روجيه نهرا

الكفير... قرية تتكئ على جبل الشيخ وتعتز بأهلها المقيمين والمغتربين

15 دقيقة للقراءة

عند سفوح جبل الشيخ، حيث تمتد أشجار الزيتون والصنوبر والسنديان، تقف الكفير قرية جنوبية تختزن في طبيعتها وكنائسها ومقاماتها وبيوتها ذاكرة أجيال متعاقبة. قرية صنعت حضورها بأهلها، وحافظت على خصوصيتها الدينية والاجتماعية، وبقي أبناؤها، المقيمون منهم والمغتربون، على صلة وثيقة بأرضهم وبلدتهم الأم.


الموقع... "بوابة الجنوب"

تقع بلدة الكفير في قلب منطقة "وادي التيم"، وتحديدًا على السفوح الغربية لجبل الشيخ، أو جبل حرمون. وتبعد نحو 10 كيلومترات عن مركز قضاء حاصبيا، ونحو 110 إلى 125 كيلومترًا عن بيروت، فيما يتراوح ارتفاعها، بحسب اختلاف نقاط القياس في خراجها، بين نحو 850 و1000 متر عن سطح البحر.

ويمتد خراج الكفير على مساحة واسعة، من عين عطا شمالًا، إلى جبل الشيخ شرقًا، وخلوات الكفير جنوبًا، وميمس والقاطع وصولًا إلى البياضة غربًا. هذا الموقع جعل أبناءها يصفونها بـ"بوابة الجنوب"، فيما منحها قربها من جبل الشيخ واتساع خراجها وتنوع تضاريسها مشهدًا طبيعيًا مميزًا، تتداخل فيه الجبال والوديان والكروم، وأشجار الزيتون والصنوبر والسنديان والتين.


من "كفير الزيت" إلى الكفير

كان اسم البلدة يُعرف في مراحل سابقة بـ«"كفير الزيت"، في إشارة إلى كثرة أشجار الزيتون فيها، وربما لتمييزها عن قرى أخرى تحمل اسم الكفير. أما اسم «"الكفير"، فتتداول الروايات أنه آرامي الأصل، بمعنى "القرية" أو "الناحية"، وهي اللغة التي كانت متداولة في المنطقة في زمن السيد المسيح. ويبقى الزيتون جزءًا أساسيًا من هوية البلدة، حتى إن أبناءها ما زالوا يعتزون بتسمية "كفير الزيت"، نظرًا إلى شهرتها بإنتاج الزيتون وزيت الزيتون البلدي البكر الممتاز.

وإلى جانب الزيتون، تنتشر كروم العنب وأشجار التين ومحاصيل زراعية أخرى، فيما تضم البلدة ثلاث معاصر للزيتون تعمل خلال موسم القطاف. ومن هذه الهوية الزراعية انطلقت فكرة "مهرجان الزيت"، الذي يُقام سنويًا في الثامن من شهر تشرين الثاني، ويتضمن نشاطات ثقافية ورياضية ومسارات للمشي في الأحراج، إلى جانب التعريف بتاريخ الكفير وآثارها وتراثها، في محاولة لوضع البلدة على الخريطة السياحية، ليس فقط كبلدة زراعية، بل كوجهة طبيعية وتراثية أيضًا.


التعليم... مدرسة تحمل رسالة لأكثر من سبعة عقود

على الصعيد التعليمي، تضم البلدة مؤسسات تربوية عدة، منها ثانوية رسمية تأسست عام 1985 وتخدم أبناء البلدة، وتكميلية رسمية، ومدرسة دار الحكمة الخاصة. وتُعتبر مدرسة الكفير الرسمية من الصروح التربوية العريقة في المنطقة، وقد حملت منذ تأسيسها رسالة التعليم والمعرفة عبر أجيال متعاقبة. وعلى مدى عقود، لعبت المدرسة دورًا محوريًا في بناء مجتمع مثقف وواعٍ، فكانت منارة للعلم أسهمت في تخريج شخصيات بارزة في مجالات متعددة. هكذا بقيت مدرسة الكفير الرسمية، منذ أكثر من سبعة عقود، رمزًا للعراقة والالتزام التربوي، وركيزة أساسية في مسيرة التعليم والتنمية في البلدة.


