المقدمة
لا يولد الإنسان بين أشخاصٍ فقط؛ يولد أيضًا في مكان؛ تنفتح عيناه للمرة الأولى على سقفٍ لا يعرف اسمه، ويتسلّل إليه الضوء من نافذةٍ لم يخترها، وتحيط به أصوات وروائح وزوايا ستبدأ، من دون أن يدري، بكتابة شيءٍ فيه.
وإذا كانت الأسرة أول علاقة يدخلها الإنسان، فالمكان هو المسرح الأول الذي تعيش فيه تلك العلاقة؛ هناك حضنٌ نتذكّره، لكن هناك أيضًا غرفةٌ احتوته؛ صوتٌ منحنا الأمان، وبابٌ انتظرنا أن يُفتح؛ وجهٌ أحببناه، ومقعدٌ ظلّ يحمل صورته حتى بعد غيابه؛ فالأشخاص لا يدخلون ذاكرتنا وحدهم؛ تدخل معهم الأمكنة التي أحببناهم فيها.
ثمة أماكن نغادرها من دون ان تغادرنا.
يكفي أن تعبر بنا رائحة، أو يصل إلينا صوتٌ قديم، أو يسقط الضوء على نافذةٍ بطريقةٍ تشبه ما كان، حتى نجد أنفسنا هناك؛ في غرفةٍ لم تعد لنا، أو على درجٍ عرف خطواتنا، أو أمام بابٍ كان يُفتح يومًا على وجوهٍ أحببناها.
الغريب أن المكان لا ينادينا بصوته؛ ينادينا بما تركناه فيه؛ بضحكةٍ انطفأت، وانتظارٍ طال، ويدٍ كانت هنا ثم غابت؛ وحين نعود إليه بعد سنوات، قد نجد الجدران نفسها، ولا نجد المكان؛ كأن شيئًا منه رحل مع الذين رحلوا، أو معنا نحن حين غادرناه.
فما الذي يبقى من الأمكنة فينا؟ وما الذي يبقى منّا فيها؟ ولماذا تصبح زاويةٌ صغيرة جزءًا من حياتنا، فيما نعبر مدنًا كاملةً من دون أن تترك فينا أثرًا؟
ربما لأن المكان ليس فقط حيث عشنا، بل شيءٌ شارك، بصمت، في صناعة مَن أصبحنا.
ولادة المكان
كل مكانٍ مساحة، لكن ليست كل مساحةٍ مكانًا؛ قد تمنحنا الخريطة اسم الشارع، ورقم البناء، والمسافة التي تفصلنا عنه؛ لكنها لا تستطيع أن تقول لنا ماذا حدث هناك، ولا لماذا يرتجف شيءٌ فينا حين نعود إليه؛ فالجغرافيا تعرف أين يقع المكان، لكنها لا تعرف أين يقع في داخلنا.
ولسنا نتحدث هنا عن الأرض أو الوطن؛ فالأرض تحمل التاريخ، والوطن يحمل الانتماء والمسؤولية، وسيأتي لكلٍّ منهما موضعه؛ نحن نتحدث عن شيءٍ أكثر قربًا: عن المساحة التي تدخلها حياة الإنسان، فلا تبقى كما كانت.
غرفة الفندق مساحةٌ نقيم فيها ثم نغادرها، لكن غرفة الطفولة "مكان"؛ لأن جدرانها عرفت خوفنا، وسقفها سمع أحلامنا الأولى، ونافذتها كانت الحدود التي بدأ منها العالم؛ والكرسي في متجرٍ مجرد شيء، لكنه في بيتٍ ما قد يصبح مكانًا كاملًا حين يظلّ يحمل، بعد سنوات، صورة مَن كان يجلس عليه.
المكان لا يُصنع من الحجر وحده، بل مما يحدث حوله وبين جدرانه؛ من حضورٍ يتكرّر، وعلاقةٍ تنمو، ولحظةٍ تترك أثرًا، وذاكرةٍ تجد لها موضعًا؛ لذلك قد تكون زاويةٌ صغيرة أوسع في داخلنا من مدينة، وقد نعبر مدينةً كاملة من دون أن تصبح مكانًا في حياتنا.
