بطرس الخوري

«الأباتي بولس نعمان... من الرهبنة إلى ذاكرة الوطن»

دقيقتان للقراءة

برحيل الأباتي بولس نعمان، يفقد لبنان والرهبانية اللبنانية المارونية واحدًا من أبرز وجوههما الفكرية والرهبانية والتاريخية، ورجلًا جمع في مسيرته بين الرهبنة والتعليم والبحث التاريخي والعمل الوطني.

كرّس نعمان جانبًا أساسيًا من حياته للعلم والثقافة، وتولّى مسؤوليات أكاديمية في جامعة الروح القدس – الكسليك، بينها عمادة كلية الآداب، وأسهم من خلال التدريس والبحث والكتابة في دراسة التاريخ اللبناني والماروني وحفظ الذاكرة التاريخية.

وفي الرهبانية اللبنانية المارونية، التي انتمى إليها وحمل رسالتها، تولّى لاحقًا رئاستها العامة، فكان حاضرًا في الحياة الكنسية والوطنية، ومتمسكًا بالدور التاريخي للرهبانية في خدمة الإنسان والأرض والتعليم والثقافة.

ولم يكن نعمان بعيدًا عن القضايا الوطنية الكبرى. خلال الحرب اللبنانية كان من الشخصيات الحاضرة في الجبهة اللبنانية، وعايش عن قرب مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، من انهيار مؤسسات الدولة والحرب إلى صعود بشير الجميل وانتخابه رئيسًا واغتياله عام 1982.

أما إرثه الأبرز فبقي في الكتابة والتاريخ. ترك مؤلفات وأبحاثًا وشهادات تناولت التاريخ الماروني واللبناني، والهوية والوجود المسيحي والحرية والسيادة. واختصر جانبًا كبيرًا من تجربته في مذكراته «الإنسان، الوطن، الحرية»، التي سجّل فيها شهادته على أحداث عاشها وكان جزءًا منها.

ورأى في المارونية أكثر من انتماء طائفي، وعبّر عن ذلك بمفهوم «المارونية رسالة تحرير مشرقيّة»، رابطًا تاريخها بالحرية والأرض والثقافة ودور الإنسان في هذا الشرق.

من الدير إلى جامعة الكسليك، ومن رئاسة الرهبانية إلى العمل الوطني، ومن قلب أحداث الحرب إلى التأريخ لها، امتدت مسيرة بولس نعمان على عقود من العمل الرهباني والأكاديمي والفكري والوطني.

رحل الأباتي بولس نعمان، وبقيت كتبه وشهاداته ومواقفه جزءًا من ذاكرة مرحلة أساسية من تاريخ لبنان الحديث.

راهبٌ ومؤرخ وشاهد على زمنٍ لبناني كبير...

رحل الرجل، وبقي الأثر.