هرمز... حين ترتدّ النار على طهران

5 دقائق للقراءة
ترامب: إيران لن تصمد بعد انتخابات التجديد النصفي (أ ف ب)

لا تدور المواجهة الأميركية - الإيرانية عند حدود تبادل الضربات العسكرية أو اختبار القدرة على فرض قواعد اشتباك جديدة في الخليج فحسب، وإنما دخلت، مع احتدام "حرب الناقلات"، مرحلة أكثر خطورة تمسّ مباشرة شرايين الاقتصاد والطاقة في المنطقة والعالم. فاستهداف السفن وناقلات النفط، والتهديد بتوسيع المناطق البحرية المحظورة، والحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، كلّها مؤشرات إلى أن مضيق هرمز تحوّل من ورقة ضغط إيرانية إلى ساحة اختبار لإرادة الطرفين: واشنطن تريد تجريد طهران من القدرة على استخدام الملاحة الدولية أداة ابتزاز، في حين تصرّ إيران على إثبات أن خنق صادراتها النفطية لن يمرّ من دون ثمن تدفعه حركة الطاقة العالمية بأكملها. وقد ظهر هذا الثمن سريعًا مع تجاوز خام برنت عتبة 100 دولار للبرميل، في وقت كان لافتًا إبداء الرئيس الأميركي ترامب اعتقاده أن الحرب مع إيران ستنتهي "فورًا" بعد انتخابات التجديد النصفي، لأنّ طهران "لم تعد قادرة على الصمود أكثر"، متّهمًا إيّاها بأنها "تسعى بيأس إلى محاولة التأثير" في التصويت.

لا يوجد أدنى شكّ في أن الحزم الأميركي واضح في طبيعة الردّ. فالولايات المتحدة لم تعد تكتفي بحماية سفنها أو اعتراض الصواريخ، بل أعلنت سياسة ترتكز على ضرب ناقلات النفط الإيرانية كلّما استهدف "الحرس الثوري" سفنًا حربية أميركية أو هدّدها. واستهدفت 10 ناقلات إيرانية منذ الأسبوع الماضي، بالتوازي مع استمرار حصار الموانئ وتشديد العقوبات الاقتصادية. وعبّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن هذه المعادلة بوضوح حين أكد أن إيران، في كلّ مرّة تحاول فيها استهداف السفن الأميركية، "ستخسر ناقلات نفط". يتجاوز المعنى الاستراتيجي لهذه السياسة الردّ العسكري المباشر، إذ تسعى واشنطن إلى جعل كلفة التصعيد الإيرانية تراكمية، بحيث لا تستطيع طهران استخدام هرمز من دون أن تخسر في المقابل أدوات تمويلها وقدرتها على تصدير النفط.

لكن إيران، في المقابل، لا تظهر استعدادًا للتراجع. فقد توعّد "الحرس الثوري" بأن يردّ على ضرب هدفين أو ثلاثة بضرب 20 هدفًا، وادّعى مهاجمة أكثر من 12 سفينة كانت تحاول عبور هرمز، وأعلن توسيع نطاق "المنطقة المحظورة" البحرية باتجاه أجزاء من خليج عُمان وبحر العرب، في محاولة لمدّ نفوذه العملياتي إلى ما وراء المضيق نفسه. كما ربط وقف التصعيد بسلة شروط واسعة تشمل وقف الحرب، وانسحاب إسرائيل من لبنان، وإنهاء ما سمّاه الحصار على اليمن، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، ووقف التدخّل في القدرات النووية والصاروخية. بذلك، تبدو طهران كأنها ترفع سقف المواجهة بدل البحث عن مخرج منها، وتحاول تحويل كلّ ساحات الاشتباك الإقليمي إلى ملف تفاوضي واحد.

