مرّ ربع قرن على الحدث المفصلي الذي زلزل أميركا وأرجاء المعمورة. لتاريخ 11 أيلول مكانة خاصة في وجداني، إذ أيقظ فيّ الرغبة في متابعة الشؤون الدولية. كان عمري 11 عامًا حين تسمّرت أمام التلفاز وشاهدت الطائرة الثانية تصطدم بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي في نيويورك على الهواء مباشرة. بدأتُ وقتها أطرح أسئلة متعلّقة بالاعتداء الإرهابي وخلفيّاته وتداعياته المحتملة، وانطلقتُ في رحلة البحث عن إجابات مقنعة. مثّلت تلك الهجمات الصادمة "نداء استيقاظ" لشريحة واسعة من الأميركيين الذين هبّوا لتأدية واجبهم الوطني. أما بالنسبة إليّ، فشكّلت "نقطة تحوّل" غيّرت اهتماماتي كيافع ووجّهتني نحو مسار محدّد.
شهد الشرق الأوسط والعالم خلال 25 عامًا تحوّلات جذرية. وخرجت أميركا من حروبها أقوى، بصرف النظر عن الجدل في جدواها. تجد واشنطن نفسها اليوم أمام ملفات استراتيجية أكثر تعقيدًا من الحرب على الإرهاب، وإن ظلّت المواجهة معه مفتوحة. صحيح أن الصدام مع نظام آيات الله في طهران لم يُحسم بعد، بيد أن الصين تبقى عدوّة أميركا الجيوسياسية الأولى بلا منازع. وفي موازاة التحدّيات الخارجية، لا يمكن إغفال الصراع السياسي الداخلي و"الحرب الثقافية" المستعرة بين الأميركيين حول مستقبل بلادهم وهويّتها ودورها. وتكشف حملات الانتخابات النصفية اتساع الهوّة بين التيّارات السياسية وازديادها عمقًا، ولا سيّما مع ارتفاع منسوب الوقاحة لدى الجاحدين من أبناء المهاجرين، فضلًا عن تنامي النزعة الذمّية لدى مرضى عقدة الذنب.
لم يختبر جيلا "زد" و"ألفا" تجربة 11 أيلول، وليس واضحًا بعد كيف سيتعرّف جيل "بيتا" إلى ذلك التاريخ. لكن كثيرًا من الناشطين المخلصين يواظبون على إعادة إحياء "الروح الأميركية" ونهج "الآباء المؤسّسين" لدى الأجيال الصاعدة، لتزويدها بـ "العتاد الفكري" اللازم لمقارعة أعداء الحرّية، على اختلافهم، وهزيمتهم. وكلّ من يتطلّع إلى غد أفضل يعمل على نسف "مدارس" العنف السياسي وتجفيف منابعه، مدركًا أن خطاب الأحقاد المؤدلجة قد يدفع المجتمع الأميركي إلى الانزلاق نحو الحرب الأهلية، وتاليًا إلى الهلاك. ولعلّ هذا الدرب هو أخطر عدوّ قد تواجهه البلاد على الإطلاق، وأكبر خدمة يمكن أن تُقدَّم إلى أعدائها في الخارج.
أين كنّا في 11 أيلول 2001، وأين أصبحنا اليوم؟ وقتذاك، كانت الهواتف الذكية محدودة المهام، ولا تكاد تُقارن بما نحمله بين أيدينا حاليًا. واليوم، اقتحمنا عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يعيد صياغة أنماط عيشنا برمّتها. من المفترض أن تُشعل ثورة الذكاء الاصطناعي وتبعاتها على الإنسان شرارة "نداء استيقاظ" جديد للبشرية جمعاء، قبل فوات الأوان. لا شكّ في أن للذكاء الاصطناعي فوائد هائلة في مختلف نواحي الحياة، إذا أحسن مطوّروه توظيفه. إلّا أن خبراء في هذا المجال يواصلون دقّ ناقوس الخطر حيال قدراته المتنامية، وما قد تنطوي عليه من محاذير إذا خرجت عن السيطرة، في غياب ضوابط وقواعد حازمة يضعها المنظّمون والمعنيّون. بعد 25 عامًا على الفاجعة، تقف أميركا متأهّبة لمنع وقوع 11 أيلول جديد، سواء أكان من صنع البشر أم من صنع ما ابتكره البشر.