المساحة موجودة من دوننا؛ أما المكان فيبدأ حين نترك فيه شيئًا منّا، ويترك هو شيئًا فينا.
المكان الأول
قبل أن يعرف الطفل اتساع العالم، يعرف حدود غرفة؛ هناك يبدأ في اكتشاف المسافة: بين سريره والباب، وبين يده وما لا يستطيع الوصول إليه؛ ويعرف الاتجاه من نافذةٍ يأتي منها الضوء، والزمن من ظلٍّ يتحرّك على الجدار، والأمان من سقفٍ ينام تحته مطمئنًا.
البيت هو الخريطة الأولى التي يحفظها الجسد قبل العقل؛ نمشي فيه ليلًا من دون ضوء، نعرف موضع الدرجة التي تصدر صوتًا، والباب الذي يحتاج إلى دفعة، والزاوية التي نختبئ فيها، والنافذة التي نراقب منها عالمًا لم ندخله بعد؛ لا نتعلّم هذه التفاصيل، إنها تدخلنا ببطء، حتى تصبح جزءًا من ذاكرة الجسد.
ولعل أول معنى للمكان يبدأ من الفرق بين الداخل والخارج؛ في الداخل عالمٌ يعرف اسمنا، وفي الخارج عالمٌ لم نتعرّف إليه بعد؛ الباب بينهما ليس قطعة خشب فقط؛ إنه أول حدّ نعبره، والنافذة ليست فتحةً في جدار، بل أول مكانٍ نرى منه ما هو أبعد من حياتنا الصغيرة.
ثم تتّسع الدائرة من الغرفة إلى البيت، ومن البيت إلى الضيعة؛ كان الباب يُفتح فتبدأ ساحة اللعب؛ عين الضيعة، والدرجات، والأزقّة، والجدران التي نختبئ خلفها، والرفاق الذين يملؤون المكان ركضًا وضجّةً وضحكًا.
لم نكن نعرف يومها أننا نصنع للمكان ذاكرة؛ كنّا نعرف فقط أين أفضل مخبأ، وأي طريقٍ يوصلنا قبل الآخرين، وأين نتوقّف لنشرب، وتحت أي شجرةٍ نفترش الظلّ حين نتعب؛ كانت الساحة بحضورنا أكثر من ساحة، وعين الضيعة أكثر من ماء؛ كانتا جزءًا من طفولةٍ تركناها هناك، ثم حملناها معنا حين تفرّقت الطرق وخفتت الضجّة.
المكان الأول لا يعلّمنا فقط أين نسكن؛ يضع في داخلنا الصورة الأولى لما يعنيه أن يكون لنا مكانٌ في هذا العالم؛ ولم تكن طفولتنا تجري فيه فقط؛ كانت تنحته وهي تجري.
عودة المكان
لا نتذكّر الأمكنة دائمًا لأننا قرّرنا أن نتذكّرها؛ أحيانًا هي التي تعود إلينا؛ رائحةٌ عابرة تعيد بيتًا كاملًا، وصوتُ مفتاحٍ في باب يوقظ انتظارًا ظننّاه انتهى، وضوءٌ يسقط على جدارٍ غريب فيستحضر صباحًا بعيدًا؛ وفي لحظة، لا نعود نتذكّر المكان فقط؛ نعود إلى الشعور الذي كنّاه فيه، في حنين لا ينتهي.
الذاكرة لا تحفظ الأمكنة كما تحفظها الخرائط؛ لا تحتفظ بمقاس الغرفة، بل بالطمأنينة التي شعرنا بها داخلها؛ ولا بشكل الطريق، بل باليد التي أمسكت يدنا ونحن نعبره؛ ولا بعدد النوافذ، بل بالوجه الذي كنا ننتظر ظهوره خلف إحداها.
وربما لهذا تصبح بعض التفاصيل الصغيرة أقوى من المكان كله؛ قد ننسى لون الجدران، لكننا نتذكّر كيف كان الغروب يدخل الغرفة؛ ننسى ترتيب الأثاث، ولا ننسى كرسيًا واحدًا لأن شخصًا أحببناه كان يجلس عليه.
