مخالفة المسؤول ثم نبرّر مخالفتنا لأنها أصغر.

أرني كيف يقف الناس في الصف، وكيف يتعاملون على الطريق، أقُلْ لك كيف يفهمون العدالة والحق والآخر؛ فالحضارة لا تظهر فقط في القوانين التي نكتبها، بل فيما نفعله حين نستطيع تجاوز غيرنا ولا نفعل.

وكلُّ واحدٍ يريد أن ينجو وحده يصنع، مع الذين يفكرون مثله، واقعًا لا ينجو فيه أحد؛ فالطريق صورةٌ مصغّرة تكشف حقيقة المجتمع.

الإنسان قبل التديّن

يبلغ قبول الآخر امتحانه الأصعب حين يصل الاختلاف إلى الدين؛ لأن الإنسان لا يحمل إيمانه فكرةً فقط، بل معنىً لوجوده وعلاقته بالله والحياة والموت؛ ولهذا قد يصبح الدين أعمق ما يمنحه الرحمة، أو أخطر ما يستخدمه لإقصاء غيره.

الإيمان خيارٌ شخصي وعلاقةٌ خاصة بالله؛ أمّا الإنسانية فهي القاعدة العامة التي نلتقي عليها في المجتمع؛ قد تختلف العقائد والصلوات والأسماء التي ننادي بها الله، لكن ما يسبق اختلافنا هو أننا بشر، لنا الكرامة نفسها والحق نفسه في الحياة والانتماء؛

ولا تكون الإنسانية بديلًا عن الدين، بل الامتحان الذي يظهر فيه أثره؛ فلا يستطيع الإنسان أن يدّعي أنه مع الله الذي لا يراه، إن لم يكن مع الإنسان الذي يراه؛ ولا أن يكرّم الخالق فيما يهين مخلوقه بسبب اسمه أو طائفته أو طريقته في الإيمان؛ فاحترام المخلوق من احترام الخالق، وفي مقدّمة المخلوقات الإنسان.

وقد نقل يسوع معنى القرب من رابطة الهوية إلى مسؤولية الرحمة؛ ففي مَثل السامري الصالح، لم يكن القريب مَن شارك الجريح انتماءه، بل مَن توقّف أمام ألمه؛ لم يسأل: مَن يكون هذا؟ بل أجاب بفعله عن سؤالٍ أعمق: لِمَن أستطيع أن أكون قريبًا؟

ولا يمكن أن يكون اسم الله ذريعةً لقتل إنسانٍ بسبب الاسم الذي ينادي به ربَّه؛ فالخالق لا يحتاج إلى من يدافع عنه بإزهاق الحياة التي خلقها؛ ومن يحوّل إيمانه إلى حق في احتقار المختلف أو إقصائه، لا ينتصر لدينه، بل يهزم إنسانيته.

لا يستطيع الإنسان أن يكون بطلًا في الدين من دون أن يمرّ أولًا بالبطولة الإنسانية؛ وإلّا أصبح التديّن مظهرًا، والعبادة غطاءً للنفاق.

فالمجتمع الإنساني لا يطلب من الناس أن يؤمنوا بالطريقة نفسها، بل أن يبرهن كلُّ إنسان أن إيمانه قادرٌ على العيش إلى جانب إيمان الآخر، وأن طريقه إلى الله لا يمر فوق كرامة أحد.

حين يضعف الاخر

قد نحترم الإنسان ما دام قويًا، نافعًا، قادرًا على الدفاع عن نفسه؛ لكن حقيقة المجتمع تظهر حين يقف أمامه مَن لا يملك قوةً ولا نفوذًا ولا صوتًا مسموعًا.

فالطفل، والمسنّ، والمريض، والفقير، والغريب، لا يحتاجون إلى مجتمعٍ يشفق عليهم من بعيد، بل إلى مجتمعٍ يرى في ضعفهم مسؤولية؛ والضعف ليس صفةً تخص فئةً من الناس؛ إنه احتمالٌ يسكن كل حياة، وقد نصبح غدًا في الموضع الذي نقف أمامه اليوم.

لهذا لا تكفي الرحمة إذا بقيت إحسانًا يقدّمه القوي حين يريد؛ تحتاج الرحمة إلى العدالة كي يصبح حفظ الكرامة حقًا، لا مِنّة؛ فالرحمة ترى الألم وتقترب منه، أمّا العدالة فتمنع أن يبقى مصير المتألّم رهينًا بمزاج من يملك القدرة على مساعدته؛ ولا يصنع الظلمَ مَن يرتكبه وحده؛ قد يشارك فيه أيضًا مَن يراه ثم يختار الصمت لأن الأذى لم يصل إليه؛ فالمجتمع لا يتماسك لأن أفراده يمتنعون عن ظلم بعضهم فقط، بل لأنهم لا يتركون المظلوم وحيدًا.

