نايف عازار

مَن يملك مفتاح الحرب في بغداد؟

3 دقائق للقراءة
الزيدي أمام استحقاقات مفصلية (أ ف ب)

فيما كانت حكومة علي الزيدي غارقة في معالجة معضلة حصر السلاح بيد الدولة العراقية مع بدء العدّ العكسي لتاريخ 30 أيلول، الذي بات يُعتبر بمثابة "نقطة شروع" للمباشرة بعملية تدريجية لتسليم سلاح الفصائل للسلطات الشرعية، وهو الموعد المضروب أيضًا لخروج قوات "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة من "بلاد الرافدين"، انطلقت مسيّرات من الأراضي العراقية لتستهدف أنابيب نفط حيوية في السعودية.

المسيّرات التي تحمل بصمات إيرانية، وإن لم تعلن طهران صراحة مسؤوليتها عن الهجوم، تؤكد أن نظام الملالي المترنّح بات يلعب أوراقه الإقليمية المتاحة كافة، لمقارعة أميركا، غير آبه بالضرر الذي تلحقه مسيّراته وصواريخه بدول الخليج.

أمسى السؤال الملحّ المطروح راهنًا في ظلّ احتدام الكباش الأميركي - الإيراني: هل ستنجح حكومة الزيدي في احتكار القرار الأمني والسياسي، أم أن معادلة الحرب في الإقليم ستترك العراق ساحة مستباحة يتصارع فيها النفوذان الأميركي والإيراني، لإكمال لعبة بدأت بينهما فور إسقاط نظام صدام حسين عام 2003؟

يقف العراق اليوم أمام لحظة مفصلية وتاريخية. فإما أن تقتنص بغداد الفرصة، في خضمّ الصراع الأميركي - الإيراني في المنطقة، لإعادة بناء دولة حقيقية على أسس متينة، من خلال إعادة تموضعها السياسي وابتعادها عن فلك نظام آيات الله في طهران، وإما أن يكرّس العراق بقاءه في موقعه، كإحدى الساحات الرئيسية المضطربة المتأثّرة مباشرة بتداعيات النزاع الإقليمي.

لا تكمن مشكلة العراق في الانتخابات التشريعية نفسها فقط، التي أنتجت قبل أشهر برلمانًا يدين بمعظمه بالولاء المطلق لطهران، كون "الإطار التنسيقي"، وهو الائتلاف الشيعي الحاكم، أعاد حصد غالبية المقاعد البرلمانية، بل تتجسّد المعضلة المحورية في آلية إنتاج السلطة بعد هذه الانتخابات. فالمكونات الفائزة في الانتخابات التشريعية استُنزفت بعامل الوقت، إذ تطلّب الأمر أشهرًا عدّة لتشكيل السلطة التنفيذية. بيد أن هذا التشكيل بقي مبتورًا بحكم أن مجلس النواب لم يمنح الثقة لكامل أركانها، بل اكتفى بإعطائها لـ 14 وزيرًا، وحجبها عن 9 مرشّحين لتبوّؤ مناصب وزارية، لتبقى بذلك حقائب أساسية في الحكومة الجديدة ضحية التجاذب السياسي.

وهنا تكون "بلاد الرافدين" ظفرت باستيلاد حكومة، لكنّها أخفقت في بناء مركز قرار متماسك يخوّل رئيسها التعاطي بحزم مع ملف حصر السلاح، باعتبار أن الزيدي سيعجز عن وضع خريطة طريق لتنفيذ سياسة أمنية شاملة، طالما بقيت المؤسّسات السياسية عينها خاضعة للعبة موازين القوى بين الأحزاب السياسية والفصائل المسلّحة.

يبرز جليًّا أن "أمّ المعارك" في العراق ليست استكمال تشكيل الحكومة فحسب، لتمكينها من اتخاذ قرارات مصيرية وتطبيقها، بل إن الطامة الكبرى تكمن في معركة السلاح المتفلّت ومستقبل الفصائل المسلّحة التي اعتادت النمو على حساب الدولة المركزية ومؤسّساتها وبالتوازي معها، خصوصًا منها الفصائل الإيرانية الهوى.

يبقى أن تاريخ 30 أيلول لناظره قريب، فهل ستوافق كلّ الفصائل المسلّحة على بدء مسار تسليم سلاحها وعتادها إلى حكومة الزيدي، أم أن فصائل أساسية ستبقى على تعنّتها؟ وما سيكون موقف الزيدي تجاهها؟ وإلى حين حصر كامل السلاح بيد الدولة، سيبقى السؤال الأهمّ: من يحتكر قرار الحرب والسلم في العراق، خصوصًا في أعقاب انطلاق المسيّرات من الأراضي العراقية باتجاه خط أنابيب النفط السعودي "شرق - غرب"؟