إستال خليل

"أنغام وأفلام": أغنيات السينما تعبر إلى جيل جديد

8 دقائق للقراءة

بين ذاكرة الأفلام العربية ووهج المسرح الحيّ، يستعيد حفل "أنغام وأفلام" زمنًا كانت فيه الأغنية جزءًا من هوية الفيلم السينمائي، ويعيد تقديم هذا الإرث بأصوات شابة معاصرة ورؤية موسيقية حديثة. الحفل يُقام مساء الخميس في 24 أيلول الجاري على مسرح "MusicHall" عند الواجهة البحرية لبيروت، بمشاركة المغنين سندي لطي وعلياء ندا وبيتر جوزيف ومحمد علي، ترافقهم "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية" بقيادة المايسترو هاروت فازليان، في برنامج يستعيد أعمالا من زمن الغناء الجميل والطرب الأصيل، ضمن قالب يحافظ على الروح الأصلية للأغنيات ويفتح لها مساحةً جديدة أمام جمهور اليوم.

فكرة "أنغام وأفلام" تراود المايسترو هاروت فازليان منذ زمن، على ما يكشف لـ"نداء الوطن": "فالأفلام المصرية، وخصوصًا بين الخمسينات والسبعينات، ارتبطت بأغنيات شكّلت جزءًا أساسيًا من ذاكرة الناس، وكل أغنية منها كانت مثل ماسة بحد ذاتها. من هنا، قررنا العودة إلى تلك الحقبة وانتقاء أفضل ما قُدِّم خلالها، لوضعه مجددًا أمام الجمهور في حفل حيّ".

لكن العودة إلى هذه الأعمال، بالنسبة إلى فازليان، لا تعني إعادة تشكيلها أو إخضاعها لاتجاهات موسيقية معاصرة، بل الحفاظ على جوهرها. وهنا يشرح: "اخترت أن نقدّم الأغنيات بروح توزيعاتها الأصلية، لأنها رائعة أساسًا. لا أحب ما يحصل أحيانًا حين تؤخذ أغنية قديمة وتضاف إليها توزيعات وآلات لمجرد إظهار فكرة جديدة. أشعر في بعض الحالات، أنّ هناك فلسفة زائدة تُحمَّل على الموسيقى بالقوة، فيما العمل الأصلي لا يحتاج إليها. التطوير جميل، شرط ألا يأتي على حساب هوية الأغنية". وانطلاقًا من هذه الرؤية لدى فازليان، لم يكن اختيار الأصوات المشاركة في الحفل منفصلا عن اختيار الأعمال التي سيؤدونها، إذ يؤكد المايسترو أن العلاقة بين الأغنية والصوت أساسية في نجاحها. ويقول: "ليست كل أغنية مناسبة لكل مغنّ. ثمة أعمال تنجح بصورة استثنائية مع صوت محدد، لكنها قد تفقد جزءًا من سحرها إذا أدّاها شخص آخر. لذلك اخترت المغنين الأربعة بناءً على أصواتهم وعلى قدرتهم على خدمة الأغنيات التي انتقيناها. عندما سمعتهم، حرّك كل واحد منهم وترًا في داخلي، وعندها شعرت بأن الحفل يسير في الاتجاه الصحيح".


موسيقى جيدة وسيئة

وعن التحدي الأكبر في الإعداد لهذه الأمسية، يؤكد فازليان: "تحمّلتُ المسؤولية الموسيقية الكاملة للحفل، وأنا أضع أمامي دائمًا هدفًا واحدًا: أن يكون كل عمل أقدّمه أفضل من الذي سبقه. أصعب ما يواجه قائد الأوركسترا هو أن يجمع المغنين والعازفين ويجعل الجميع يتنفس موسيقيًا بالطريقة نفسها. أنا أحب الانضباط الموجود في الموسيقى الغربية، وأحاول نقله إلى الموسيقى الشرقية من دون المسّ بروحها. وهنا تحديدًا يكمن التحدي والتميز".

