المقدمة
لا نعرف اللحظة التي يبدأ فيها التغيير؛ لا نستيقظ ذات صباح فنسمع طفولتنا تغادر، ولا ننتبه إلى اليوم الذي تصبح فيه أصوات أهلنا أكثر تعبًا، أو إلى الساعة التي نتوقف فيها عن الإمساك بأيدي أبنائنا لنعبر بهم الطريق.
تحدث الأشياء بهدوء؛ يكبر الصغار، تتعب خُطى الكبار، تتبدّل الوجوه، وتظهر شعرةٌ بيضاء لم تستأذننا في الحضور؛ نواصل أيامنا كأن شيئًا لم يتغيّر، إلى أن تفاجئنا المرآة بصورةٍ نعرفها جيدًا، ولا نعرف متى أصبحت لنا.
الغريب أننا كنّا حاضرين طوال الوقت؛ عشنا كل يوم، وعبرنا كل ساعة، ومع ذلك لا نعرف كيف حدث كل هذا التغيير من دون أن نراه.
ما هذا العابر الذي لا نستطيع الإمساك به، ولا نستطيع الخروج من طريقه؟ وهل يأخذ منّا فقط، أم أنه يترك فينا أيضًا ما لم نكن قادرين على امتلاكه في البدايات؟
ربما لا تبدأ حكايتنا مع الزمن عندما نشعر أنه يمضي، بل عندما نكتشف أنه كان، طوال الوقت، يمرّ من خلالنا.
المسافة الخفيّة
نستعمل كلمتَي الوقت والزمن كأنهما عنوانان لشيءٍ واحد؛ نقول إن الوقت مرّ، وإن الزمن مضى، ولا نتوقف كثيرًا عند المسافة الخفية بينهما؛ هذه المسافة بالذات هي التي ستقود رحلتنا.
الوقت هو ما نستطيع تحديده داخل حياتنا؛ موعدٌ يبدأ، ومهلةٌ تنتهي، وساعةٌ نقسّمها، ويومٌ نملؤه أو نهدره؛ نستطيع أن نصل في الوقت، أو نتأخر عنه، وأن نمنحه لعملٍ أو لإنسان، وأن ننظر إلى الساعة فنعرف كم بقي منه.
أما الزمن فلا يظهر على عقارب الساعة؛ الساعة تستطيع أن تخبرنا أن عشرين عامًا مرّت، لكنها لا تستطيع أن تقول ماذا صنعت هذه الأعوام في وجوهنا وأجسادنا وأرواحنا، ولا لماذا عبرت سريعًا في حياة إنسان، وبدت ثقيلةً في حياة آخر.
الوقت محدود داخل الزمن؛ نقتطع منه دقائق وساعات وأيامًا كي نستطيع تنظيم حياتنا، كما نرسم خطوطًا على البحر لنعرف أين نحن، من دون أن تصبح تلك الخطوط جزءًا من البحر.
نستطيع أن نقيس الوقت، لكننا لا نستطيع أن نحيط بالزمن؛ فالوقت مقدارٌ نعدّه، أمّا الزمن فعبورٌ نعيشه.
ساعة القلب
يتعامل الوقت مع الدقائق كأنها متساوية؛ تمنح كل واحدةٍ منها ستين ثانية، ثم تمضي إلى التي تليها من دون أن تميّز بين لحظةٍ وأخرى؛ لكن الإنسان لا يعيشها بهذه المساواة.
دقيقةٌ أمام باب غرفة العمليات ليست كدقيقةٍ في حضن مَن نحب؛ وساعةٌ ينتظر فيها الإنسان خبرًا قد تبدو أطول من يوم، فيما تمرّ أمسيةٌ من الفرح كأنها لم تبدأ؛ الوقت في الحالتين واحد، لكن الزمن الذي عشناه داخله مختلف.
لهذا ميّز هنري برغسون (Henri Bergson) بين الوقت الذي تقيسه الساعة، والمدة التي يختبرها الوعي.
الزمن الذي نعيشه في داخلنا لا يتكوّن من وحداتٍ متطابقة مصطفّة بعضها بعد بعض، بل من حالاتٍ تتداخل فيها مشاعرنا وتغيّر إحساسنا بالمرور.
لا تكذب الساعة حين تقول إن ستين دقيقةً مضت؛ لكنها لا تعرف إن كنّا خلالها نحب، أو نتألم، أو ننتظر، أو نضيع؛ إنها تقيس طول الوقت، لا ثقله؛ تحصي اللحظات، لكنها لا تستطيع أن تزن ما وضعته الحياة فيها.
