لم يكن استقبال أمين سرّ دولة حاضرة الفاتيكان، الكاردينال بييترو بارولين، وفدًا من الشخصيات الشيعية اللبنانية مجرد لقاء بروتوكولي، بل حمل في توقيته ومضمونه دلالات وطنية وسياسية تتجاوز الزيارة نفسها، في لحظة دقيقة يمرّ بها لبنان والمنطقة.
الوفد الذي ضم الشيخ محمد علي الحاج العاملي، والدكتور وجيه قانصوه، والصحافي جاد الأخوي، والسيد علي الأمين، حمل إلى الفاتيكان رسالة واضحة اختصرها بموقف أساسي: "نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة".
ليست هذه العبارة تنكرًا للهوية الدينية أو المذهبية، بل تأكيد على ترتيب الانتماءات. فالطائفة جزء من الهوية، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلا عن الوطن، ولا يمكن لأي انتماء مذهبي أو ديني أن يتقدم على الدولة ومؤسساتها وسيادتها ومصلحة جميع مواطنيها.
ومن هنا شدد الوفد على أن ما يميز لبنان، ليس فقط في المنطقة وإنما على مستوى العالم، هو صيغة العيش المشترك التي تجمع المسلمين والمسيحيين في وطن واحد، وتجعل من التنوع أساسًا للشراكة الوطنية.
لبنان ليس مجرد بلد توجد فيه طوائف متعددة جنبًا إلى جنب. تجربته أعمق من ذلك. فهو محاولة تاريخية لبناء وطن لا تكون فيه الغلبة لجماعة على أخرى، ولا يستطيع فيه مكوّن أن يلغي بقية المكونات، بل تقوم شرعيته على الشراكة والتوازن والاعتراف المتبادل.
وهذه الصيغة، رغم كل الأزمات والحروب التي مرت بها، تبقى واحدة من أهم عناصر فرادة لبنان.
لذلك فإن الدفاع عن العيش المشترك ليس شعارًا عاطفيًا، بل دفاعًا عن جوهر الكيان اللبناني نفسه. فعندما تسقط الشراكة، يسقط لبنان الذي نعرفه. وعندما يتحول الانتماء الطائفي إلى مشروع سياسي مغلق أو إلى ارتباط بالخارج، يصبح الوطن نفسه مهددًا.
ومن جهته، أكد الكاردينال بارولين استمرار موقف الفاتيكان الثابت والصلب في دعم لبنان، وتأييد الدولة اللبنانية في مساعيها لممارسة سيادتها على كامل أراضيها. كما عبّر عن انفتاح الفاتيكان على جميع المكونات اللبنانية، وعن أهمية التواصل الإيجابي مع الشخصيات والاتجاهات المختلفة والمتنوعة داخل الطوائف، بما فيها الطائفة الشيعية.
وهذه الإشارة تحمل أهمية خاصة. فالشيعة اللبنانيون ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا يمكن اختصارهم بحزب أو تنظيم أو ثنائية سياسية مهما كان حجمها الشعبي أو السياسي. داخل البيئة الشيعية تعددية فكرية وسياسية وثقافية، وهناك لبنانيون شيعة يعتبرون أن مستقبلهم مرتبط بالدولة اللبنانية، وأن أمنهم وكرامتهم ومصالح أبنائهم لا تنفصل عن أمن بقية اللبنانيين ومستقبلهم.
والقول "نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة" يعني تحديدًا رفض وضع الشيعة في مواجهة وطنهم أو في موقع منفصل عن بقية اللبنانيين.
فالشيعة ليسوا ضيوفًا على لبنان، ولا يحتاجون إلى مشروع خاص بهم خارج الدولة. هم مكوّن أصيل في هذا الوطن، ساهموا في بنائه وفي الدفاع عنه وفي صياغة هويته الوطنية. ولذلك فإن مستقبلهم الطبيعي يجب أن يكون داخل الدولة، لا على هامشها ولا في دولة موازية لها.
وفي هذا السياق، شكر الوفد الفاتيكان على الدور الذي لعبه ولا يزال في دعم لبنان وشعبه خلال الأزمة الراهنة، وعلى وقوفه إلى جانب الدولة اللبنانية في مسعاها التفاوضي للوصول إلى وضع آمن ومستقر على الحدود مع إسرائيل، بما يسمح بعودة النازحين إلى قراهم وتوفير شروط حياة كريمة ومستدامة لهم.
فالقضية اليوم ليست فقط أين تقف الحدود أو كيف يتم تثبيت الأمن عليها. المسألة تتعلق أيضًا بمصير آلاف العائلات التي تريد العودة إلى أرضها وبيوتها وقراها، وبمستقبل الجنوب الذي دفع على مدى عقود ثمنًا باهظًا للحروب والصراعات الإقليمية.
أبناء الجنوب يريدون الأمن كما يريدون الكرامة. يريدون العودة وإعادة الإعمار والعمل والتعليم والاستثمار. يريدون أن يعيش أولادهم في قراهم من دون أن يبقى مستقبلهم معلقاً على احتمال حرب جديدة.
ومن هنا يصبح دعم الدولة ومسارها التفاوضي جزءاً من حماية الجنوب، لا تنازلا عنه. فالهدف من السياسة في النهاية هو حماية الناس والأرض، والوصول إلى استقرار يحفظ الحقوق ويعيد سلطة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها.
أما الكاردينال بارولين، فقد أبدى خلال اللقاء تفاؤله بمستقبل لبنان، مستحضرًا عبارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني "رجاء جديد للبنان".
ولعل لبنان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى هذا الرجاء الجديد.
لكنه يحتاج أيضًا إلى تحويل الرجاء إلى مشروع سياسي ووطني: دولة تستعيد قرارها وسيادتها، مؤسسات تستعيد ثقة مواطنيها، جنوب يعود أهله إلى قراه، وحدود آمنة ومستقرة، ومجتمع يرفض أن تتحول الطوائف إلى جزر سياسية منفصلة.
ومن الفاتيكان، جاءت الرسالة اللبنانية بسيطة لكنها عميقة:
نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة، وقبل أن نكون مسيحيين أو مسلمين. نختلف في معتقداتنا وانتماءاتنا، لكننا نلتقي في وطن واحد. وتلك ليست نقطة ضعف لبنان، بل سرّ تميزه. ففي منطقة تتصاعد فيها العصبيات والانقسامات والهويات المغلقة، يبقى لبنان، بكل صعوباته وتناقضاته، محاولة فريدة للقول إن الاختلاف لا يمنع بناء وطن مشترك.
وحماية هذه الصيغة تبدأ من حماية الدولة. لأن الدولة وحدها تستطيع أن تكون ضمانة للجميع، ولأن لا خلاص لطائفة من دون لبنان، ولا خلاص للبنان من دون العيش المشترك والسيادة والدولة.