كتبت ميشيلا رزق في موقع The Beiruter المقال الآتي:
يواجه قطاع الصيدليات في لبنان ضغوطاً مالية متزايدة، بعدما أُقفلت أكثر من 200 صيدلية لأسباب اقتصادية، فيما باتت نحو 600 صيدلية أخرى مهددة بشكل جدي بالإقفال.
وقال رئيس نقابة صيادلة لبنان الدكتور عبد الرحمن مرقباوي لـThe Beiruter: «لا يزال هناك نحو 3,700 صيدلية في مختلف أنحاء البلاد»، لكن القطاع يواجه ارتفاعاً في كلفة التشغيل، وتراجعاً في الإيرادات، وتشددًا أكبر من المورّدين في شروط الدفع، بعد سنوات على بدء الانهيار المالي الذي أصاب المهنة.
ويقدّر مرقباوي أن ما بين 30 و40 في المئة من الصيدليات مهددة على المدى القصير، وقد ترتفع هذه النسبة إلى 80 في المئة إذا استمرت الظروف الحالية.
وقال: «أكبر مشكلة نواجهها اليوم هي ارتفاع كلفة التشغيل».
لكن الصورة تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي الجنوب والمناطق الحدودية، هناك نحو 300 صيدلية مقفلة حالياً بسبب الظروف الأمنية، وليس نتيجة تعثر مالي.
رأس المال الذي اختفى مرتين
دخلت الصيدليات الأزمة المالية وهي تواجه خسارتين في آن واحد: ودائع عالقة في المصارف، ورأس مال مجمّد في مخزون الأدوية.
ومع رفع الدعم تدريجياً، واصلت الصيدليات بيع الأدوية بأسعار مدعومة، من دون أن تتمكن دائماً من تعويض المخزون بالقيمة نفسها.
وقال مرقباوي: «صيدلية كان لديها مخزون بقيمة نحو 100 ألف دولار قبل الأزمة، كان يمكن أن تجد نفسها لاحقاً مع 3 آلاف إلى 5 آلاف دولار فقط لإعادة تعبئة مخزونها».
واضطر بعض أصحاب الصيدليات إلى بيع ممتلكات لإعادة تمويل أعمالهم، فيما باع آخرون صيدلياتهم أو غادروا المهنة بالكامل.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد. فالمورّدون الذين كانوا يمنحون الصيدليات مهلاً لتسديد الفواتير اتجهوا تدريجياً إلى طلب الدفع نقداً، ما فرض على الصيدليات تمويل مخزونها الجديد مسبقاً.
وبالنسبة إلى صيدليات كانت قد خسرت أصلاً جزءاً كبيراً من رأس مالها، أصبح عليها تأمين ثمن الدواء قبل أن تتمكن حتى من بيعه.
التكاليف ارتفعت... والإيرادات لم تلحق بها
في المقابل، ارتفعت كلفة تشغيل الصيدليات بشكل حاد.
فزادت كلفة الكهرباء واشتراكات المولدات والإيجارات والرواتب، في وقت تحتاج فيه الصيدليات إلى تأمين كهرباء مستقرة لحفظ الأدوية الحساسة للحرارة ضمن شروط تخزين آمنة.
ويقدّر مرقباوي الكلفة الأساسية الشهرية لتشغيل الصيدلية بما بين 1,500 و2,000 دولار، منها نحو 500 إلى 700 دولار لكهرباء المولد وحدها.
لكن الصيدليات، بخلاف معظم القطاعات التجارية، لا تستطيع ببساطة رفع أسعار الأدوية لتعويض ارتفاع التكاليف.
فوزارة الصحة العامة تحدد الأسعار الرسمية للأدوية وتنشر لوائحها، وقد احتُسبت أحدث لوائح عام 2026 وفق مؤشر لسعر الصرف صدر في 3 أيلول. كما تحدد الوزارة آليات تسعير الأدوية المستوردة والمصنّعة محلياً، ما يحد من قدرة الصيدليات على تعديل أسعار البيع.
وهكذا يجد القطاع نفسه عالقاً بين نفقات ترتفع وفق السوق وأسعار أدوية تخضع للتنظيم.
وقال مرقباوي: «حتى أكبر صيدلية في لبنان اليوم لا يتجاوز مدخولها نحو 40 في المئة مما كان عليه عام 2019».
دواء ينتهي قبل أن يُباع
مصدر آخر للخسائر هو الأدوية التي تبقى على الرفوف حتى انتهاء صلاحيتها.
ويقول مرقباوي إن الموزعين كانوا سابقاً مسؤولين عن استعادة بعض المنتجات التي تقترب مدة صلاحيتها من الانتهاء، لكن هذه المسؤولية تحولت خلال الأزمة بشكل أكبر إلى الصيادلة.
وأضاف أن الصيدليات أصبحت تتحمل خسائر الأدوية التي تنتهي صلاحيتها قبل بيعها، ما يفرض ضغطاً إضافياً على سيولتها المالية.
وتزداد المشكلة خارج بيروت والمراكز الحضرية الكبرى، حيث يكون حجم المبيعات أقل.
وقال مرقباوي: «كلما ابتعدنا عن المدن الرئيسية، ترتفع النسبة»، في إشارة إلى نسبة الصيدليات التي تواجه ضغوطاً مالية.
كما أشار إلى دور المستوصفات في المناطق الطرفية، قائلاً إن «المستوصفات ناشطة جداً في هذه المناطق»، وهو ما يشكل عاملاً إضافياً يخفف الطلب على الصيدليات الخاصة.
وبحسب الأرقام التي ذكرها، تتركز نحو 1,000 صيدلية في المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، فيما تتوزع بقية الصيدليات في مختلف أنحاء البلاد.