فالوقت يتساوى في حساب الدقائق، لكنه لا يتساوى في القلوب.
أمس، اليوم، غدًا
نقسّم الوقت إلى ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، كأننا نضع علاماتٍ واضحة على طريق الزمن؛ لكن الزمن نفسه لا يتوقف عند هذه الحدود، ولا ينتقل بينها كما تنتقل عقارب الساعة من رقمٍ إلى آخر.
ما عبرناه نسمّيه ماضيًا، وما نعيشه نسمّيه حاضرًا، وما لم يصل إلينا بعد نسمّيه مستقبلًا؛ إنها أسماءٌ نحتاج إليها كي نعرف موقعنا من العبور، لا أقسامٌ يقيم الزمن داخلها.
وقد وقف القديس أوغسطينوس (Saint Augustine) أمام هذه الحيرة: الماضي لم يعد موجودًا، والمستقبل لم يأتِ بعد، أمّا الحاضر فما إن نحاول الإمساك به حتى يكون قد بدأ بالانقضاء. ومع ذلك، لا نعيش خارج هذه الثلاثة؛ فنحن دائمًا بين شيءٍ غادر، وشيءٍ يحدث، وشيءٍ ننتظره.
ربما لهذا يصعب علينا أن نعيش اللحظة؛ فما إن تصل حتى نقارنها بما مضى أو نحملها إلى ما سيأتي، فنعبر الحاضر من دون أن نمنحه حضورنا كاملًا.
أمّا الزمن فلا يعرف الأمس واليوم والغد؛ نحن الذين نمنح مروره أسماءً كي نستطيع العيش داخله.
خلف العمر
يخبرنا الوقت أننا تقدّمنا في العمر؛ نرى عدده في السنوات، وأثره في شعرٍ غزاه الشيب، ووجهٍ خطّته التجاعيد، وخطوةٍ لم تعد بالسرعة نفسها؛ لكن الزمن يكشف شيئًا أكثر غرابة: أن الإنسان لا يشيخ كلّه بالوتيرة ذاتها.
قد يشيب الشعر، فيما تبقى الروح قادرةً على الفرح كأنها في بداياتها؛ وقد تذبل العينان، لكنهما تبرقان كلما رأتا وجهًا تحبّانه؛ وقد تتعب الخطوة، فيما يبقى القلب مستعدًا للركض نحو مَن ينتظره؛ يكبر الجسد وفق توقيتٍ لا يستطيع الإفلات منه، لكن في داخل الإنسان شيءٌ لا يُقاس بالعدد.
وقد يحدث العكس؛ يكون الجسد شابًا، فيما تكون الروح قد فقدت دهشتها، والعينان لم تتجعّدا بعد، لكنهما لم تعودا تريان جمالًا يستحق التوقف؛ فليست الشيخوخة دائمًا ما يفعله الوقت بأجسادنا؛ قد تكون أيضًا ما نسمح للحياة بأن تفعله في أرواحنا.
هنا يظهر أحد أعمق صراعات الإنسان مع الزمن: المادة تحمل آثار مروره، فيما تحاول الروح أن تحفظ ما لا تريد له أن يذبل؛ الفضول، والفرح، والحب، والشغف، والقدرة على البدء من جديد.
لا نستطيع أن نمنع أجسادنا من التقدّم في العمر، لكننا نستطيع أن نسأل أنفسنا عمّا تقدّم معها: هل نضجت أرواحنا، أم تعبت وشابت فقط؟ هل أصبحنا أعمق، أم صرنا أقدم؟
قد يشيخ فينا ما يراه الناس، ويبقى شابًا ما لا يراه أحد.
صراعٌ محسوم
منذ أن وعى الإنسان أن عمره محدود، بدأ صراعه مع الزمن؛ حاول أن يقيسه ليضبطه، وأن يملأه كي لا يضيّعه، وأن يؤخّر أثره في جسده، وأن ينجز في سنواته ما يجعله يشعر بأنه لم يعبرها عبثًا.
حتى اللغة تكشف هذا الصراع؛ نقول إننا نربح الوقت، ونوفّره، ونقتله، ونطارده، ونخسره، كأنه شيءٌ نملكه ونتصرّف به. لكننا، في الحقيقة، لا نملك سوى نصيبٍ محدود منه؛ وما إن نقول إننا أمسكنا بلحظة حتى تكون قد أفلتت.