وعلى الرغم من تنوّع المدارس الموسيقية التي خاضها، يرفض فازليان تصنيف الموسيقى وفق حدود ضيقة، قائلا: "بالنسبة لي، هناك نوعان فقط من الموسيقى في العالم: موسيقى جيدة وموسيقى سيئة. قدّمت مع الأوركسترا موسيقى كلاسيكية صينية وألمانية ويابانية وفنزويلية وأرمنية وعربية، كما قدّمت أعمالا لمارسيل خليفة. عندما يكون العمل حقيقيًا وجيدًا، تستطيع أن تشعر به مهما كان مصدره". ويضيف نجل المخرج الراحل بيرج فازليان: "تأثرت منذ طفولتي بموسيقى الرحابنة، وكنت قائد الأوركسترا في آخر حفلات السيدة فيروز. اختصاصي الأساسي كلاسيكي، لكنني اليوم أكتشف أكثر فأكثر أعمال المؤلف الموسيقي المصري بليغ حمدي وأجد فيها جمالا استثنائيًا. وفي المقابل، أحب موسيقى الروك كثيرًا، فقد نشأت في مونتريال وتعلّمت في كندا. درست الموسيقى الكلاسيكية، لكن روحي ودمي مشبعان بالموسيقى الشرقية، الأرمنية والعربية، ومعهما الروك. كل هذه العناصر حين تختلط، تصنع هويتي الموسيقية".

يؤكد فازليان أنه إن لم نعزف اليوم الموسيقى الشرقية القديمة، فقد يأتي وقت تختفي فيه. فالموسيقى تشبه الكتاب؛ إذا بقي على الرف ولم يقرأه أحد، يفقد حياته. والنوتات بدورها أحرف، إذا لم نحوّلها إلى صوت ونعيد تقديمها، تبقى ساكنة إلى أن تُنسى. لذلك، دور الأوركسترا ليس تقديم الموسيقى فحسب، بل إبقاؤها حية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، مؤكدًا: "حفل "أنغام وأفلام" سيكون ليلة جميلة، مليئة بالموسيقى والحب والإلهام. علمًا أن على روزنامة المواعيد أيضًا حفلات مع "الأوركسترا الفيلهارمونية" في تشرين الأول وتشرين الثاني المقبلين، إلى جانب مشاريع أخرى، وربما "أنغام وأفلام" في نسخة ثانية".


من خلف الشاشة إلى المسرح

منتجة الحفل رلى تلج تؤكد من جهتها لـ"نداء الوطن" أن فكرة حفل "أنغام وأفلام" هي في الأساس فكرة المايسترو هاروت فازليان، "وقد سبق أن قدّمها في "كازينو لبنان" بقالب كلاسيكي. أما الإضافة التي عملتُ عليها كمنتجة، فجاءت من مشروع أومن به كثيرًا، وهو "من خلف شاشات مواقع التواصل إلى المسرح". فثمة أصوات جميلة جدًا في العالم العربي لا تأخذ حقها، وحتى في برامج المواهب نسمع أصواتًا مميزة تظهر لفترة ثم تختفي، نتيجة غياب المتابعة الحقيقية لمساعدتها على بناء مسيرة فنية". انطلاقًا من هنا، بدأت تلج بالبحث عن مواهب استطاعت فرض حضورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعيدًا من المسارات التقليدية للنجومية: "بحثت وأجريت "كاستينغ"، إلى أن وجدت ثلاثة أصوات مصرية رائعة، إضافةً إلى اللبنانية سندي لطي. وعندما أقتنع بموهبة كمنتجة، أحب أن أضعها في الإطار الصحيح. عرضت الأصوات على المايسترو هاروت فازليان، وأجرينا تجارب أداء عبر "زوم"، فاستمع إليهم واختبر أصواتهم على أغنيات محددة، ثم بنى برنامجه الغنائي وفقًا لما يناسب خصوصية كل صوت. وهكذا تطورت فكرة "أنغام وأفلام" ووصلت إلى الصيغة التي ستقدَّم على مسرح "MusicHall" في بيروت".