أهلها أكبر من حدودها

تختلف التقديرات المتداولة حول عدد سكان الكفير والمقيمين فيها، إلا أن المؤكد أن للبلدة امتدادًا بشريًا واسعًا يتجاوز حدودها. ويبلغ عدد المسجلين على لوائح الشطب نحو ألفين وستمائة ناخب، فيما يقيم في البلدة نحو ألفي شخص خلال فصل الشتاء، ويرتفع العدد في الصيف إلى نحو ألفين وخمسمائة شخص، مع عودة عدد من أبنائها من مناطق مختلفة ومن دول الاغتراب. أما الانتشار الكفيري في الخارج، فيُقدّر بعشرات الآلاف، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والأرجنتين والبرازيل، إضافة إلى عدد من الدول العربية ودول أخرى. وقد بدأت موجات الهجرة منذ عقود طويلة، ودفعت الحروب والأحداث، ومنها أحداث عام 1860، بعض العائلات إلى مغادرة البلدة والاستقرار في مناطق لبنانية أخرى أو في الخارج. لكن الهجرة لم تعنِ بالنسبة إلى أبناء الكفير قطيعة مع الأرض؛ فالعلاقة مع البلدة بقيت حاضرة عبر الزيارات والمناسبات والمشاريع والروابط العائلية والاجتماعية.

ويفاخر أبناء الكفير بما حققه أبناؤها في لبنان والاغتراب. فمن البلدة تخرّج رجال علم وقانون وطب وهندسة وأدب، وبرز منها ضباط وعسكريون وأصحاب اختصاصات وعلوم عليا، وتولى عدد من أبنائها مراكز متقدمة في مؤسسات الدولة والشركات والمؤسسات الخاصة في لبنان والدول العربية.

وفي الاغتراب، حقق أبناء الكفير حضورًا لافتًا، فتولى بعضهم مواقع متقدمة في الإدارات والمؤسسات الحكومية والخاصة، ووصل بعضهم إلى مجلس الشيوخ في دول الاغتراب، فيما حمل آلاف منهم اسم الكفير إلى مختلف البلدان.


آثار تختزن ذاكرة المكان

لا تختصر الكفير بتاريخها الحديث، إذ تختزن في جبالها وخراجها عددًا من المواقع والمعالم التي تشير، بحسب الروايات المحلية، إلى قدم الاستيطان فيها. ومن أبرز هذه المواقع محلة "دير الراهب"، التي يُرجّح أن تكون في زمن قديم مقرًا لأحد النساك أو الرهبان. كما تضم خراجات البلدة مقامي النبي شيث والنبي شعيب، وهما من المواقع الدينية القديمة المرتبطة بالطائفة الدرزية. وبالقرب من مقام النبي شعيب، في محلة السفينة، يقع "نبع السفينة"، فيما تنتشر في جبال الكفير مغاور وكهوف طبيعية ونقوش صخرية ومدافن قديمة تحتوي على زخارف ونقوش، وتربط الروايات المحلية بعض هذه المواقع بفترات تاريخية قديمة. وتتوزع هذه المعالم في مناطق السكرة والسفينة وجبل الخان وعين البرج ومواقع أخرى في الجبال المحيطة.

وتتناقل الروايات أن بعض هذه الأماكن كانت في الماضي قرى أو تجمعات سكنية اندثرت مع مرور الزمن.