هنا تتحول الشجاعة من صفةٍ فردية إلى قيمةٍ اجتماعية: أن ندافع عن حقٍّ لا يعود إلينا، وأن نحمي كرامة إنسانٍ لا يشبهنا، وأن نفهم أن سقوط الأضعف لا يبقى في مكانه، بل يكشف هشاشة الأرض التي نقف عليها جميعًا.

لا يُقاس المجتمع بما يستطيع الأقوياء تحقيقه فيه، بل بما يحدث للإنسان عندما يضعف.

ما نحمله معنا

لا يدخل الإنسان المجتمع خاليًا؛ يحمل إليه البيت الذي نشأ فيه، والأصوات التي سمعها، والطريقة التي رأى بها أهله يعامل بعضهم بعضًا، وما تعلّمه في المكان الأول عن القوة والاختلاف والخوف والأمان.

فالطفل الذي رأى الأقوى يفرض إرادته قد يحمل هذا المنطق معه حين تصبح له سلطة، والذي تعلّم أن الحب مشروط بالطاعة قد يطالب الآخرين يومًا بأن يتخلّوا عن حريتهم كي يستحقوا القبول؛ أمّا من عومل بكرامة، ورأى الاعتذار لا يهدم المكانة، والاختلاف لا يلغي المحبة، فيخرج إلى الناس وهو أقدر على احترام كرامتهم.

وحتى علاقتنا بالمكان تنتقل معنا؛ فالذي تعلّم أن ما يقع خارج باب بيته لا يعنيه قد يحافظ على منزله ويلقي أذاه في المساحة المشتركة؛ أمّا من فهم أن الطريق والرصيف والحديقة أماكن يعيش فيها الآخرون أيضًا، فيدرك أن مسؤوليته لا تنتهي عند حدود ملكيته.

هكذا لا تبقى الأسرة خلفنا حين نغادرها، ولا المكان حين نخرج منه؛ إنهما يدخلان معنا إلى المجتمع في طريقة كلامنا، واستعمالنا للقوة، واحترامنا للدور، ونظرتنا إلى من لا يشبهنا.

فالبيت لا يرسل إلى المجتمع أبناءً فقط؛ يرسل إليه الطريقة التي تعلّموا بها أن يكونوا بشرًا مع بشر.

ما نصنعه معاً

لا يطلب المجتمع من الإنسان أن يتخلّى عن "أنا" كي يصبح جزءًا من "نحن"؛ بل أن يفهم أن ذاته لا تستطيع أن تزدهر في مجتمعٍ ينهار من حولها؛ فبين الفرد والجماعة علاقةٌ دقيقة: إذا ذاب الفرد فيها خسر حريته، وإذا عاش لنفسه وحدها خسر المجتمع معناه.

بحث جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) عن صيغةٍ يبقى فيها الإنسان حرًّا وهو جزء من جماعة؛ فلا تتحول المصلحة العامة إلى ذريعةٍ لإخضاع الأفراد، ولا تتحول الحرية الفردية إلى حق في الإضرار بالجميع.

فمن يرمي نفاياته خارج بيته قد يكون قد نظّف مساحته، لكنه لوّث مساحة الآخرين؛ ومن يتهرّب من واجبه لأنه يستطيع، ينقل ثمنه إلى غيره؛ ومن يطلب حقوقه كاملةً ثم ينسى مسؤوليته، يريد من المجتمع أن يحميه من دون أن يشارك في حمايته.

ولا تعني "نحن" أن نفكر بالطريقة نفسها، بل أن ندرك أن بين مصائرنا مساحةً مشتركة؛ وأن ما نهدمه في الثقة والعدل يعود إلينا، وما نحميه للآخر نحميه لأنفسنا أيضًا؛ فالمجتمع ليس شيئًا مكتملًا ندخله، بل علاقة نصنعها كل يوم بما نفعله وبما نمتنع عن فعله.

تولد الإنسانية في كل فرد، لكنها لا تصبح ثقافةً إلا حين يمارسها كثيرون بعضهم مع بعض؛ وعندها فقط لا نكون أفرادًا متجاورين، بل مجتمعًا إنسانيًا.

