عندما أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب ضدّ إيران في 28 شباط الماضي، شمل خطاب إعلان بدء العمليات العسكرية دعوته الشعب الإيراني إلى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية بعد انتهاء المعارك. للأسف، لم يتحقّق ذلك حتى الآن، إذ لم يواجه النظام أي تحدّ داخلي جدّي لسطوته على البلاد منذ بدء المواجهة، رغم الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي ترزح تحتها إيران من جرّاء الحرب والحصار البحري والعقوبات. المشكلة التي حالت دون خروج تظاهرات جديدة لا تكمن في عدم وجود تيارات سياسية إيرانية وازنة تأمل في إسقاط النظام، بل تتمثّل في استعداد الملالي الدائم لاستخدام الإرهاب والقوّة العسكرية ضدّ المعارضين بشكل بربري من دون أي رادع بهدف حماية النظام. وطالما لا تمتلك المعارضة قوّة عسكرية تستطيع خلق حدّ أدنى من التوازن مع قوّة النظام، لا يُمكن لومها على امتناعها عن إطلاق انتفاضة شعبية جديدة، لأنّ النتائج المتوقّعة من المرجّح أن تكون مماثلة لنتائج الانتفاضات السابقة: فاتورة دمّ باهظة من دون أي تقدّم عملي على مستوى تحرير البلاد من سرطان الجمهورية الإسلامية.
أحيى الإيرانيون الأحرار أمس الذكرى السنوية الرابعة لمقتل الشابة الكردية مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق" بسبب عدم ارتدائها الحجاب. لم يكن مصير أميني المأسوي استثناءً أو حادثة عرضية، بل كان نتيجة طبيعية لأيديولوجيا الجمهورية الإسلامية التي تكره الحرّيات الفردية وتخشاها، خصوصًا تلك المتعلّقة بالنساء، وتبرّر استخدام العنف ضدّ من تراهم مخلّين بأحكام تفسيرها الأصولي للشريعة الإسلامية. انطلاقًا من ذلك، أطلق مقتل أميني ثورة شعبية عُرفت بـ "المرأة، الحياة، الحرّية"، خرج خلالها الإيرانيون الأحرار، ولا سيّما النساء منهم، بتظاهرات حاشدة في أنحاء البلاد تطالب بإنهاء الديكتاتورية الظلامية. غير أن النظام سحق الثورة بالقوّة العسكرية والإرهاب، كما قمع الانتفاضات السابقة وثورة بداية هذا العام.
اتّضح مدى بربرية الجرائم التي ارتكبها النظام بحق شعبه عام 2022 في تقرير طويل ومفصّل نشرته "منظمة العفو الدولية" أمس، اتهمت فيه الملالي بارتكاب "جرائم ضدّ الإنسانية" خلال تلك الفترة، شملت عمليات قتل وتعذيب واغتصاب وحالات إخفاء قسري، مؤكدة أن قمع الثورة التي اندلعت في كانون الأوّل الماضي اتّبع النمط ذاته، لكن بحجم "أكثر دموية وفظاعة". وفي التقرير الذي يقع في أكثر من 1000 صفحة، حمّلت المنظمة 87 مسؤولًا إيرانيًا المسؤولية عن عمليات القمع عام 2022، كما حدّدت هوية ما لا يقلّ عن 377 قتيلًا، بينما من المرجّح أن يكون الرقم الفعلي أعلى بكثير. وشملت لائحة المسؤولين الإيرانيين عن قمع ثورة 2022 شخصيات قُتلت خلال الحرب الأخيرة، مثل المرشد الراحل علي خامنئي والعديد من كبار قادة "الحرس الثوري"، غير أن آخرين، من بينهم أحمد وحيدي، وزير الداخلية عام 2022 والقائد الحالي لـ"الحرس"، لا يزالون على قيد الحياة.
وأفادت تحقيقات "العفو الدولية" بأن هناك جهازين أساسيين من قوات الأمن، وهما "الحرس الثوري" وقوات الشرطة "فراجا"، قادا عمليات التفريق الدموية للاحتجاجات عام 2022، تنفيذًا لسياسة الدولة التي وضعها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ومجلس أمن الدولة، والمجالس الأمنية على مستوى المحافظات والمقاطعات. وتكشف التصريحات والبيانات الرسمية، والوثائق المسرّبة، سياسة الدولة المنعكسة في الاجتماعات الاستراتيجية، والأوامر الملزمة، وخطط الانتشار، وتخصيص الأموال والأسلحة، والتعليمات بالردّ "بشكل حازم وشديد". وتُبيّن وثيقة مسرّبة صدور أمر إلى القوّات يدعوها إلى "الردّ بلا رحمة، حتى لو أدّى الأمر إلى القتل".
وكشف تقرير "العفو الدولية" أن المحتجّين من أقليّتي الكرد والبلوش المضطهدتين في إيران تكبّدوا نصيبًا مروّعًا من القمع الدموي عام 2022. وخلصت المنظمة إلى أن أعمال القتل والتعذيب ارتُكبت بحق المحتجّين الكرد والبلوش بقصد ينطوي على التمييز، استنادًا إلى أسباب سياسية وإثنية، وأن أركان الجريمة ضدّ الإنسانية المتمثّلة في الاضطهاد متوافرة بالنسبة إلى هذه الجماعات المُستهدفة. وحضّت "العفو الدولية" على دعوة مجلس الأمن إلى إحالة الوضع في إيران إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية. كما حضّت سلطات النيابة في مختلف أنحاء العالم على البدء في إجراء تحقيقات، بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية أو أي أشكال أخرى من الولاية القضائية خارج الحدود الوطنية، بحقّ المسؤولين عن ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية في إيران.
في الغضون، قال ولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي: "قبل أربع سنوات، قتلت الجمهورية الإسلامية مهسا أميني. ظنّت أن موتها سيُرهب شعبًا ويدفعه إلى الصمت. لكن إيران انتفضت"، مشدّدًا على أن مهسا "أصبحت رمزًا لشيء أكبر: شعب يعيد اكتشاف قوّته المشتركة". وأكد أن ثورة "المرأة، الحياة، الحرّية" شكّلت فصلًا مفصليًا في نضال بُني عبر سنوات من الشجاعة والتضحيات.