العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

علي الطاهر قلب المعادلة: من يقرّر أين تكون المعارك القادمة؟

8 دقائق للقراءة

كل يوم يمرّ يكشف أكثر فأكثر أن سقوط علي الطاهر لم يغيّر المشهد العسكري فحسب، بل بدأ يقلب المعادلة السياسية والاستراتيجية أيضًا. فلم يعد الموقع مجرد تلّة مرتفعة أو نقطة عسكرية على الخريطة، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز تعيد رسم مسرح العمليات، وتفتح مسارات جديدة أمام الجيش الإسرائيلي، وتضع محور إيران- "حزب الله"- "أمل" أمام مأزق تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية.

والسؤال اليوم لم يعد فقط: ماذا ستفعل إسرائيل بعد علي الطاهر؟ بل أيضًا: ماذا بقي أمام إيران و"حزب الله" و"أمل" من خيارات؟ وأين قد يحاولون نقل المواجهة المقبلة؟

يبدو أن إيران، في هذه المرحلة، أضعف من أن تردّ مباشرةً على سقوط علي الطاهر أو أن تهبّ لإنقاذ حلفائها في لبنان كما كان يمكن أن تفعل في مراحل سابقة. فهي تواجه ضغطًا متراكمًا نتيجة استراتيجية أميركية تجمع بين الحصار والضغط الاقتصادي، والاستهداف العسكري الانتقائي، والعمل الدبلوماسي. هذه المقاربة لا تسعى بالضرورة إلى حرب شاملة مع إيران، بل إلى تضييق هامش حركتها ورفع كلفة استخدامها لأذرعها الإقليمية.

وفي لبنان، يواجه "الحزب" و"الحركة" بدورهما مأزقًا متزايدًا. قدرتهما على المناورة باتت أضيق، وخياراتهما محدودة، فيما يقترب مشروعهما السياسي والعسكري من لحظة شديدة الخطورة. وإذا صحّ هذا التقدير، فإن السؤال الأساسي يصبح: كيف يتصرّف محور يشعر بأن خياراته الخارجية تضيق وأن موقعه الداخلي مهدّد؟

عسكريًا، بات أمام الجيش الإسرائيلي عدد من الخيارات المحتملة. أحدها التوجّه شمالا على امتداد السلسلة الغربية لجبل لبنان، عبر الطرق والمسالك الجبلية التي يمكن أن تصل إلى ضهر البيدر، وبعضها يعود إلى مرحلة الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي. وهناك مسار آخر باتجاه الغرب، نحو البحر المتوسط، فيما يمكن تصور محور ثالث على امتداد السلسلة الشرقية لجبل لبنان. وقد تُستخدم هذه المحاور منفردة أو بالتزامن بحسب تطورات الميدان.

وتندرج هذه الخيارات ضمن الفكر العسكري الكلاسيكي: التوغّل في عمق أرض الخصم، وعزل جيوب المقاومة وتقطيع أوصالها، ثم التعامل معها كلٌّ على حدة.

لكن، في المقابل، لا ينبغي أن يفترض هذا التحليل أن الجيش الإسرائيلي سيختار بالضرورة مواصلة التقدّم البري انطلاقًا من علي الطاهر. فهناك سيناريو آخر يجب أن يبقى حاضرًا في تقدير الموقف: أن تقرر إسرائيل، بعد تحقيق أهدافها العسكرية في المنطقة، ترك علي الطاهر أو إعادة تنظيم انتشارها حوله، والاكتفاء بتثبيت وتعزيز الخطوط الدفاعية التي أنشأتها لحماية شمال إسرائيل من أي نيران مباشرة، بدل تحويل السيطرة على الموقع إلى نقطة انطلاق لتوغّل أعمق داخل الأراضي اللبنانية.