أبعد من الجوار

قد تضعنا المدن والحاجة والتكنولوجيا بعضنا إلى جانب بعض، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع ما بيننا؛ وقد اختصر البابا بندكتوس السادس عشر (Benedict XVI) هذه المفارقة بقوله إن العالم، كلما ازداد ترابطًا، "يجعلنا جيرانًا، لكنه لا يجعلنا إخوة"؛ فالجوار مسافةٌ تختصرها الظروف، أمّا الأخوّة فعلاقةٌ يختار فيها الإنسان أن يرى خير الآخر جزءًا من خيره.

وفي المعنى نفسه، ميّز البابا فرنسيس (Francis) بين أن يجد الناس أنفسهم مجبرين على العيش معًا، وأن يكتشفوا غنى الحياة المشتركة وجمالها؛ فالمجتمع لا يولد من تحمّل الآخر على مضض، بل من الاعتراف بأن اختلافه لا يهدّد وجودنا، وأنه يستطيع أن يضيف إلى العالم الذي نبنيه معًا؛ إذ "لا يخلص أحدٌ بمفرده".

الأخوّة، بهذا المعنى، ليست شعورًا دينيًا أو عاطفيًا فقط، بل مسؤوليةٌ اجتماعية: أن ننتقل من العيش قرب الآخرين إلى العيش معهم، ومن حماية مصالحنا وحدها إلى إدراك أن مصائرنا مترابطة.

فالجوار يضع الناس بعضهم إلى جانب بعض؛ أمّا الأخوّة فتنقل الإنسانية من داخل كل واحدٍ منهم إلى ما بينهم.

الخاتمة - ما بيننا

في النهاية، لا يكفي أن يحمل كل إنسانٍ في داخله فكرةً جميلة عن نفسه؛ فالمجتمع لا يرى نياتنا، بل يعيش نتائج أفعالنا؛ وما نسمّيه إنسانيةً لا يُقاس بما نشعر به في عزلتنا، بل بما يصبح عليه الآخر حين يقترب منّا: هل يجد كرامته محفوظة، وصوته مسموعًا، واختلافه آمنًا، وضعفه غير متروك؟

قد نعيش متجاورين سنواتٍ طويلة من دون أن نصبح مجتمعًا؛ نلتقي حين تجمعنا الحاجة، ونفترق حين تتعارض المصالح، ونحترم القانون حين يراقبنا، ونطالب بالعدل حين نكون نحن المظلومين؛ لكن المجتمع يبدأ في اللحظة التي يصبح فيها حق الآخر مهمًّا لنا، حتى عندما لا يعود علينا بشيء.

هناك تنتقل القيم من داخل الإنسان إلى ما بين الناس؛ يصبح الاحترام طريقةً في النظر، والتقبّل مساحةً للاختلاف، والحرية مسؤوليةً، والعدل موقفًا، والرحمة اقترابًا، والشجاعة رفضًا لترك المظلوم وحده؛ فلا تبقى الإنسانية صفةً يصف بها الفرد نفسه، بل تصبح أثرًا يتركه في حياة غيره.

ولعل هذا هو الفرق بين العدد والمجتمع: العدد يجيب عن سؤال كم نحن؟، أمّا المجتمع فيجيب عن سؤال كيف نحن مع بعضنا؟ قد يكون العدد كبيرًا والعلاقة فارغة، وقد تكون القوانين كثيرةً والضمائر غائبة؛ لأن ما يجمع البشر حقًا ليس وجودهم في المكان نفسه، بل اعتراف كل واحدٍ منهم بأن إنسانية الآخر جزءٌ من مسؤوليته.

لسنا مجتمعًا لأننا نقول "نحن"، بل حين تتّسع هذه الكلمة لمن لا يشبهنا؛ وحين لا نبحث عن نجاتنا في خسارة غيرنا؛ وحين يصبح الإنسان الذي لا نعرف اسمه جديرًا بالكرامة نفسها التي نطلبها لأنفسنا.

فالمجتمع ليس بناءً يقف فوق الأفراد، بل شيءٌ يولد بينهم كلما التقت قيمةٌ بفعل، وحريةٌ بمسؤولية، وإنسانٌ بإنسان.

الإنسانية تولد في الواحد، لكنها لا تعيش إلا بين اثنين؛ وحين تصبح طريقةَ الكثيرين في العيش معًا، نكون قد صنعنا مجتمعًا لا عددًا.