ولم يكن أبناء الكفير يعتمدون على الزراعة وحدها، إذ عُرفت البلدة في مراحل سابقة بالحياكة وتجارة الأقمشة الوطنية والحرير، إضافة إلى صياغة الذهب وتجارة الحبوب، ما جعلها جزءًا من الحركة التجارية والاقتصادية في المنطقة.

الكنيسة الأثرية: حجارة تحمل ذاكرة الإيمان

من أبرز معالم الكفير كنيسة الروم الأرثوذكس المكرّسة للقديس جاورجيوس، أو مار جرجس، وهي بناء حجري قديم يشبه في بنيته القلعة، شُيّد من الحجر الصلب، وتبلغ سماكة جدرانه نحو متر ونصف المتر.

وتتميز الكنيسة بعقودها الحجرية وبسعتها وضخامتها، حتى تبدو في حجمها وهيبتها أقرب إلى كاتدرائية صغيرة.

وفي الدار الخارجية للكنيسة، لا يزال هيكل كنيسة أخرى قائمًا، هي كنيسة القديس مار إلياس الحي. وتحيط بالموقع أشجار زيتون معمّرة، بينها أشجار ضخمة يعتز بها أبناء البلدة ويعتبرونها من أبرز أشجار الزيتون القديمة في المنطقة. ولا تقتصر الأشجار المعمرة على محيط الكنائس، بل تنتشر أشجار السنديان وغيرها عند مداخل الكفير وفي عدد من مناطقها، بجذوع ضخمة وأغصان متفرعة، تضيف إلى المشهد الطبيعي قيمة جمالية وتراثية.


الكفير والعيش المشترك

تتميز الكفير بتنوعها الديني، إذ يعيش فيها أبناء الطائفتين المسيحية والدرزية، مع حضور للروم الكاثوليك. وقد شكّل هذا التنوع، على مدى عقود طويلة، جزءًا أساسيًا من شخصية البلدة. ويحرص أبناء الكفير على التأكيد أن العلاقة بين مكوناتها لا تقوم فقط على التعايش، بل على المشاركة الاجتماعية والإنسانية. فالأفراح تجمع الجميع، وكذلك المآتم، والمناسبات الدينية تتحول إلى مناسبات للتلاقي وتبادل التهاني. وتحضر أعياد المسيحيين والدروز في الحياة الاجتماعية للبلدة، من عيد الفصح والميلاد ورأس السنة إلى الأعياد الدرزية، فيما تشهد البلدة مشاركة متبادلة في المناسبات والطقوس والعادات. وفي هذا الإطار، تحافظ الكفير على صيغة من الشراكة في إدارة الشأن العام.

فالمجلس البلدي يتألف من 12 عضوًا، ستة مسيحيين وستة دروز، كما يوجد مختاران، أحدهما مسيحي والآخر درزي. وتنسحب الشراكة على رئاسة البلدية ونائبتها وفق مبدأ المداورة، بحيث يتولى الرئاسة رئيس من إحدى الطائفتين ونائبه من الطائفة الأخرى، ثم تنتقل الرئاسة في الدورة التالية، بما يعكس حرص أبناء البلدة على التوازن والشراكة.


اغتراب لم ينسَ مسقط الرأس

ربما كان أبرز تعبير عن ارتباط أبناء الكفير ببلدتهم جمعية الإخاء الكفيري، التي نجحت في تنظيم أبناء البلدة في الاغتراب وجمع جهودهم وتوجيهها نحو خدمة مسقط الرأس. كان للمغتربين دور أساسي في تنفيذ مشاريع إنمائية وخدماتية في الكفير، ومن أبرزها تمديد شبكة الكهرباء العامة وشبكة المياه إلى البلدة عام 1952، أي قبل وصول شبكة الكهرباء إلى مركز القضاء. كما ساهم أبناء الاغتراب في إنشاء عدد من الأبنية والمرافق العامة، بينها مبنى مدرسة ابتدائية وتكميلية رسمية، ومبنى مركز بلدية الكفير، ومبنى مركز مكتب البريد والبرق، إلى جانب مشاريع أخرى. وقد أُنجزت هذه المشاريع باسم وقف الروم الأرثوذكس في الكفير، وكانت ثمرة جهود أبناء البلدة في الاغتراب، سواء عبر جمعية الإخاء الكفيري أو بمبادرات مباشرة. لكن الجمعية لم تكن إطارًا إنمائيًا فقط، بل شكّلت مساحة للحفاظ على الروابط الاجتماعية بين أبناء الكفير.