وهنا تبرز ورقة الحوثيين بوصفها امتدادًا مباشرًا لهذا الضغط. فالتصعيد في اليمن والهجمات على مدن ومنشآت في جنوب السعودية يضيفان إلى الخطر في هرمز خطرًا موازيًا عند البحر الأحمر وباب المندب. وإذا كان هرمز يضغط على صادرات الخليج، فإنّ أيّ توسّع للحوثيين باتجاه المناطق المحاذية لباب المندب يضع طريقًا آخر من طرق الطاقة تحت التهديد. وتكتسب هذه الجبهة حساسية إضافية لأن جنوب السعودية يضمّ منشآت نفطية مهمّة. وبذلك، تعمل طهران وذراعها الحوثي على خلق بيئة إقليمية تزيد علاوة المخاطر على النفط وتبقي الأسواق رهينة أيّ صاروخ أو مسيرة.

في هذا المناخ المضطرب، تكتسب تصريحات نتنياهو من جبل الشيخ دلالة تتجاوز الجبهة السورية. فقد اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي موقعًا مرتفعًا يطلّ، وفق وصفه، على دمشق ولبنان والجولان، ليعلن أن إسرائيل تمارس "سيطرة مطلقة" على المنطقة الممتدة من جبل الشيخ إلى نهر اليرموك ومن هناك إلى البحر المتوسط، قبل أن ينتقل مباشرة إلى إيران ويصف هزيمة "نظامها الإرهابي" بأنها "المهمّة الرئيسية"، مؤكدًا أن إسرائيل "قريبة جدًا" من تحقيقها وأن "المحور بأكمله سيسقط".

تزامنًا، دخل الملف النووي الإيراني مرحلة أكثر حساسية بعدما صوّت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمس على إحالة إيران إلى مجلس الأمن الدولي بسبب "عدم امتثالها" لالتزاماتها النووية، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ 20 عامًا. ودعا القرار طهران إلى معالجة أوجه عدم الامتثال والانخراط جدّيًا في مسار يعيد الثقة بالطابع السلمي لبرنامجها. غير أن التصعيد الدبلوماسي لا يبدو أنه سيدفع إيران إلى التراجع. ففي موازاة الضغوط العسكرية والاقتصادية والمالية، تكشف صور أقمار اصطناعية عن تسارع أعمال البناء خلال 2026 في موقع محصّن داخل جبل كولانغ قرب نطنز، يُشتبه في احتضانه منشأة غير معلنة لتخصيب اليورانيوم. وأظهرت الصور تعزيز مداخل الأنفاق وشبكة الطرق والتحصينات، فيما بقي الموقع خارج متناول مفتشي الوكالة، التي طلبت من طهران معلومات عنه والسماح بالوصول إليه، من دون استجابة.

تجمع المواجهة الحالية في وقت واحد بين الاقتصاد والطاقة والملاحة والبرنامج النووي وشبكة الأذرع الإقليمية. تحاول واشنطن تقليص هامش حركة طهران عبر استهداف أدوات التصدير والتمويل وفرض كلفة مباشرة على كلّ تصعيد، وتتمسّك إسرائيل برفع سقف أهدافها بالحديث عن إسقاط المحور وهزيمة النظام، بينما تردّ الجمهورية الإسلامية بتوسيع رقعة التهديد من هرمز إلى ساحات أخرى، وبالإصرار على أن قدراتها الصاروخية والنووية ليست موضع تنازل. لكن كلّما رفعت طهران سقف المواجهة لتحسين شروطها، ضاقت مساحة المناورة أمامها.

صحيح أن "حرب الناقلات" تضع الصادرات الإيرانية تحت النار، بيد أن تجاوز سعر برميل النفط المئة دولار يُعتبر بمثابة إنذار خطر. فإذا تحوّلت "حرب الناقلات" إلى حرب مفتوحة على طرق الطاقة، فسيصبح السؤال: كم من الفوضى يستطيع إحداثها نظام الملالي قبل أن يرتدع أو ينهار؟