"منتدى الأرز" ينعى الأباتي نعمان: "رحل الراهب… وبقي السؤال: ماذا فعلنا بالإنسان والوطن والحرية؟"

5 دقائق للقراءة

بمزيد من الحزن والرجاء والإيمان، ينعى "منتدى الأرز" الـ “Cedars Forum” الأباتي بولس نعمان، أحد الوجوه المارونية الفكرية والوطنية التي طبعت مرحلة طويلة من تاريخ لبنان الحديث، والذي ارتبط اسمه بأسئلة الإنسان والوطن والحرية، وبهاجس الموارنة ومصيرهم ودورهم في لبنان والشرق.

يرحل الأباتي بولس نعمان عن هذه الدنيا، بعد عمر طويل حمل خلاله هموم لبنان والمسيحيين والموارنة، وعاش مراحل من تاريخه كانت فيها الأسئلة أكبر من الأجوبة، وكانت الحرية مهددة، والإنسان يدفع أثمان الانقسامات والحروب، والوطن يتأرجح بين مشروع الدولة ومشاريع الطوائف والقوى المتصارعة.

ولعلّ رحيله اليوم لا يسمح لنا بأن نكتفي بكلمات الرثاء.

بل يضعنا أمام سؤال موجع:

هل رحل الأباتي بولس نعمان حزينًا على ما آل إليه لبنان؟

وهل كان يحمل في قلبه، حتى اللحظة الأخيرة، مرارة ما وصل إليه الموارنة والمسيحيون، وما وصل إليه الوطن الذي أحبّه ودافع عنه؟

لا نملك جوابًا عن هذا السؤال، ولا يحق لنا أن نتحدث باسم الراحل أو أن ننسب إليه مشاعر لم يقلها.

لكننا نعرف أن الرجل أمضى جانبًا كبيرًا من حياته وهو يسأل: «لبنان والموارنة إلى أين؟»، وأن مذكراته حملت عنوانًا بالغ الدلالة: «الإنسان، الوطن، الحرية». وهي ثلاثية تختصر، إلى حد بعيد، جوهر القضية اللبنانية: فلا وطن من دون إنسان، ولا إنسان من دون حرية، ولا حرية من دون وطن يحمي كرامة أبنائه.

ومن هنا، فإن رحيله يعيد إلينا سؤالًا آخر أشد إيلامًا:

هل نحن اليوم نعيش لبنان الذي حلم به أولئك الذين سبقونا؟

أين أصبح الإنسان اللبناني في حساباتنا؟

أين أصبحت الحرية التي كانت في صلب التجربة المارونية اللبنانية، والتي جعلت من جبل لبنان، عبر تاريخه الطويل، مساحة للعيش والكرامة واللجوء إلى الحرية؟

وأين أصبحت ذاكرتنا؟

فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد القدرة على فهم حاضرها، ومن لا يعرف لماذا نشأ لبنان، وكيف تشكّل، وما الذي دفع أجيالًا من اللبنانيين إلى التمسك به، يصبح من السهل عليه أن يتعامل مع الوطن وكأنه حادث عابر أو صفقة سياسية قابلة للتعديل في كل زمان.

لقد قال الأباتي بولس نعمان، في حديث عن المارونية، إن حضورها كان متواصلًا روحيًا وفكريًا وحياتيًا ونضاليًا، وإن الوحدة الحياتية في لبنان سبقت، في الزمن، كتابة التاريخ اللبناني.

وهذه الذاكرة تحديدًا هي التي نخشى عليها اليوم.

نخشى أن تضيع ذاكرة الموارنة، لا لأن الموارنة يملكون لبنان، بل لأن التجربة المارونية جزء لا يتجزأ من الذاكرة اللبنانية نفسها؛ من تاريخ نشوء فكرة لبنان، ومن مسيرة التعليم والثقافة والحرية، ومن الانفتاح على الشرق والغرب، ومن الإيمان بأن الإنسان ليس تابعًا لجماعة أو سلطة، بل هو قيمة في ذاته.

لقد كان لبنان، في واحدة من أعمق تجاربه، محاولة تاريخية للقول إن التعدد ليس لعنة، وإن المسيحي والمسلم يستطيعان أن يصنعا وطنًا واحدًا، وإن الحرية ليست امتيازًا لطائفة، بل حقًا للإنسان.