في مثل هذا السيناريو، تصبح قيمة علي الطاهر مختلفة في الحساب الإسرائيلي. فالموقع قد لا يكون بالضرورة محطة أولى في عملية توسّع بري مستمر، بل ورقة ضغط وموقعًا مرتفعًا يساعد على إعادة تشكيل البيئة العملياتية، وتأمين عمق دفاعي ومراقبة المحاور التي يمكن أن تُستخدم لإطلاق النار باتجاه شمال إسرائيل. وإذا اعتبرت القيادة الإسرائيلية أن الخطوط الدفاعية الجديدة، مدعومة بالتفوق الجوي والمدفعي والاستخباري، كافية لتحقيق هدف منع أو خفض خطر النيران المباشرة على شمال إسرائيل، فقد يكون الانسحاب من علي الطاهر أو عدم التمسك به على المدى الطويل خيارًا مطروحًا، خصوصًا إذا أصبحت كلفة البقاء فيه أعلى من قيمته العسكرية.

وهذا الاحتمال مهم لأنه يغيّر طبيعة السؤال. فالمعادلة لا تصبح بالضرورة: "إلى أين ستتقدم إسرائيل بعد علي الطاهر؟"، بل قد تصبح: "هل تحتاج إسرائيل أصلًا إلى التقدم بعد علي الطاهر، أم أن هدفها هو تثبيت خطوط جديدة تمنع الوصول إلى شمال إسرائيل بالنيران المباشرة، ثم إدارة ما تبقى من المعركة من مواقع دفاعية أكثر ملاءمة؟".

ومن هنا، فإن أي قراءة للخيارات الإسرائيلية يجب أن تبقي الاحتمالين مفتوحين: احتمال التوسع البري والاستفادة من علي الطاهر كنقطة ارتكاز لعمليات أعمق، واحتمال الاكتفاء بالسيطرة المؤقتة أو حتى ترك الموقع لاحقًا بعد تثبيت خطوط دفاعية جديدة تحقق الهدف الأساسي المتمثل في حماية شمال إسرائيل من النيران المباشرة.

لكن إسرائيل قد لا تكون مضطرة إلى الاندفاع سريعًا في عمليات برية واسعة. فهي تستطيع استخدام الوقت والضغط العسكري والناري لمصلحتها، مع محاولة الحد من خسائرها البشرية. ومن هنا قد تلجأ إلى تدمير واسع للمناطق التي تعتبرها بنية عسكرية أو قاعدة عمليات قبل أي تقدّم بري، في مقاربة تقترب مما يُعرف بـ"عقيدة الضاحية".

ومع سقوط علي الطاهر، لم يعد الخطر محصورًا جنوب الليطاني. فاتساع الخيارات العسكرية يجعل النبطية والقرى المحيطة بها، وصولًا إلى منطقة الليطاني-الزهراني، جزءًا من الحسابات المحتملة لأي مرحلة جديدة من المواجهة.

وهنا تنتقل المسألة من العسكري إلى السياسي.

فهذه المنطقة تقع، في جزء كبير منها، ضمن البيئة الشعبية والسياسية للرئيس نبيه بري وحركة أمل. ومن الصعب تصور أن بري يريد رؤية معقله السياسي والاجتماعي يتعرّض لما تعرّضت له مناطق جنوب الليطاني، كما أنه لا يريد، في نهاية مسيرته السياسية، الانجرار إلى صدام شيعي-شيعي يعيد إلى الأذهان المواجهات الدامية التي شهدتها الساحة الشيعية في ثمانينيات القرن الماضي.

و"حزب الله"، من جهته، لا مصلحة له في فتح حرب داخل بيئته، لأن صراعًا كهذا قد يتحول سريعًا إلى تهديد وجودي لما تبقى من تماسك المحور في الداخل اللبناني.

لكن الجديد أن قدرة إيران على إدارة هذه التناقضات قد لا تكون كما كانت في السابق. فإذا كانت طهران نفسها تحت ضغط شديد وغير قادرة على تقديم الدعم أو الردّ بالحجم الذي يحتاجه حلفاؤها، فقد يجد "حزب الله" و"أمل" نفسيهما أمام خيارات لبنانية صعبة من دون مظلة إقليمية قادرة على إعادة ضبط المشهد بسهولة.

من هنا تصبح النبطية أكثر من مجرد ساحة محتملة للقتال. إنها نقطة تقاطع بين الحساب العسكري الإسرائيلي، وحسابات "حزب الله"، ومصالح حركة أمل، وحدود قدرة إيران على التدخل. وإذا أصبح استخدام النبطية ومحيطها للردّ على سقوط علي الطاهر مكلفًا سياسيًا وعسكريًا، فقد يبدأ البحث عن مسار بديل للمعركة.