وحين يعود إلينا مكانٌ قديم، لا يعيد معه الجدران وحدها؛ يعيد أشخاصه وأصواته، ويعيدنا نحن كما كنّا قبل أن تغيّرنا الحياة؛ لذلك قد لا يكون حنيننا إلى المكان وحده، بل إلى نسخةٍ منّا ما زالت تعيش فيه، ولا تعرف بعد ما حدث لنا بعد الرحيل.
نغادر المكان بأجسادنا، لكنه يحتفظ بشيءٍ من أعمارنا؛ وحين يعود، يعيد إلينا مَن كنّا، ولو للحظة.
المكان الصامت
لا يترك المكان فينا ذكريات فقط؛ يترك أثرًا في نظرتنا إلى العالم، وفي شعورنا تجاهه، وفي الطريقة التي نعيش بها؛ فالطفل الذي يكبر في بيتٍ مفتوح على الضوء والصوت لا يرى العالم بالطريقة نفسها التي يراه بها طفلٌ يتعلّم أن يخفض صوته خلف أبوابٍ مغلقة؛ ومَن عرف ساحةً يلتقي فيها الناس يحمل صورةً عن القرب تختلف عمّن عاش بين جدرانٍ لا يعرف مَن يسكن خلفها.
الغرفة تعلّمنا شيئًا عن العزلة، والمائدة عن المشاركة، والشارع عن الحذر والاقتراب، والمدرسة عن النظام والمنافسة، والحديقة عن الاتساع، والطريق الطويل عن المسافة والصبر؛ لا تتكلّم هذه الأمكنة، لكنها تضع فينا، بتكرار الأيام، عاداتٍ ومشاعر قد ترافقنا زمنًا طويلًا.
حتى أحجام الأمكنة تترك أثرها؛ فهناك مَن نشأ في فضاءٍ يسمح له بأن يركض ويرفع صوته، ومَن تعلّم منذ طفولته أن يضمّ جسده وأحلامه إلى مساحةٍ ضيقة؛ وقد تمنحنا نافذةٌ مفتوحة فضولًا تجاه العالم، فيما يجعلنا بابٌ ظلّ مغلقًا طويلًا نخشى ما وراءه.
لكن المكان لا يكتب مصير الإنسان وحده؛ فقد يخرج من الضيق إنسانٌ واسع، ومن القسوة قلبٌ رحيم، ومن العزلة شخصٌ يبحث عن الآخرين؛ غير أن ما نتجاوزه يظلّ جزءًا من قصتنا، وما نقاومه يكون أحيانًا حاضرًا فينا بقدر ما نحتفظ به؛ المكان لا يقرّر مَن سنكون، لكنه يشارك بصمت في تكوين الطريقة التي نصل بها إلى أنفسنا وإلى العالم.
حياة المكان
المكان يمنحنا الذكريات، لكننا نحن مَن نمنحه الحياة؛ فالبيت قبل أن يُسكن ليس أكثر من جدرانٍ وسقف وأبواب؛ نحن مَن نملأه بالأصوات والروائح والعادات، ونوزّع فيه حضورنا حتى تصبح لكل زاويةٍ حكايتها؛ هنا كنّا نجتمع، وهناك وقفنا ننتظر خبرًا، وعلى هذا المقعد دار حديثٌ غيّر شيئًا في حياتنا.
نحن لا نضع في المكان أشياءنا فقط؛ نضع فيه طريقتنا في العيش؛ مائدةٌ يلتقي حولها أهل البيت تمنح الغرفة معنى، وبابٌ يُفتح للآخرين يجعل البيت أوسع من مساحته، ونافذةٌ يعتني بها شخص كل صباح قد تمنح واجهةً صامتة وجهًا يعرفه العابرون.
ولهذا يستطيع أشخاصٌ مختلفون أن يسكنوا المساحة نفسها، لكنهم لا يصنعون المكان نفسه؛ كل إنسانٍ يعيد ترتيبها وفق مخاوفه ورغباته وعلاقاته؛ يجعلها مفتوحةً أو مغلقة، دافئةً أو باردة، موضعًا للقاء أو مكانًا يتجنّب فيه الجميع بعضهم بعضًا.
وحين نغادر، نأخذ بعض أشياءنا، لكننا لا نستطيع أن نأخذ كل ما تركناه؛ تبقى خدوشٌ صنعتها الأيام، وآثار صورٍ على الجدران، وأشجارٌ زرعناها، وربما يبقى في ذاكرة الآخرين أن هذا المكان كان مختلفًا لأننا مررنا فيه.
