في آذار 2024، نقلت إحدى الصحف المحلية عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، في معرض حديثه مع المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين، قوله مازحاً إن نقل مجرى نهر الليطاني أسهل بكثير من إبعاد قوات «الرضوان» عن الحدود الجنوبية.
كانت يومها نكتة سياسية معبرة عن معتقدات تلك المرحلة. اليوم وبعد أن سقطت الاوهام التي صورتها الدعاية تحولت مقولة الرئيس بري الى كابوس يختصر مأساة الجنوب وأهله.
فالليطاني لم يتحرك من مجراه. أما أهل الجنوب، فنزحوا عن بيوتهم، وتركوا أرضهم فريسة للنار والدمار. وفي المقابل، تحوّل السلاح الذي صورته الدعاية انه «درع حماية الجنوب» إلى ذريعة إسرائيلية لتوسيع دائرة الاستهداف والتهجير، حتى باتت القرى الحدودية تدفع ثمن معادلة قيل طويلاً إنها وُجدت لحمايتها.
وهنا تنقلب المفارقة إلى سؤال لا يمكن القفز فوقه: كيف تحوّل أصحاب شعار «نحمي ونبني» من عنوان للحماية وتوازن الرعب عند فئة من اللبنانيين إلى عنوان يرتبط في الوعي العام بالتهجير والدمار؟
لسنوات، بنت الدعاية الاعلامية التابعة للممانعة وبمباركة رسمية، صورة حزب الله على أساس قوة عسكرية استثنائية يصعب تجاوزها: مواقع محصنة، أنفاق، قدرات صاروخية، انتشار ميداني، وخطاب ردع لا يعرف التراجع، بدءاً من خطابات السيد حسن نصرالله وشعار «سجل المئة ألف صاروخ والمئة ألف مقاتل»، وصولاً إلى الشيخ نعيم قاسم وشعار «لاقونا». لكن الحرب لا تختبر الصورة النظرية التي ترسمتها الدعاية السياسية في الخطابات، بل تختبر حقيقة هذه القوة عندما يبدأ القتال. وكان الميدان هذه المرة أكثر قسوة من الدعاية.
مواقع استراتيجية في بنت جبيل والخيام واساطير أنفاق علي الطاهر وغيرها لم تمنع تقدم العدو، وقدرات عسكرية صُوّرت في الدعاية على أنها لا تُقهر، تقهقرت ولم تستطع أن تحمي القرى والبيوت والبساتين، فيما بدأت تحصينات قُدّمت بوصفها خزائن تحت الجبال تتهاوى أمام هول الواقع، وتكشفت الأنفاق واحداً تلو الآخر. وما قيل إنه حصون تحت الأرض بدا، عند الاختبار، أقرب إلى أوهام قوة لا تستطيع حماية ما هو فوق الأرض.
أما النتيجة، فكانت واضحة: الناس الذين اعتقدوا أن «السلاح» يحميهم وجدوا أنفسهم مهجّرين ونازحين إلى مناطق بعيدة، والقرى التي قيل إن السلاح يحميها تحولت إلى أكوام من الركام والنار. وهكذا انقلب شعار «نحمي ونبني» على أصحابه: حماية كانت سبباً مباشراً للتهجير، وبناء وهمياً قاد إلى الدمار.
في آذار 2024، كان الحديث عن إبعاد «الرضوان» خلف الليطاني. واليوم، لا يزال الليطاني في مكانه. الذين نزحوا هم أهل الجنوب. فماذا بقي من معادلة «حماية الجنوب» غير أرض محروقة، وقرى مدمّرة، وبيوت خالية حتى من أحلام أهلها؟
أيّ حماية تلك التي تحرق الأرض، وتدمر البيوت، وترحّل الناس؟