يصارع الإنسان الزمن مستخدمًا الوقت نفسه؛ يسرع في العمل ليكسب ساعة، ويختصر الطريق ليوفّر دقائق، ويملأ يومه بالمهمات كي يشعر بأنه تقدّم؛ ومع ذلك، قد يصل إلى نهاية يومٍ مزدحم وقد أنجز كل شيء، دون أن يكون قد عاش يومه.
ليست المشكلة في السرعة ولا في الإنجاز؛ بل في أن تتحول الحياة إلى سباقٍ لا نعرف خط نهايته، وأن نقضي أعمارنا نحاول الوصول قبل الزمن إلى مكانٍ سيصل إليه معنا مهما أسرعنا.
الزمن لا يتعب من المطاردة، ولا يتأخر عن موعده، ولا يحتاج إلى أن ينتصر علينا؛ يكفيه أن يمرّ؛ فالزمن في صراعه مع الإنسان منتصرٌ حتمًا لأنه لا يتوقف؛ لكن انتصاره لا يعني أن هزيمة الإنسان حتمية.
الوقت أمانة
التزامنا بالوقت لا يهزم الزمن، وعدم التزامنا به لا يؤخّره؛ فمن يصل باكرًا لا يسبق الزمن، ومن يتأخر لا يجعله ينتظر؛ فالزمن يمرّ في الحالتين غير عابئٍ بمواعيدنا.
لكن احترام الوقت يبقى قيمةً إنسانية، لا لأن الدقة تمنحنا سلطةً على الزمن، بل لأنها تعبّر عن علاقتنا بالآخر؛ فعندما يمنحنا إنسانٌ ساعةً من يومه، لا يعطينا رقمًا على عقارب الساعة؛ يعطينا جزءًا محددًا من حياته لن يعود إليه.
أن أصل في موعدي يعني أنني أعترف بأن وقت الآخر لا يقل قيمةً عن وقتي، وأن انتظاره ليس فراغًا أستطيع أن أملأه بتأخري؛ أما حين أتركه ينتظر بلا ضرورة أو اعتذار، فأنا لا أخالف موعدًا فقط؛ آخذ من عمره شيئًا لا أستطيع أن أعيده إليه.
وقد نظن أن الإنسان المهم هو الذي يجعل الآخرين ينتظرون، كأن قدرته على امتلاك أوقاتهم دليلٌ على مكانته؛ لكن احترام النفس يبدأ حين نرفض أن نعامل حياة الآخر كأنها أقل شأنًا من حياتنا.
الساعة تنظّم علاقتنا بعضنا ببعض، لكنها لا تمنحنا سلطةً على الزمن؛ ومن يحترم الوقت لا ينتصر على الزمن، بل يحترم الإنسان الذي يعبره معه.
رصيد الأيام
كتب سينيكا (Seneca) عن قِصَر الحياة، لكنه لم يرَ المشكلة في أن العمر قليلٌ دائمًا؛ بل في أن جزءًا كبيرًا منه يضيع قبل أن ننتبه إلى أننا كنّا ننفقه. فالإنسان شديد الحرص على ماله، لكنه قد يوزّع ساعاته على ما لا يحب، ويمنح سنواته لما لا يؤمن به، كأن العمر هو الشيء الوحيد الذي لا ينفد.
نقول إننا لا نملك وقتًا للذين نحبهم، ولا لأنفسنا، ولا لشيءٍ يمنح حياتنا معنى؛ ثم نكتشف أننا امتلكنا أوقاتًا طويلة لأشياء لم تكن تستحق؛ ليست حياتنا فارغةً من الساعات، بل ممتلئة بما يسرقها.
وقد يكون اليوم مزدحمًا من بدايته إلى نهايته، ومع ذلك يمرّ من دون أن يترك فينا حياة؛ فالانشغال لا يعني الحضور، وكثرة ما نفعله لا تعني بالضرورة أننا نعيش أكثر؛ قد ننجز الكثير في الوقت، فيما يمرّ الزمن من دون أن يصنع فينا شيئًا؛ لا نضيّع العمر فقط حين لا نفعل شيئًا؛ قد نضيّعه أيضًا حين نفعل كل شيء إلا ما يستحق أن نحيا من أجله.
ليست مأساة الإنسان أن وقته محدود، بل أن يكتشف متأخرًا أنه أنفق المحدود كما لو كان لا ينتهي.
مع النهر
نتحدث عن الزمن كأنه طريقٌ نسير عليه، أو نهرٌ نقف على ضفته ونراقبه يمرّ؛ لكننا لا نعيش خارج الزمن كي نستطيع النظر إليه من بعيد؛ نحن جزءٌ من جريانه، نتغيّر معه، ونحمله في أجسادنا ووعينا وكل ما نصبحه.