وهذا التفاوت يجعل أثر الإقفال مختلفاً من منطقة إلى أخرى. ففي منطقة تجارية مزدحمة قد يجد المريض عدداً من البدائل القريبة، بينما قد يؤدي إقفال صيدلية واحدة في بلدة صغيرة إلى تراجع ملموس في الوصول إلى الدواء.
صيدليات كثيرة... وسوق لا يتسع للجميع
تظهر هنا مفارقة أساسية في القطاع: لبنان يخسر صيدليات، رغم أن مرقباوي يعتبر أن عددها يفوق أساساً حاجة السوق.
وبحسب تقديراته، يوجد في لبنان نحو ثلاثة أضعاف عدد الصيدليات التي يحتاجها، إضافة إلى نحو ضعفي عدد الصيادلة المطلوبين في السوق.
وقال: «يدخل إلى المهنة سنوياً نحو 500 صيدلي جديد، لكن فقط ما بين 100 و150 منهم يجدون عملاً في المجال».
أما البقية، فيغادر كثير منهم لبنان أو ينتقلون للعمل في قطاعات أخرى.
ويرى مرقباوي أن معالجة الأزمة تتطلب «الحد من عدد الداخلين إلى المهنة». وقال إن اقتراح قانون لمعالجة أعداد الخريجين موجود بالفعل في مجلس النواب، وإن لبنان، بالمعدلات الحالية، قد يحتاج إلى سنوات من خفض أعداد طلاب الصيدلة حتى يبدأ العرض بالاقتراب من حجم الطلب.
ولا تقتصر المنافسة على الصيدليات المرخصة نفسها، إذ تواجه أيضاً أدوية تباع خارج القنوات القانونية المخصصة لها.
وقال مرقباوي لـThe Beiruter: «يجب أن نعمل على حصر الدواء قانونياً داخل الصيدليات. نحن نجد أدوية في أماكن لا يفترض أن توجد فيها: على الإنترنت، وفي بعض العيادات، وبعض المحال».
وتشترط وزارة الصحة العامة تسجيل الأدوية، وتعتبر الاستيراد أو التوزيع غير المرخص مخالفاً للقانون.
وفي مطلع أيلول، فتح القضاء المالي تحقيقاً في قضية تهريب أدوية، شملت بحسب التقارير علاجاً للسكري والسمنة ودواءً مناعياً يستخدم في علاج بعض أنواع السرطان. وربطت التقارير نحو 30 صيدلية بالقضية، فيما خضع عدد من الصيادلة للاستجواب.
وتعقّد هذه القضية أيضاً شكاوى القطاع من المنافسة غير الشرعية، إذ إن بعض الصيدليات المرخصة نفسها يُشتبه في مشاركتها في هذا السوق.
ولا تقتصر المخاطر على الخسارة التجارية، فالأدوية الخارجة عن القنوات الرسمية تثير أسئلة حول مصدرها، وأصالتها، وظروف تخزينها، وسلامتها بالنسبة إلى المرضى.
وتزداد أهمية الرقابة في سوق يعتمد بشكل كبير على الاستيراد. فبحسب دليل السوق الدوائي في لبنان لعام 2026 الصادر عن وزارة التجارة الأميركية، يتم استيراد نحو 70 في المئة من المنتجات الدوائية المستهلكة في لبنان، مقابل نحو 30 في المئة تُصنّع محلياً.
وبلغت قيمة واردات الأدوية نحو 737 مليون دولار في 2024، ارتفاعاً من 621 مليون دولار في 2023.
وتقف الصيدليات في نهاية سلسلة طويلة تبدأ بالمصنّعين، ثم المستوردين والموزعين والجهات الرقابية، وتنتهي بالمريض.
وفي الوقت نفسه، تعمل داخل سوق محلية مكتظة بالمنافسين، فيما تستمر أدوية أخرى في التداول خارج النظام المنظم.
وبالنسبة إلى أصحاب الصيدليات، يأتي الضغط من جهتين: عدد كبير من الصيدليات المرخصة يتنافس على سوق محدودة، في مقابل سوق غير قانونية لا تلتزم بالقواعد نفسها.
من يدفع كلفة بقاء الصيدليات؟
يتطلب الحفاظ على قدرة الصيدليات على الاستمرار، بحسب مرقباوي، تعديلات على النموذج الحالي، من بينها إعادة النظر في هامش الصيدلي، وتنظيم الخدمات التي يقدمها الصيادلة داخل الصيدليات مقابل بدل مالي.
وقد طرحت النقابة هذين الملفين على وزارة الصحة العامة.
لكن أي زيادة في إيرادات الصيدليات تفتح سؤالاً أساسياً: من سيدفع الكلفة في النهاية؟
هل يتحملها المورّدون، أم شركات التأمين، أم الدولة، أم المرضى الذين تحملوا بالفعل سنوات من ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية؟
ويحذر مرقباوي من أن غياب التدخل قد يدفع القطاع إلى مزيد من الانكماش، عبر إقفالات إضافية، وخفض أعداد الموظفين، وتقليص المخزون، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف المبيعات.
وقال: «إذا لم تُتخذ خطوات لحماية هذه المهنة، فهي تتجه نحو الانهيار».
ولا يزال من الصعب تحديد حجم هذا الخطر بدقة، لكن مصادر الضغط واضحة: رأس مال مستنزف، وكلفة تشغيل مرتفعة، وشروط أكثر صرامة من المورّدين، وأسعار أدوية منظمة، وأعداد كبيرة من العاملين في المهنة، إضافة إلى منافسة الأدوية التي تباع خارج القنوات القانونية.
وبالنسبة إلى مرقباوي، لا تتوقف القضية عند قدرة أصحاب الصيدليات على الاستمرار.
وقال: «إذا انهارت مهنة الصيدلة، تنهار صحة المريض معها».