نحن لا نسكن المكان فقط؛ نكتب فيه فصلًا لم يكن موجودًا قبلنا، ثم نرحل ونتركه يكمل حكايته مع آخرين.
المكان بعد الغياب
قد يبقى المكان في موضعه، ومع ذلك لا يعود المكان نفسه؛ الجدران لم تتغيّر، والأثاث ما زال حيث كان، والنافذة تفتح على المشهد ذاته؛ لكن صوتًا كان يملأ الغرفة غاب، وخطواتٍ اعتادت الأرض أن تحملها لم تعد تأتي؛ عندها نكتشف أن ما كنّا نسمّيه مكانًا لم تصنعه الأشياء وحدها، بل الأشخاص الذين منحوا الأشياء معناها.
بعد الغياب، تصبح التفاصيل أكثر حضورًا؛ فنجانٌ لم يعد أحد يستعمله، معطفٌ بقي معلّقًا، جهةٌ من المائدة لا تمتدّ إليها يد، وبابٌ ما زلنا نتوقّع، للحظةٍ خاطفة، أن يدخل منه مَن نعرف أنه لن يعود.
ولا يؤلمنا المكان لأنه تغيّر، بل لأنه لم يتغيّر بما يكفي؛ يستمرّ في أداء عاداته القديمة كأن شيئًا لم يحدث، فيما نعرف نحن أن العالم الذي كان يسكنه انتهى؛ لذلك قد تصبح الغرفة المألوفة غريبة، وقد يحتاج الإنسان إلى زمنٍ طويل كي يتعلّم كيف يسكن مكانًا بقي فيه كل شيء، إلا مَن كان يمنحه الحياة.
ومع مرور الوقت، لا يبقى المكان شاهدًا على الغياب فقط؛ قد يصبح الطريقة التي يستمر بها الحضور؛ نجلس حيث كانوا يجلسون، نلمس ما لمسوه، ونشعر أن بعض الأشخاص لا يتركون الأمكنة تمامًا؛ ينتقلون من الحضور فيها إلى الحضور من خلالها؛ الغياب لا يفرغ المكان دائمًا؛ أحيانًا يملؤه بما لا تستطيع العين أن تراه.
المكان لا يعود
نظنّ أحيانًا أن العودة إلى المكان قادرةٌ على إعادة ما فقدناه فيه؛ نقطع الطريق نفسه، ونقف أمام الباب ذاته، وندخل باحثين عن شيءٍ تركناه هناك؛ لكن الغرف تبدو أصغر، والمسافات أقصر، والضوء مختلفًا؛ نسأل في سرّنا: هل تغيّر المكان إلى هذا الحد، أم أننا نحن الذين عدنا إليه بأعينٍ أخرى؟
العودة لا تجمع زمنين بسهولة؛ نحن ندخل المكان بحاضرنا، لكنه يستقبلنا بماضينا؛ نراه كما أصبح، ونبحث فيه عمّا كان؛ وقد نحزن لأننا لا نجد الحياة القديمة في موضعها، مع أنها لم تكن محفوظةً في الجدران، بل في زمنٍ مضى وأشخاصٍ تغيّروا أو رحلوا، وفي إنسانٍ كنّاه وما زلنا نفتش عنه.
ربما لهذا تكون بعض الأمكنة أجمل في الذاكرة منها في العودة؛ فالذاكرة لا تحفظها كما كانت تمامًا؛ ترمّم ما انكسر، وتضيء ما أحببناه، وتترك في الظل ما لم يعد ضروريًا؛ أما العودة فتضعنا أمام الحقيقة: المكان استمرّ من دوننا، ونحن أيضًا استمررنا من دونه؛ ومع ذلك، لا تكون العودة خيانةً للذكرى؛ قد تكون مصالحةً معها؛ نعود لا لكي نسترجع ما انتهى، بل لكي نفهم أن ما عشناه هناك لم يضع، وأننا لا نحتاج إلى بقاء المكان كما كان كي يبقى أثره فينا.