عبّر خورخي لويس بورخيس (Jorge Luis Borges) عن هذه العلاقة بصورةٍ مدهشة؛ رأى الزمن نهرًا يجرفه، لكنه أدرك أنه هو أيضًا ذلك النهر. فالإنسان ليس مسافرًا ثابتًا يعبر زمنًا متحركًا؛ المسافر نفسه يتغيّر مع كل خطوة، ولا يصل إلى نهاية الطريق بالشخص الذي بدأه.
لهذا لا نستطيع فصل ما نحن عليه عن الزمن الذي نعيشه؛ ليست السنوات غلافًا خارجيًا يحيط بحياتنا، بل مادةً دخلت في تكويننا؛ ما نسمّيه نضجًا أو خبرةً أو تعبًا أو حكمة ليس شيئًا حدث خارجنا، بل صورة الزمن في جرياننا معه.
ولعل خوفنا منه يأتي من وهم أننا شيءٌ ثابت وهو القوة التي تهدّد ثباتنا؛ بينما الحقيقة أننا لم نكن يومًا مكتملين ثم جاء الزمن ليغيّرنا. نحن كائناتٌ لا تتوقف عن التكوّن، والزمن ليس ما يحدث لنا بعد أن نوجد؛ إنه أحد الشروط التي نصبح بها مَن نحن.
لسنا واقفين أمام نهر الزمن؛ نحن الماء الذي يمضي، والضفة التي تتبدّل، والعابر الذي لا يصل كما بدأ.
نضج اللحظة
لا تكفي معرفة كم مضى من الوقت؛ فهناك أشياء لا تُقاس بمدتها وحدها، بل باللحظة التي تحدث فيها؛ كلمةٌ صحيحة تُقال بعد فوات أوانها قد لا تصلح ما انكسر، وقرارٌ جيد يُتخذ قبل أن ينضج قد يتحول إلى خطأ.
ميّز الفكر اليوناني بين كرونوس (Chronos)، أي الوقت المتتابع الذي يمكن عدّه، وكايروس (Kairos)، أي اللحظة المناسبة التي يكتمل فيها معنى الفعل؛ فليست قيمة اللحظة في طولها، بل في استعدادنا لما تطلبه منّا.
نريد أحيانًا أن نختصر نضج الأشياء؛ نستعجل حبًّا لم يُختبر، ونجاحًا لم تتكوّن أسبابه، وشفاءً لم يأخذ الجرح حقه، ونستعجل الوصول قبل أن نكون قد تعلّمنا الطريق؛ لكن بعض الأبواب لا يفتحها الإلحاح، بل النضج؛ وبعض الثمار لا تفسد لأنها تأخرت، بل لأنها قُطفت قبل أوانها.
ولا يعني ذلك أن نجعل الانتظار عذرًا للخوف أو التأجيل؛ فكما أن للأشياء أوانًا لا يمكن استعجاله، هناك لحظاتٌ تضيع لأننا لم نملك شجاعة الدخول فيها؛ والحكمة ليست أن ننتظر دائمًا، بل أن نعرف متى نصبر ومتى نتحرك.
الوقت يسأل: كم انتظرنا وأين تأخرنا؟ أمّا الزمن فيسأل: هل نحن مستعدّون عندما يحين الأوان؟
مقدار الحياة
تأمل جبران خليل جبران في نزعة الإنسان إلى قياس الزمن الذي لا يُحاط به؛ فنحن نضع الساعات والتقاويم كي ننظّم حياتنا، ثم نكاد نصدّق أن ما لا يدخل في أرقامها لا وجود له.
نقيس عمر العلاقة بعدد سنواتها، والعمل بعدد الساعات التي أمضيناها فيه، والحياة بعدد الأيام التي عشناها؛ لكن المدّة وحدها لا تكشف قيمة ما عشناه ولا معناه؛ قد تمرّ سنواتٌ بين إنسانين من دون أن يلتقيا حقًا، وقد تصنع لحظة صدقٍ بينهما ما لم تصنعه أعوامٌ من التجاور. ليست كل حياةٍ طويلةٍ ممتلئة، ولا كل حياةٍ قصيرة ناقصة؛ فالزمن يمنح الحياة امتدادها، لكن الإنسان هو الذي يمنحها كثافتها. وما يجعل يومًا واحدًا أثقل في المعنى من سنة ليس عدد ساعاته، بل مقدار ما حضرنا فيه وما منحناه من أنفسنا.
نحتاج إلى الساعة كي نعرف متى نبدأ ومتى ننتهي، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا إن كان ما بين البداية والنهاية يستحق أن يُعاش.