ومن هنا، فإن السؤال عن الموارنة ليس سؤالًا طائفيًا ضيقًا.

إنه سؤال عن لبنان نفسه.

وحين نسأل: «الموارنة إلى أين؟»، فإن السؤال الأعمق هو:

لبنان إلى أين؟

والإنسان اللبناني إلى أين؟

والحرية إلى أين؟

رحل الأباتي نعمان، لكن الأسئلة التي حملها لم ترحل معه.

بل ربما أصبحت أكثر إلحاحًا.

رحل رجل عاش الحرب، والسياسة، والكنيسة، والفكر، والحوار، ورأى بأم العين كيف يمكن للأوطان أن تتقدم حين يعلو شأن الإنسان، وكيف يمكن لها أن تنكسر حين تتحول الطوائف إلى جزر، والسياسة إلى صراع نفوذ، والذاكرة إلى مادة انتقائية، والوطن إلى مجرد ساحة لتقاسم المصالح.

وإذا كان من واجبنا أن نختلف مع بعض مواقفه أو قراءاته أو خياراته، فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل الرجل في مرحلة أو موقف، وأن نتذكر أنه كان واحدًا من الذين حاولوا، على طريقتهم، أن يقرأوا لبنان في زمن بالغ الصعوبة، وأن يتركوا شهادة على مرحلة لا يجوز للبنانيين أن يمحوا تفاصيلها من ذاكرتهم.

"منتدى الأرز" "Cedars Forum" يرى في رحيله مناسبة للتوقف لا أمام الموت فحسب، بل أمام معنى الحياة التي عاشها.

فالراهب الذي حمل همّ الوطن، والكاتب الذي كتب عن الإنسان والحرية، والرجل الذي سأل عن مستقبل الموارنة والمسيحيين ولبنان، يترك لنا اليوم سؤالًا أكبر من كل الأسئلة:

هل ما زلنا نعرف لماذا نريد لبنان؟

هل ما زلنا نؤمن بأن قيمة لبنان في الإنسان الحر، لا في عدد المقاعد النيابية؟

هل ما زلنا نؤمن بأن المسيحيين في هذا الشرق لا يحفظهم الانكفاء، بل الحضور، والعلم، والانفتاح، والحرية، والشراكة الوطنية؟

هل ما زلنا نؤمن بأن الموارنة، كما كان يحلم كثيرون من رجالاتهم، ليسوا جماعة تبحث عن امتياز، بل جماعة تاريخية مسؤولة عن رسالة، وعن نموذج، وعن وطن؟

وهل أدركنا أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي جماعة ليس فقط أن تخسر قوتها السياسية، بل أن تفقد ذاكرتها وثقتها برسالتها؟

أيها الأباتي بولس نعمان،

نمْ بسلام.

لقد غادرتَ الأرض التي أحببت، وتركتَ وراءك وطنًا أثقلته الجراح، ومجتمعًا مسيحيًا يعيش قلق المصير، وموارنة يبحثون من جديد عن معنى وجودهم ودورهم، ولبنانيين يتساءلون إن كان لا يزال بالإمكان إنقاذ الحلم.

لكننا نؤمن أن الموت لا ينتصر على الفكرة.

وأن الذاكرة، إذا صُنّاها، تستطيع أن تكون بداية خلاص.

وأن لبنان الذي عرفته، والذي آمنت به، لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الحنين إلى الماضي، بل إلى استعادة جوهره: الإنسان، والحرية، والدولة، والكرامة، والعيش المشترك.

ومن عمق الإيمان المسيحي الذي يعلّمنا أن الموت عبور لا نهاية، نصلّي كي تكون روحك في رحاب النور والرحمة، حيث لا وجع ولا خوف ولا انقسام.

ونحن، هنا، لا نملك إلا أن نرفع الصلاة، وأن نرفع معها السؤال.

رحم الله الأباتي بولس نعمان.

ولعل أفضل وفاء له ألا نكتفي بنعيه، بل أن نعيد فتح الكتاب الذي تركه لنا، وأن نقرأ من جديد:

الإنسان… الوطن… الحرية.

فلعل لبنان الذي بحث عنه طوال حياته لا يزال ممكنًا،

إذا تذكّر اللبنانيون أن الوطن لا يُحفظ بالخوف،

ولا بالطائفية،

ولا بالنسيان،

بل بالإنسان الحر.

"منتدى الأرز"