وهنا يبرز السيناريو الذي يجب التنبه إليه: نقل المواجهة نحو التلال ومرتفعات جزين. فبدل أن تنطلق العمليات من النبطية باتجاه علي الطاهر، قد تظهر محاولات لاستخدام مناطق أخرى، ولا سيما التلال والممرات والقرى في محيط جزين، لفتح محاور جديدة أو إيجاد مواقع بديلة للتحرك العسكري.

لكن هناك سيناريو آخر لا يجوز تجاهله، وهو نقل الردّ من الخارج إلى الداخل اللبناني.

فعندما يضعف أي محور في مواجهة خصمه الخارجي، قد يحاول أحيانًا التعويض بتشديد قبضته الداخلية. وإذا وجد حزب الله وأمل أن خيارات الرد العسكري على إسرائيل محدودة، وأن إيران غير قادرة على تغيير ميزان القوى سريعًا، فقد يتصاعد خطر استخدام الضغط الأمني والسياسي في الداخل اللبناني، بما في ذلك احتمال استهداف مؤسسات الحكم أو شخصيات سياسية أو قوى يعتبرها المحور تهديدًا لنفوذه، بهدف تخويف الخصوم وإعادة ضبط بيئته وترميم موقعه الداخلي.

هذا ليس سيناريو حتميًا، ولا يجوز تقديمه كحقيقة قبل وقوعه، لكنه احتمال ينبغي على مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية أخذه بجدية ضمن التخطيط الوقائي.

لذلك، فإن سقوط علي الطاهر لا يفرض فقط إعادة تقييم انتشار الجيش في الجنوب، بل يفرض إعادة قراءة شاملة للخريطة الأمنية اللبنانية.

على الدولة أن تتحرك قبل انتقال المعركة، لا بعدها.

وعلى الجيش اللبناني تعزيز انتشاره في جزين ومرتفعاتها وقراها، وفي المنطقة الممتدة بين الليطاني والزهراني، بحيث يكون وجود الدولة فعليًا وواسعًا وقادرًا على حماية جميع اللبنانيين من دون تمييز. كما يجب منع أي طرف خارج مؤسسات الدولة من استخدام القرى والطرق والمرتفعات والمناطق السكنية لأغراض عسكرية أو تحويلها إلى منصات لمواجهة لا يملك سكانها قرارها.

وفي الوقت نفسه، يجب رفع مستوى حماية مؤسسات الدولة والقيادات والشخصيات السياسية المعرّضة للخطر، ومراقبة أي مؤشرات إلى محاولة نقل المواجهة من الحدود إلى الداخل.


المعادلة بعد علي الطاهر تغيّرت

إيران أضعف. "حزب الله" و"أمل" أمام خيارات أضيق. إسرائيل تملك المبادرة العسكرية بدرجة أكبر. لكن المبادرة الإسرائيلية لا تعني بالضرورة أن المرحلة المقبلة ستكون توغّلًا بريًا متواصلًا. فقد يكون أحد الخيارات تثبيت خطوط دفاعية جديدة تحقق هدف حماية شمال إسرائيل من النيران المباشرة، ثم إعادة تقييم الحاجة إلى البقاء في علي الطاهر أو التقدم منه إلى عمق أكبر.

وفي المقابل، ومع تقلّص مساحة المناورة، قد تصبح محاولة تغيير مكان المعركة أحد الخيارات المتبقية: من الجنوب إلى التلال ومرتفعات جزين، أو من المواجهة الخارجية إلى الضغط والمواجهة في الداخل اللبناني.

وهنا تقع مسؤولية الدولة.

فالدولة التي تنتظر وقوع الكارثة قبل أن تتحرك تكون قد تخلّت عن المبادرة. وفي لبنان، لا يجوز أن يكون الخيار بين تدمير النبطية أو تدمير جزين، ولا بين حرب على الحدود أو صراع في الداخل.

المطلوب منع نقل المعركة، لا اختيار مكانها.

وذلك يبدأ بقرار سياسي واضح، وانتشار عسكري استباقي، وحماية المؤسسات والمواطنين، وفرض قاعدة واحدة على الجميع:

الأرض للدولة، والسلاح للدولة، وقرار الحرب والسلم للدولة وحدها.


نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار

الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