ففي الأحد الأول من أيلول من كل عام، يعقد المهاجرون وأبناء البلدة اجتماعهم السنوي الذي يستمر ثلاثة أيام، ويتخلله التعارف واللقاءات والسهرات والدبكة والرقص واستعادة جانب من تراث البلدة، إضافة إلى مناقشة شؤون الجمعية واتخاذ القرارات المتعلقة بعملها. وهكذا بقي الاغتراب امتدادًا للكفير لا انفصالًا عنها، وتحولت المشاريع التي نفذها أبناؤها في الخارج إلى شواهد مادية على علاقتهم المستمرة بأرضهم.


خصوصية كنسية تعود إلى قرون

ومن أبرز جوانب خصوصية الكفير الدينية أن وقف الروم الأرثوذكس فيها يتبع الكرسي الأنطاكي في الشام، رغم محاذاة البلدة جغرافيًا وإداريًا لمناطق حاصبيا ومرجعيون وراشيا. وبحسب الرواية المتوارثة لدى أبناء البلدة، تعود هذه الخصوصية إلى أكثر من خمسة قرون، حين قدم راهب إلى الكفير لخدمة الكنيسة، وكان يتلقى علومه الدينية في اليونان، ثم تدرج في المراتب الكنسية حتى وصل إلى سدة البطريركية. وتقول الرواية إنه، تقديرًا لأهالي الكفير وحسن معاملتهم له، أصدر قرارًا بطريركيًا قضى بفصل البلدة عن نطاق مطرانية صور وصيدا ومرجعيون وراشيا وإلحاقها بالكرسي الأنطاكي في الشام. وبقي أبناء الكفير، وفق الرواية المحلية، متمسكين بهذا الامتياز على مر السنين، رغم محاولات لإعادة البلدة إلى نطاق المطرانية. ويتعامل أبناء الكفير مع هذه الخصوصية باعتبارها أكثر من مجرد ترتيب كنسي، فهي بالنسبة إليهم إرث معنوي وديني تناقلته الأجيال، وأصبح جزءًا من هوية البلدة.

وتولى خدمة الكنيسة والرعية عدد من المعتمدين البطريركيين، بينهم المرحوم سليمان ميخائيل، ثم المعتمد البطريركي المرحوم الاكسر خوس ميخائيل أبو رزق، الذي عُيّن في 27 أيلول 1962 واستمر في مهمته حتى وفاته في 10 نيسان 1969.

ومن أيار 1969 حتى الأول من آب 1991، تولى المهمة مثلث الرحمات سيادة المطران بولس الخوري، مطران صور وصيدا ومرجعيون وتابعهما.

وبتاريخ 15 شباط 1991، عُيّن سيادة المطران إلياس نجم، رئيس دير مار إلياس شويا البطريركي ـ الشوير، معتمدًا بطريركيًا للقرية، واستمر في مهمته حتى وفاته.

وفي شهر تشرين الثاني من العام 2011، تولى سدة المسؤولية الأسقف قسطنطين يعقوب كيال، وهو أسقف بطريركي يتبع مباشرة لدار بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس برئاسة البطريرك يوحنا العاشر يازجي.


مسيرة بدأت عام 1956

تأسست بلدية الكفير عام 1956، وتعاقب على رئاستها عدد من أبناء البلدة. وترأس البلدية الأولى المرحوم الدكتور شحادة قنتيس لمدة ست سنوات، من العام 1956 ولغاية العام 1962. أما البلدية الثانية، فترأسها المرحوم إيليا أبو جمرة لغاية وفاته، ومن بعده استلمها الشيخ عز الدين الحلبي حتى إجراء الانتخابات عام 1998.

