المحامي جان نمور

بشير الجميل: عندما يصبح القائد فكرة تتجاوز الزمن والجغرافيا

4 دقائق للقراءة

في الرابع عشر من أيلول، نستذكر رجلاً غاب جسداً منذ أكثر من أربعة عقود، لكنه بقي حاضراً في وجدان أجيال لم تعرفه يوماً. وهذه ربما هي المفارقة الأهم: كيف يمكن لشخص لم تعاصره أجيال كاملة أن يبقى قادراً على إثارة الأسئلة حول معنى القيادة والوطن؟ أنا أنتمي إلى جيل لم يعرف بشير الجميل، لم يسمع صوته في ساحات تلك المرحلة، ولم يعش تفاصيل الصراعات التي أحاطت بمسيرته. لكن هذا الجيل لا يبحث اليوم عن بشير في تفاصيل الحرب أو في الحسابات الصغيرة التي تختصر الشخصيات التاريخية وتحاصرها داخل زمنها. هذا الجيل يبحث عن الفكرة.

فبعض الشخصيات تبقى أسيرة عصرها، أما الشخصيات التي تحمل مشروعاً فتتجاوز الزمن والجغرافيا، وتتحول من حدث في التاريخ إلى مدرسة في الفكر والقيادة. ومن هنا، فإن بشير الجميل لم يعد بالنسبة إلى جيلنا مجرد شخصية سياسية من مرحلة لبنانية معينة، بل أصبح سؤالاً حول نوع القيادة التي يحتاج إليها لبنان. إن أكبر ظلم يمكن أن يلحق بشخصية تاريخية هو اختزالها في جانب واحد من تجربتها. فاختزال بشير في البعد العسكري فقط لا يعطي التجربة حقها، لأن قيمة القائد لا تُقاس فقط بالمعارك التي خاضها، بل بالأفكار التي يتركها، وبقدرته على التطور عندما تتغير المسؤولية.

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط في تجربته: بشير قبل الرئاسة لم يكن هو بشير بعد الرئاسة. فالانتقال من قيادة مرحلة صعبة إلى موقع رئاسة الجمهورية كان انتقالاً من مسؤولية تجاه فريق إلى محاولة تحمل مسؤولية وطن كامل. وهذا هو جوهر القيادة: أن يرتقي الإنسان من تمثيل جزء من المجتمع إلى محاولة احتضان المجتمع كله. خلال الواحد والعشرين يوماً التي فصلت بين انتخابه رئيساً للجمهورية واستشهاده، ظهرت ملامح هذا التحول. فقد فتح أبواب الحوار مع الرئيس صائب سلام، والتقى بقيادات سياسية وروحية من مختلف الطوائف، ولا تزال الصور التي جمعته بمشايخ الدروز وغيرهم شاهدة على محاولة بناء جسور بين مكونات المجتمع اللبناني.

قد تختلف القراءات السياسية لتلك المرحلة، وهذا أمر طبيعي، لكن ما يبقى هو أن لبنان لا يُبنى إلا بالحوار، وأن الدولة لا تقوم إلا عندما يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء فيها. فالقائد اللبناني الحقيقي ليس من يجمع جماعته ضد الآخرين، بل من يحول خصوصيته إلى جسر نحو الوطن.

بعد أكثر من أربعة عقود، ربما حان الوقت لنضع بشير الجميل في مكان مختلف. ليس المطلوب إخراجه من التاريخ أو إلغاء النقد، بل ألا نبقيه أسير التاريخ. فبشير اليوم أكبر من تفاصيل مرحلة، وأكبر من صورة عسكرية تختصر تجربته. يجب أن يُقرأ كمدرسة في القيادة: مدرسة تقوم على الرؤية، والجرأة، وتحمل المسؤولية، والقدرة على استنهاض المجتمع. فالقائد الحقيقي لا يريد مجتمعاً ينتظر الحلول، بل مجتمعاً يشارك في صنعها. لا يريد أتباعاً دائمين، بل مواطنين قادرين على المبادرة وإنتاج القادة.

كان بشير يريد، كما نُقل عنه، ألا يبقى بشير واحد. لم يكن يريد نسخاً عنه، بل آلاف اللبنانيين الذين يحملون روح المسؤولية نفسها: الإيمان بالدولة، الجرأة على المبادرة، والاستعداد للعمل من أجل الوطن. وربما السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: هل نجحنا في أن نكون هؤلاء؟

بعد أكثر من أربعين عاماً، لم ننجح بعد في تحويل هذه الفكرة إلى ثقافة وطنية كاملة، ولم ننجح بعد في إنتاج نموذج قيادي قادر على حمل مشروع وطن. ولهذا يبقى بشير حديث الساعة: ليس لأن لبنان يحتاج إلى استعادة الماضي، بل لأنه ما زال يبحث عن قيادة تجمع بين الرؤية والشجاعة والمسؤولية. قد يختلف اللبنانيون حول بشير الجميل كشخصية سياسية، وهذا حق طبيعي. لكن ما يمكن أن يجمعهم هو الفكرة الأوسع: بناء الدولة، فكل اللبنانيين يريدون دولة تحميهم، ومؤسسات تعمل، وقانوناً يطبق على الجميع، ومستقبلاً أفضل لأولادهم. وهذه هي المساحة التي يمكن أن يلتقي حولها الجميع.

بشير الجميل لم يعد فقط اسماً في تاريخ لبنان، بل أصبح فكرة عن القيادة والمسؤولية وعن ضرورة وجود قادة يستنهضون مجتمعهم من أجل مشروع أكبر من الأشخاص. فالأشخاص يرحلون، لكن المدارس تبقى. والقادة يغيبون، لكن الأفكار التي تحمل معنى وطنياً وإنسانياً تستمر. وربما يكون الوفاء الحقيقي لبشير اليوم ليس أن نبقى نتحدث عنه، بل أن نعمل على تحقيق الحلم الذي أراده: أن لا يبقى بشير واحد، بل أن يصبح هناك آلاف اللبنانيين الذين يحملون روح القيادة والمسؤولية، ويتحلق حولهم اللبنانيون لبناء الدولة التي طال انتظارها.