نستطيع أن نعود إلى المكان، لكننا لا نعود إلى الزمان؛ فالطريق إلى المكان مفتوح، أما الطريق إلى مَن كنّا فيه فلا يُقطع مرتين.
ألمُ المكان
ليست كل الأمكنة مما نشتاق إليه؛ بعضها نقضي سنواتٍ نحاول أن ننساه؛ قد تكون غرفةً شهدت خوفًا، أو ممرًا انتظرنا فيه خبرًا غيّر حياتنا، أو شارعًا وقعت فيه لحظةٌ قسمت الزمن إلى ما قبلها وما بعدها؛ بعد ذلك، لا يبقى المكان محايدًا؛ يكفي أن نقترب منه حتى يتذكّر الجسد ما حاول العقل أن يضعه بعيدًا.
فالمكان لا يحتفظ بالأفراح وحدها؛ قد يختزن صوتًا أفزعنا، أو بابًا أُغلق علينا، أو زاويةً شعرنا فيها بالعجز؛ وحين نعود، قد نعرف بعقولنا أن الخطر انتهى، لكن شيئًا قديمًا فينا يظلّ يتصرف كأنه ما زال هناك.
وأحيانًا لا نستطيع حتى أن نكره المكان؛ فقد يكون هو نفسه موضع أجمل أيامنا وأقسى خساراتنا؛ نحبه بسبب مَن عشنا معهم فيه، ونخشاه بسبب ما حدث لهم أو لنا؛ فيصبح الحنين إليه ممزوجًا بالألم، كأن القلب لا يعرف هل يقترب أم يبتعد.
لكن المكان الذي جرحنا لا يملك حق كتابة بقيّة حياتنا؛ قد لا نستطيع محو ما حدث فيه، لكننا نستطيع أن نغيّر موضعه في قصتنا؛ أن نزوره بإنسانٍ أقوى، أو نتركه وراءنا من دون أن نترك أنفسنا فيه، أو نصنع في مكانٍ آخر أمانًا لم نعرفه هناك؛ لا يكون الشفاء دائمًا أن ننسى المكان، بل أن نتذكّره من دون أن نبقى أسرى اللحظة التي جرحتنا فيه.
بلا مكان
ليس أقسى ما قد يفقده الإنسان سقفًا يحميه، بل مكانًا يستطيع أن يشعر فيه أن وجوده ليس مؤقتًا؛ قد ينام في غرفةٍ دافئة، ويملك مفتاحًا وبابًا وسريرًا، ومع ذلك يبقى غريبًا؛ لا يعلّق صورة، ولا يفتح حقائبه كاملة، ولا يترك أشياءه على الطاولة كما يفعل مَن يعرف أنه سيبقى؛ يعيش مستعدًا للرحيل، حتى عندما لا يعرف إلى أين.
فالمكان لا يمنحنا الأمان لأنه مغلق فقط، بل لأنه يسمح لنا بأن نترك حذرنا خارجه؛ أن نعود إليه من دون موعد، وأن نصمت فيه من دون أن نشرح صمتنا، وأن نترك كتابًا مفتوحًا لأننا واثقون بأن لنا غدًا في هذا الموضع.
ولهذا لا يكون فقدان المكان انتقالًا بسيطًا من عنوانٍ إلى آخر؛ قد يكون اقتلاعًا من العادات الصغيرة التي كانت تنظّم الحياة: الطريق الذي نعرفه، والوجه الذي نحيّيه، والمتجر الذي يعرف ما نطلبه، والنافذة التي كانت تقول لنا، كل صباح، إن العالم ما زال في مكانه.
الإنسان الذي يعيش طويلًا بلا مكانٍ يشعر أنه له، لا يفقد الراحة فقط؛ قد يبدأ بفقدان شيءٍ من حضوره في العالم؛ يصبح عابرًا في نظر الآخرين، ثم يخشى أن يصبح عابرًا في نظر نفسه. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى مكانٍ يقيم فيه؛ يحتاج إلى مكانٍ يعترف بوجوده، ويقول له بصمت: هنا لست ضيفًا، وهنا تستطيع أن تبقى.