نسأل تلج عن ميزات المشاركين في الحفل، فتجيب: "لفتني لدى الشابين بيتر جوزيف ومحمد علي الشبه اللافت بعبد الحليم حافظ، صوتًا وصورةً، وكأن كل واحد منهما يشبهه في مرحلة مختلفة من حياته. وفي الوقت نفسه، يتمتعان بصوتين جميلين، وهما قادران على تقديم ألوان غنائية أخرى. أما علياء ندا، فقد درست الموسيقى، وهي مغنية في مصر، وصوتها مميز جدًا؛ لديها "بحّة" شيرين عبد الوهاب ودلع وردة الجزائرية في آن واحد. وتنضم إليهم سندي لطي، التي أصبح صوتها غنيًا عن التعريف. سيقدّم الفنانون أغنيات لأم كلثوم ووردة الجزائرية وفريد الأطرش وأسمهان وشادية وعبد الحليم حافظ، بين أغنيات فردية وثنائيات وأعمال تجمع الأصوات الأربعة، إلى جانب الكورس والأوركسترا المؤلفة من 24 عازفًا. أعتقد أننا سنكون أمام حفل لم نشهد مثله منذ زمن في لبنان، وحتى في العالم العربي".

وتؤكد تلج أننا في لبنان اعتدنا الوقوف من جديد مهما كانت الظروف: "لذلك نحاول دائمًا أن نقدّم للجمهور شيئًا إيجابيًا. أتمنى أن يشاهد هذا الحفل كل شخص يحب الموسيقى الجميلة ويريد أن يُطرب، من جيل الشباب إلى الأجيال الأكبر. المسرح يتسع لـ800 مقعد، وقد نعيد تقديم الأمسية بحسب إقبال الجمهور. بالنسبة إلي، أريد أن تكون ليلة 24 أيلول مساحة للفرح، وأن تكون الموسيقى فيها بمثابة علاج للجميع".


مشروع دائم

تطمح المنتجة رلى تلج إلى تحويل "أنغام وأفلام" إلى مشروع دائم، وإلى ألا يبقى تجربة عابرة: "نريد أن نكمل بهذا الخط، وليس من الضروري أن يبقى المشروع محصورًا بأغاني الأفلام المصرية. يمكن أن نخصص لاحقًا تحيةً لصباح أو زكي ناصيف أو وديع الصافي، أو أن ننتقل إلى التراث السوري أو سواه. ثمة محطات أيضًا نعمل عليها في عمّان ودبي والمغرب، إضافةً إلى مشروع يُحضَّر في لندن. الفكرة هي أن نعيد إحياء مكتبتنا الموسيقية العربية، وفي الوقت نفسه نمنح الأصوات الشابة فرصةً حقيقية لتخرج من خلف الشاشة وتقف على المسرح في المكان المناسب".

تحرص تلج في حديثها معنا على التأكيد أن الذوق الفني يتغير، لكن هذا لا يعني أن موسيقى اليوم ليست جيدة، وتقول: "الطرب الأصيل المبنيّ على موسيقى مضبوطة أصبح أقل حضورًا. لذلك، نريد أن نعيد تقديم هذا التراث بطريقة تحترمه، وأن نفتح الباب أمام المواهب من دون فكرة الاحتكار. وسيكون بإمكان أصحاب الأصوات الجميلة إرسال تسجيلاتهم عبر مواقع التواصل، على أن تختار لجنة المواهب الأنسب وتضع كل صوت في اللون الذي يليق به".

إذًا، لا يراهن حفل "أنغام وأفلام" على الحنين وحده، بل على قدرة الموسيقى على عبور الزمن والتجدد من دون أن تفقد هويتها. وبين إرث صنع ذاكرة أجيال وأصوات شابة تخطو نحو المسرح، يسعى المشروع إلى إبقاء الطرب الأصيل حيًا في وجدان جمهور اليوم. فهل تنجح التجربة وتتكرر؟


سندي لطي ستغنّي وردة الجزائرية (الخدمة الصحافية)

الملصق الدعائي للأمسية (الخدمة الصحافية)