سامر زريق

زيارة النبطية والـ"زيبك" التركي: الدولة ورقصة الشراكة في مواجهة الانعزالية

4 دقائق للقراءة
من زيارة رئيس الجمهورية إلى النبطية الأسبوع الفائت

تشكل زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى النبطية حلقة جديدة في مسار تثبيت حضور الدولة في الجنوب، وحماية المنطقة من التوسع الإسرائيلي من جهة، وهيمنة "حزب الله" وإصراره على رفض التعاون مع الدولة من جهة أخرى.

إنها الزيارة السابعة ضمن سياسات الدولة الرامية لتكريس الشرعية: زيارتان لرئيس الجمهورية، كانت الأولى عشية ذكرى الاستقلال، و5 زيارات لرئيس الحكومة نواف سلام، بينها جولة استمرت يومين في شباط الماضي، ولم تثر حفيظة "الحزب" لكونها حصلت بالتنسيق معه. وهنا بيت القصيد.

فالحملة التي شنها "الحزب" على زيارة عون تتصل بأهدافها ومضامينها على صعيد المشهدية العامة، وكذلك بعدم التنسيق معه، ولا سيما في ظل ما كشفته من فجوة تتسع بين "الحزب" وجزء من حاضنته الجنوبية.

لم يعد الاعتراض على استمرار الحرب والمطالبة بالدولة وتسليم السلاح حكرًا على خصوم "الحزب" من أبناء "جبل عامل"، بل بدأ يصدر أيضًا من داخل حاضنته تحت عنوان يختزن حمولة مكثفة "كفى نزيفًا". نحن مع "الحزب"، لكنه لا يسعنا القبول بالانتحار فداء لسياسات إقليمية لا تقيم للناس وأرواحهم وممتلكاتهم وزنًا، وتستخدمهم قرابين في صراعات لا يملكون قرارها ولا التأثير بها.

في المقابل، يدفع "الحزب" باتجاه ترسيخ رواية في وعي حاضنته ترتكز على العزلة والتقوقع، وتصوير الطائفة الشيعية باعتبارها وحدها من تضحي من أجل لبنان والأمة الإسلامية، وكأن الآخرين متواطئون عليها. فضلا عن سورياليتها، فإن هذه الرواية تتحول تدريجيًا من آلية دفاع كلاسيكية للتنظيمات التي تعاني من تهديد وجودي إلى تفجير أزمة اندماج وطنية.

فما يبدأ سجالا على منصات التواصل سرعان ما يتسرب إلى الحياة العامة مع تصاعد الخطاب المذهبي والمشاحنات اليومية. ولعل ما جرى الأسبوع الماضي في ندوة بيروتية حول الدور التركي يقدم نموذجًا محملا بالدلالات.

فبينما أكد ثلاثة خبراء متخصصين في الشأن التركي أن أنقرة لا تسعى إلى وراثة النفوذ الإيراني ولا إلى إحياء العثمانية، وأنها تتبنى استراتيجية بناء شراكات متنوعة، وتعمل على توظيف الإرث المشترك والقوة الناعمة لتعزيز مقبوليتها لدى دول وشعوب تحمل هواجس تاريخية منها.

بمعنى آخر يمكن توصيف الدور التركي برقصة "زيبك" سياسية. فالـ "زيبك" رقصة تراثية تركية، تحاكي في إيقاعها وحركاتها الصقور والنسور، ارتبطت بمحاربي الأناضول والثوار منذ عهد السلاجقة، ثم تحولت إلى رمز ثقافي للشجاعة والقوة. والأهم أنها رقصة جماعية، تقوم على مشاركة أكثر من شخص في حركتها.

بيد أن رجل دين شيعيًا اعترض وفجّر سجالا كاد يتوسع لولا تدخل بعض الحاضرين، وتركز اعتراضه على فكرة انتهاء مشروع "الجماعات ما دون الدولة"، رغم حرص المتخصصين الثلاثة على استخدام هذا المصطلح كتوصيف حيادي. ناهيكم عن إبداء بعض مؤيدي "الحزب" في القاعة تبرمهم الواضح من سياق النقاش.

هذه المشهدية ليست تفصيلا لكونها تكشف كيف تتحول العزلة السياسية إلى انغلاق اجتماعي مؤذ على المدى الطويل، وكيف يصبح رفض التعاون والشراكة، أكان مع الدولة أم الفاعلين الإقليميين، موقفًا قائمًا بذاته، حتى عندما تكون الشراكة لمصلحة الحاضنة ولبنان عمومًا.

وهنا تلتقي رقصة الـ "زيبك" السياسية مع زيارة عون. فرئيس الجمهورية يسعى خلال جولاته الداخلية والخارجية إلى تكريس صورة الدولة والجيش والانضباط، لم يذهب إلى النبطية إلا للقول إن تحرير الجنوب ولبنان من إسار ساحات صراعات النفوذ يبدأ من ترسيخ الشرعية، والبحث عن شركاء جديين لا أوصياء.

والدور التركي يتجاوز صورة البأس التي حرص عون على تظهيرها أمام العسكر خلال زيارته لأنقرة إلى ما عرضته خلال دعوتها لرقصة "زيبك" سياسي من دعم تقني ولوجستي للجيش في ظل التطور الهائل في صناعاتها الدفاعية، وكذلك وساطتها مع ايران لاحتواء "الحزب" تحت كنف الدولة.

وهنا يظهر الفارق. فالـ "زيبك" التركي رقصة ترمز لشراكة القوة، فيما يريد الحرس الثوري للبنان رقصة هيمنة وعزاءات حسينية لا تعرف حدًا ولا نهاية. وردة فعل الشيخ تختزل فكرة الانعزالية وتحريم الشراكة المنجية، والإصرار على السير في ركاب الحرس الثوري وسياساته الانتحارية. لكن الجنوب آن له أن يخرج من رقصة الدم إلى حماية الدولة.