المكان وجود
لم يكن المكان بالنسبة إلى الفكر الإنساني مجرد سؤالٍ عن البناء، بل عن الإنسان الذي يعيش داخله: ماذا يحدث لنا حين لا نمرّ في مساحة فقط، بل نمنحها وقتنا وعاداتنا وأحلامنا؟
فقد ميّز يي-فو توان (Yi-Fu Tuan) بين المساحة والمكان؛ فالمساحة تظلّ مفتوحةً وعامة، أما المكان فيولد حين تمنحه التجربة معنى؛ نحن لا ننتمي إلى نقطةٍ على الخريطة، بل إلى ما عشناه فيها؛ فالمكان هو المساحة بعدما تصبح جزءًا من سيرتنا؛ أما غاستون باشلار (Gaston Bachelard)، فرأى في البيت أكثر من مأوى للجسد؛ إنه مأوى للذاكرة والخيال أيضًا؛ فالغرف والزوايا والأدراج ليست تفاصيل صامتة، بل أوعيةٌ تحتفظ بأحلام الإنسان ومخاوفه، وتمنحه موضعًا داخليًا يعود إليه حتى بعد أن يفقد البيت نفسه.
وذهب مارتن هايدغر (Martin Heidegger) أبعد من ذلك حين جعل السكن طريقةً في الوجود، لا مجرد إقامةٍ تحت سقف؛ فالإنسان لا يسكن حقًا لأنه يشغل مساحة، بل حين يستطيع أن يكون فيها حاضرًا، مطمئنًا، ومعتنيًا بما يحيط به؛ كأن السكن علاقةٌ نقيمها مع المكان، لا عنوانٌ نقيم فيه.
ورغم اختلاف طرقهم، يلتقي هؤلاء عند فكرةٍ واحدة: المكان لا يُصنع بالحجر وحده؛ يحتاج إلى تجربة تمنحه المعنى، وذاكرة تحفظه، وإنسان يشعر داخله أنه موجود لا موضوع، ومقيم لا عابر.
قد يحمينا البناء من المطر والبرد؛ لكن المكان وحده يمنح وجودنا موضعًا يستطيع أن يقول فيه: هنا عشت، وهنا كنت أنا.
اللامكان
نعيش اليوم في أمكنةٍ كثيرة لا نصل إليها كي نبقى، بل كي نعبر؛ مطاراتٌ ومحطات، طرقٌ سريعة، ممرات فنادق، مراكز تجارية وصالات انتظار؛ مساحاتٌ منظّمة بدقة، تخبرنا أين نقف وإلى أين نتّجه، لكنها لا تسأل مَن نحن؛ ندخلها بأرقام الحجز وبطاقات العبور، ونغادرها من دون أن تلاحظ أن شخصًا كان هنا.
سمّى عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه (Marc Augé) هذه المساحات "اللامكان"؛ لأنها لا تقوم، في أصلها، على الذاكرة والعلاقات والهوية، بل على الحركة والعبور والاستخدام؛ يلتقي فيها آلاف البشر، لكنهم يظلون في الغالب متجاورين لا متعارفين؛ لكلٍّ وجهته، ولا أحد يترك ما يكفي ليمنح المساحة سيرة.
وليست هذه الأمكنة سلبيةً؛ نحن نحتاج إليها كي نسافر ونتسوّق ونتنزه، لكنها تكشف مفارقة عالمنا: كلما ازدادت قدرتنا على الانتقال، قلّت أحيانًا الأمكنة التي نشعر فيها أننا ننتمي؛ نتحرك أكثر، لكننا لا نصل دائمًا؛ نعبر وجوهًا كثيرة، ولا ندخل في علاقة.
ومع ذلك، لا يبقى «اللامكان» بلا معنى بالضرورة؛ فقد تتحول صالة انتظار إلى مكان حين يقع فيها لقاءٌ يغيّر حياة، ويصبح مقعدٌ في محطة جزءًا من ذاكرة شخصين افترقا عنده؛ فالإنسان قادرٌ، حتى في أكثر المساحات برودةً وعُبورًا، على أن يترك أثرًا يمنحها اسمًا في داخله.
اللامكان هو المساحة التي لا تتذكّرنا؛ والمكان يبدأ، ربما، حين يصبح لوجودنا فيها معنى لا تستطيع بطاقة العبور أن تسجّله.