وفي البلدية الثالثة، تولى الرئاسة فارس كساب لمدة ثلاث سنوات، ثم خلفه وديع أبو رزق للمدة نفسها، وذلك من العام 1998 ولغاية العام 2004. أما البلدية الرابعة، فترأسها ميشال عبود من العام 2004 ولغاية العام 2010. وفي البلدية الخامسة، تولى صالح نوفل رئاستها لمدة ثلاث سنوات، ثم خلفه سمعان أبو رزق للمدة نفسها، من العام 2010 ولغاية العام 2016. وفي البلدية السادسة، تولى إسماعيل صقر الرئاسة ثلاث سنوات، ثم خلفه وليد أبو نصار لمدة ست سنوات، من العام 2016 ولغاية شهر أيار من العام 2025. أما البلدية السابعة والحالية، فقد انتُخبت في شهر أيار من العام 2025، ويترأسها وليد أبو رزق.

وشكّل تعاقب المجالس البلدية جزءًا من المسيرة الإدارية والإنمائية للبلدة، التي تواصل اليوم العمل على ملفات الخدمات والبنى التحتية والمياه والبيئة والطاقة.


مشاريع من المياه إلى الطاقة الشمسية

اطلعت "نداء الوطن" على وضع البلدة والبلدية خلال حوارها مع نائب رئيس البلدية صقر صقر، الذي دعا الدولة إلى دعم البلدات والبلديات لكي تقوم بواجباتها تجاه أبنائها. وعن مشاريع البلدية، قال صقر إن هناك "مشاريع حيوية من المياه إلى الطاقة الشمسية". وفي السنوات الأخيرة، ركزت البلدية على عدد من المشاريع المرتبطة مباشرة بحياة الأهالي. وتُعد المياه إحدى نقاط القوة في الكفير، إذ تمتلك البلدة بئرًا غنية بالمياه، وقد نجحت البلدية في استثمارها عبر مشروع الضخ بالطاقة الشمسية، ما جعل ملف المياه من نقاط القوة الأساسية في البلدة. فالمياه تصل إلى المنازل، وقد ساهم المشروع في الحد من الحاجة إلى شراء المياه، خصوصًا في أشهر الصيف، عندما ترتفع الحاجة إليها.

ومن أبرز المشاريع مشروع الطاقة الشمسية لبئر المياه، حيث رفعت البلدية عدد الألواح إلى نحو 400 لوح، ما أتاح تشغيل مضخات المياه بالطاقة الشمسية، ولا سيما خلال فصل الصيف، وتأمين المياه للمنازل بصورة أكثر استقرارًا. ويُعد هذا المشروع من المشاريع الحيوية للكفير، نظرًا إلى أهمية المياه خلال فصل الصيف، فيما ساهم الاعتماد على الطاقة الشمسية في تخفيف كلفة التشغيل وتأمين استمرارية الضخ.


مشاريع البلدية والخدمات

تعمل البلدية كذلك على إنجاز مركز لفرز النفايات، وقد وصل المشروع إلى مراحله النهائية، إلى جانب أعمال لإنارة الشوارع بمبادرة من السيدة ليلى الصلح حمادة من خلال مؤسسة الوليد بن طلال. وفي المجال البيئي، أنشأت البلدية غابة "موبر"، فيما تواصل العمل على دعم الطرق الزراعية وتأهيلها، بالتنسيق مع الوزارات والإدارات المعنية. أما في ملف الصرف الصحي، فقد حققت البلدة تقدمًا، مع استمرار الحاجة إلى استكمال بعض الأعمال وإعادة تأهيل أجزاء من الشبكة. وفي ظل مشكلة الكهرباء العامة، اتجه عدد كبير من أبناء الكفير إلى الطاقة البديلة، عبر تركيب أنظمة الطاقة الشمسية في المنازل.

