باب المندب بين كلفة المواجهة وثمن المهادنة

4 دقائق للقراءة
اليمن يقف فوق صفيح ساخن (أ ف ب)

مع استمرار الهجمات الإرهابية التي تشنّها ميليشيا الحوثي اليمنية ضدّ المنشآت المدنية في السعودية بتوجيه من "الحرس الثوري" ودعمه، ومواصلة هجماتها البرّية ضدّ قوّات الحكومة الشرعية في اليمن بهدف تثبيت سيطرتها المستجدّة على مضيق باب المندب، يبرز خياران أمام الدول الإقليمية المناوئة لإرهاب إيران وأذرعها: إمّا مهادنة إيران والحوثيين ومحاولة التوصّل إلى اتفاق مع طهران للجم الحوثيين، وإمّا مواجهة "أنصار الله" عسكريًا بهدف فكّ قبضتهم عن باب المندب.

ورغم أن للخيارين تداعيات سلبية محتملة، يبقى الخيار الثاني الأقلّ سوءًا على المديين المتوسط والبعيد، إذ إن التسليم بسيطرة الحوثيين على باب المندب يعني عمليًا الإقرار بسيطرة النظام الإيراني ووكلائه الإرهابيين على ممرّ مائي حيوي آخر، يستطيعون من خلاله ابتزاز العالم متى يشاؤون لانتزاع تنازلات سياسية. كما أن مهادنة الحوثيين من شأنها أن تزيد احتمالات شنّهم هجمات مستقبلية لاحتلال مزيد من المدن اليمنية الاستراتيجية، بما يُبقي التهديد للمملكة قائمًا.

لكن اعتماد الخيار الثاني، أي المواجهة العسكرية، ينطوي أيضًا على مخاطر جدّية لدول المنطقة، خصوصًا في ظلّ عدم رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في الانخراط مباشرة في النزاع في اليمن قبل أقلّ من شهرين من الانتخابات النصفية الأميركية، وتفضيلها التوصّل إلى تهدئة، ولو موَقتة، للحدّ من ارتفاع أسعار الطاقة. وفي هذا الإطار، كشف نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أن بلاده تجري "محادثات مباشرة" مع الحوثيين، معربًا عن قلقه إزاء سيطرتهم على جزيرة بريم (ميون) في باب المندب. بالتوازي، اجتمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر في جدة، حيث استعرضا العلاقات الثنائية بين البلدين ومستجدات الأحداث في المنطقة. ومن المقرّر أن يلتقي بن سلمان الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر اليوم.

ويبدو غياب الثقة بين إيران ودول الخليج عائقًا أمام ترجمة الاتصالات الدبلوماسية إلى تفاهمات، وهو ما يعكسه تأجيل الاجتماع الذي كان مقرّرًا أن يجمع إيران ودولًا خليجية والعراق في عُمان أمس، لمناقشة نتائج المحادثات بين مسقط وطهران بشأن إدارة مضيق هرمز. وبينما عزت عُمان التأجيل إلى "الحرص على التوافق"، اتهمت إيران السعودية بأنها طلبت عدم عقد الاجتماع حاليًا. وفي هذه الأثناء، قال ترامب إن "الأمة الإيرانية الفاشلة تريد عقد صفقة، بسرعة وبشدّة"، مشيرًا إلى أن بلاده تدرس ما إذا كانت ستنخرط في المحادثات، مع انفتاحها على ذلك. وبعد الهجوم الذي شنّه مسلّحون تابعون لإيران في العراق وأدّى إلى توقّف خط أنابيب شرق - غرب في السعودية الأسبوع الماضي، تعهّد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بأن حكومته لن تسمح بأن تتحوّل أراضي العراق إلى قاعدة لإطلاق التهديدات ضدّ الدول المجاورة، أو إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

وفي غضون ذلك، مُنع رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي من دخول النمسا للمشاركة في المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعدما رفضت واشنطن منحه إعفاءً من العقوبات يتيح له الحصول على تأشيرة، ما دفع طهران إلى استدعاء القائم بالأعمال النمسوي واتهام واشنطن بالوقوف خلف القرار. وأكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي أن الوكالة لم تتمكّن منذ أكثر من عام من التحقّق بصورة مستمرّة من وضع مخزونات اليورانيوم الإيرانية، محذّرًا من أن ذلك يشكّل "مصدر قلق بالغ بشأن الانتشار النووي" ينبغي معالجته "بأقصى درجات الإلحاح". وبعدما أشار كلّ من ترامب وغروسي الأسبوع الماضي إلى وجود أنشطة في موقع "جبل الفأس" النووي الإيراني، نفت طهران صحّة ذلك.

إلى ذلك، أكد وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال كلمته أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن مشروع جبل صايد في منطقة المدينة يشمل موارد تقديرية بنحو 110 ملايين طن من الخام المحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة، خصوصًا العناصر الثقيلة منها، بالإضافة إلى مؤشرات واعدة لوجود اليورانيوم. وشدّد على أن "المملكة لا تطوّر برنامجها النووي السلمي بمعزل عن المجتمع الدولي أو عبر أنشطة تُدار في مخابئ بالخفاء، أو في منشآت مخفية في أعماق الجبل، بل من خلال شراكات دولية موثوقة تعزّز الثقة وتدعم منظومة عدم الانتشار النووي".