المكان حضور
في حياة يسوع، لم تكن الأمكنة خلفيةً صامتة للأحداث؛ كان حضوره يغيّر معناها؛ عند بئرٍ جلست امرأةٌ اعتاد الآخرون أن يروها من خلال ماضيها وسمعتها، فصار البئر مكانًا لحوارٍ أعاد إليها صوتها وصورتها؛ وفي مَثل السامري الصالح، لم يعد الجريح جسدًا ملقىً على الهامش، بل إنسانًا جعل السامري باقترابه منه الطريقَ مكانًا للرحمة؛ وحول المائدة، وجد مَن استبعدهم الناس موضعًا لا يُطلب منهم فيه أن يثبتوا أولًا أنهم يستحقون الجلوس.
عاش يسوع متنقّلًا بين الناصرة والبرية والقرى والطرق وأورشليم، وقال عن نفسه: "ليس لابن الإنسان أين يسند رأسه"؛ لم تكن له في مسيرته حياةٌ محاطة بجدرانٍ ثابتة؛ ومع ذلك كان يصنع، حيثما حلّ، مكانًا يستطيع فيه الخائف أن يتكلّم، والمريض أن يُرى، والخاطئ أن يُعامل بكرامة، والغريب أن يصبح قريبًا.
وكأن معنى المكان في حياته لم يكن: ماذا أملك هنا؟ بل: ماذا يصبح الإنسان حين أكون معه هنا؟ فالبئر لا يغيّر حياةً وحده، والطريق لا يصنع رحمة، والمائدة لا تمنح كرامة؛ إنسانٌ حاضرٌ بطريقة مختلفة هو الذي يمنح المكان معناه.
لكن يسوع لم يكن يمنح المكان معناه فقط؛ لقد أصبح هو نفسه مكانًا؛ لم يكن جدرانًا تحيط بهم، بل حضورًا يتّسع لهم؛ لم يكن بابًا يُغلق، بل قربًا يستطيع الخائف أن يدخله من دون أن يخشى، والمتعب أن يستريح فيه من دون أن يبرّر تعبه، والخاطئ أن يقف داخله من دون أن تُختصر حياته في خطيئته.
هو الذي لم يكن له أين يسند رأسه، أصبح موضعًا أسند المتعبون إليه رؤوسهم؛ كان بيتًا لمن لم يجد بيتًا، وأمانًا لمن لم يجد في العالم مكانًا آمنًا، وقلبًا لم يشعر أحدٌ أمامه بأنه زائدٌ عن المكان.
أكثر الأمكنة إنسانيةً ليست دائمًا التي تحيط بنا بجدرانها، بل التي يفتحها إنسانٌ في حضوره لإنسانٍ آخر؛ وربما يبلغ الحضور معناه الأعمق حين لا يصنع مكانًا فقط، بل يصبح هو المكان.
مكان للآخر
ربما تبدأ إنسانية المكان حين لا نسأل فقط: هل لي موضعٌ هنا؟ بل نسأل أيضًا: هل تركتُ لغيري موضعًا؟ أن نصنع مكانًا للآخر لا يعني دائمًا أن نبني له بيتًا؛ قد يعني أن نُفسح له مقعدًا إلى المائدة، ومساحةً في الحديث، وحقًا في الاختلاف، وطمأنينةً تجعله حاضرًا من دون أن يعتذر عن وجوده؛ فهناك مَن يدخل غرفةً واسعة ويشعر أنه زائد، ومَن يجد في زاويةٍ صغيرة قلبًا يقول له: أنت لست غريبًا هنا.
وأقسى أشكال الإقصاء ليست دائمًا أن يُطرَد الإنسان من المكان، بل أن يبقى داخله ويُعامَل كأنه غير موجود؛ طفلٌ لا يُسمع صوته، وكبيرٌ في السن يصبح مقعده على الهامش، وضعيفٌ تُبنى الأمكنة كأن مروره فيها لم يكن محتملًا، وغريبٌ يُسمح له بالدخول من دون أن يُسمح له بالانتماء.
لهذا تكشف الأمكنة شيئًا عن أخلاق مَن يصنعونها ويسكنونها؛ تخبرنا المائدة بمَن يجلس حولها ومَن يُترك خارجها، ويخبرنا الباب بمَن يُفتح له ومَن يُغلق في وجهه، وتخبرنا المدينة بمَن يستطيع أن يتحرّك فيها بكرامة ومَن يشعر، عند كل خطوة، أنها لم تُبنَ له.