ويؤكد نائب رئيس البلدية أن التمويل يبقى أحد أبرز التحديات أمام العمل البلدي، في ظل اتساع حاجات البلدة وتراجع الموارد المالية، ما يجعل تنفيذ المشاريع مرتبطًا إلى حد كبير بتوافر الدعم والإمكانات.

وهذه المشاريع، إلى جانب مشاريع الطاقة والنفايات والإنارة والطرق الزراعية، تشكل جزءًا من محاولة البلدية تطوير الخدمات الأساسية وتحسين ظروف الحياة اليومية للأهالي.


الرياضة والنشاطات الاجتماعية والثقافية

ويشير صقر إلى أن البلدية تحرص على إيلاء الشأن الرياضي اهتمامًا متزايدًا، انطلاقًا من أهمية الرياضة في حياة أبناء البلدة، ولا سيما فئة الشباب والناشئة. وفي هذا الإطار، أنشأت البلدية أكاديمية رياضية للأولاد، يشرف عليها مدربون متخصصون يتولّون تدريبهم ومتابعتهم وفق أسس رياضية سليمة. وتواكب البلدية عمل الأكاديمية من خلال تأمين الملعب وصيانته وتغطية المصاريف المرتبطة بالنشاط الرياضي، بما يتيح للأولاد ممارسة الرياضة في بيئة مناسبة وآمنة. كما تحرص البلدية على متابعة مختلف النشاطات الرياضية والثقافية والاجتماعية التي تقام في البلدة، والعمل على دعمها وتشجيعها، بما يعزز الحياة العامة ويقوّي التواصل بين أبناء المجتمع المحلي.


مهرجان الزيت: من الزراعة إلى السياحة

ومن "كفير الزيت" إلى "بوابة الجنوب"، ومن الزيتون إلى جبل الشيخ، ومن الكنيسة الأثرية إلى جمعية الإخاء الكفيري، ومن المشاريع البلدية إلى المهرجان الزراعي والسياحي، تواصل الكفير كتابة فصل جديد من تاريخها، مستندة إلى أهلها وإلى إرثها، ومتطلعة إلى أن يبقى أبناؤها، أينما كانوا، شركاء في مستقبلها. كما يقول أبناؤها، ليست مجرد بلدة يسكنون فيها، بل بيت وذاكرة وانتماء؛ تبدأ حكايتها من الأرض، وتمتد مع أهلها إلى أقصى بلدان الاغتراب، وتبقى المحبة والتآلف والعيش المشترك عنوانها الأبرز.


قرية تتطلع إلى المستقبل من جذور راسخة

بين الزيتون وجبل الشيخ، وبين الكنائس والمقامات، وبين ذاكرة المهاجرين وحضور المقيمين، تبدو الكفير أكثر من مجرد قرية جنوبية. إنها حكاية أهل حافظوا على أرضهم، وأبناء انتشروا في العالم من دون أن يقطعوا صلتهم بمسقط الرأس، وكنائس ومقامات وشواهد تختزن تاريخًا طويلًا، وعلاقات اجتماعية قامت على المشاركة والتآخي.

هي قرية المسيحيين والدروز الذين حافظوا على عيشهم المشترك، وبلدة تعتز بمغتربيها كما تعتز بمقيميها، وتعتبر نجاح أبنائها في لبنان والعالم جزءًا من نجاح الكفير نفسها.

ومن جذورها الراسخة، تواصل الكفير النظر إلى المستقبل، حاملةً تاريخها الزراعي والديني والاجتماعي، ومتمسكةً بأرضها وأهلها، في الداخل والاغتراب، لتبقى البلدة التي تتكئ على جبل الشيخ، وتعتز بأبنائها أينما كانوا.