وحين يتقاسم إنسانان مكانًا، لا يعود السؤال مكانيًا فقط؛ يصبح أخلاقيًا: كيف نقترب من دون أن نلغي بعضنا؟ كيف نحمي خصوصيتنا من دون أن نحوّلها إلى جدار؟ وكيف نجعل ما بيننا صالحًا لأن يعيش فيه الاختلاف من دون خوف؟ هنا يبدأ المكان بالخروج من صمته؛ يتحول من مساحةٍ يسكنها أفراد إلى علاقةٍ تنظّم قربهم، ومن سؤال "أين أعيش؟" إلى سؤال "كيف نعيش معًا؟"؛ وعندما يصبح المكان "بيننا" لا "لي" وحدي، تبدأ الخطوة الأولى نحو المجتمع.
الخاتمة — المكان بيننا
في النهاية، لا نغادر مكانًا كما دخلناه، ولا يبقى المكان بعدنا كما كان قبلنا؛ يترك فينا ضوءًا عرفناه، وصوتًا اعتدناه، وطريقةً في البحث عن الأمان؛ وقد يترك جرحًا، أو خوفًا، أو حنينًا لا نعرف له اسمًا؛ ونحن نترك فيه أصواتنا وخطواتنا، وما صنعناه بين جدرانه من حبٍّ أو ألم، ومن قربٍ أو غياب.
لا تحفظ الأمكنة وجوهنا كما نحفظها، لكنها تحمل آثار مرورنا؛ شجرةً زرعناها، وعلامةً على جدار، ومقعدًا صار مرتبطًا بوجودنا، وذكرى بقيت في إنسانٍ عاش معنا هناك؛ وحين نرحل، لا يصبح المكان فارغًا تمامًا؛ يبقى فيه شيءٌ يحفظه القلب ولا تراه العين، ويجعل مَن عرفنا يشعر أن غيابنا ما زال حاضرًا.
وهكذا لا يكون المكان وعاءً لحياتنا فقط؛ يصبح شريكًا فيها؛ يصنع جزءًا من الإنسان، ثم يعود الإنسان فيمنحه معناه؛ وبين ما يتركه المكان فينا وما نتركه فيه، تتكوّن سيرةٌ لا يستطيع أحد الطرفين أن يكتبها وحده؛ المكان يمنحنا الذكريات، ونحن نمنحه الحياة؛ نحن نسكنه زمنًا، لكنه قد يسكننا عمرًا.
لا تكون خسارة المكان فقدانًا لجدرانٍ فقط، ولا تكون العودة إليه استرجاعًا لما كان؛ فالمكان الذي أحببناه أصبح جزءًا منّا؛ نحمله إلى بيوتٍ أخرى، ونبحث عن ظلاله في نوافذ جديدة، ونحاول، من دون أن ندري، أن نصنع في أمكنتنا القادمة شيئًا من الأمان الذي عرفناه فيه، أو شيئًا من الأمان الذي حُرمنا منه.
إنَّ أجمل ما يمكن أن نتعلّمه من المكان ليس كيف نحتفظ به، بل كيف نصنعه للآخرين؛ أن يكون في حضورنا متّسعٌ لمن يقترب، وفي بيوتنا مقعدٌ لمن يأتي، وفي اختلافنا مساحةٌ لا يُطلب فيها من أحد أن يفقد نفسه كي يُسمح له بالبقاء.
وهنا نجد جواب السؤال الذي بدأنا به: ماذا يترك المكان فينا، وماذا نترك فيه؟ يترك فينا جزءًا من سيرة تكويننا، ونترك فيه الطريقة التي كنّا بها إنسانًا لإنسانٍ آخر.
فالمكان، في أعمق معانيه، ليس ما يحيط بالإنسان، بل ما يحدث بين إنسانٍ وإنسان داخله؛ وحين لا يعود المكان "لي" وحدي، بل يصبح "بيننا"، لا نكون قد صنعنا مكانًا أكثر إنسانية فقط؛ نكون قد بدأنا، من حيث لا ندري، بصناعة المجتمع.