يمكننا أن نعدّ أيام الحياة، لكننا لا نستطيع بالأرقام وحدها أن نعرف مقدار الحياة في أيامنا.
غدٌ لا يأتي
يعيش كثيرون كما لو أن حياتهم الحقيقية ستبدأ لاحقًا؛ بعد أن ينتهوا من العمل، أو تتحسن الظروف، أو يكبر الأبناء، أو يملكون ما يكفي، أو تزول المخاوف؛ يتحول الحاضر إلى ممرٍّ طويل نحو مستقبلٍ نعلّق عليه حقنا في أن نعيش.
فنقول: عندما يأتي الوقت المناسب سنرتاح، ونحب، ونعتذر، ونزور مَن اشتقنا إليهم، ونفعل ما يشبهنا؛ لكن الوقت المناسب لا يصل دائمًا بالصورة التي تخيّلناها؛ وقد نبلغ ما انتظرناه، فنجد أننا حملنا إليه التعب نفسه، وأن الحياة التي أجّلناها لم تكن تنتظرنا هناك؛ كانت تحدث ونحن ننتظرها.
لا يعني عيش الحاضر أن نهمل المستقبل أو نتوقف عن البناء له؛ بل ألا نجعل ما سيأتي ذريعةً لغيابنا عمّا هو موجود؛ فالغد يحتاج إلى التخطيط، لكنه لا يستحق أن نضحّي له بكل يومٍ يسبقه.
أخطر ما يفعله التأجيل أنه لا يسرق منّا لحظةً واحدة، بل يحوّل طريقة عيشنا كلها إلى انتظار؛ فنصبح موجودين في أيامنا بأجسادنا، وغائبين عنها بقلوبنا.
لا نخسر الحياة عندما ينتهي وقتنا فقط؛ قد نخسرها ونحن نمتلكه، لأننا ظللنا ننتظر اللحظة التي سنبدأ فيها بالعيش.
الزمن حليفًا
نخسر أمام الزمن حين نعامله كعدوٍّ لا يفعل سوى الأخذ؛ فنقاوم كل تغيّر، ونتعلّق بما كنّاه، ونقيس حاضرنا بما فقدناه، كأن النجاة تعني أن نبقى كما بدأنا.
لكن الزمن لا يأخذ فقط؛ إنه يمنح الأشياء فرصةً لكي تنضج؛ لا يولد الفهم كاملًا، ولا تصبح الخبرة حكمةً في يوم، ولا يترسّخ الحب من لقاءٍ واحد؛ فبعض ما هو أثمن في الإنسان لا تصنعه القوة ولا السرعة، بل يحتاج إلى زمنٍ يختبره ويكشف حقيقته.
نقول إن الزمن يشفي، لكنه لا يشفي وحده؛ فقد يمرّ على الجرح فيعمّقه، وقد يمرّ عليه فيساعده على الالتئام؛ ما يصنع الفرق ليس مرور الأيام فقط، بل ما نفعله داخلها: هل نواجه ألمنا أم نخبّئه؟ هل نتعلّم مما حدث أم نكرّره؟ هل نسمح لما خسرناه بأن يزيدنا قسوةً أم فهمًا؟
حين نجعل الزمن حليفًا، لا نطلب منه أن يعيدنا إلى ما كنّاه؛ نسمح له بأن يساعدنا على أن نصبح ما لم نكن قادرين على أن نكونه؛ يتحول الانتظار صبرًا، والخطأ معرفةً، والتجربة بصيرةً، والعمر عمقًا لا مجرّد عدد.
لا ينتصر الإنسان على الزمن بإيقافه، بل بأن ينتصر معه: أن يجعل كلّ ما يأخذه منه يترك فيه شيئًا لا يستطيع الزمن أن يأخذه.
عندما يصبح الزمن حليفنا، تنتصر إنسانيتنا.
جاءت الساعة
في المسيحية، لم يبقَ الله خارج الزمن؛ دخل الزمن طفلًا، وقَبِل أن ينمو يومًا بعد يوم، وأن يعبر مراحل العمر كما يعبرها الإنسان؛ لم يختر جسدًا فقط، بل اختار زمنًا يعيش داخله.
لم يعش يسوع أسير العجلة والوقت، ولم يتعامل مع اللحظات كأنها متشابهة؛ قال في بداية رسالته: "لم تأتِ ساعتي بعد"؛ ثم عرف، حين اقتربت اللحظة الحاسمة، أن الساعة قد أتت؛ لم يستعجل ما لم ينضج، ولم يهرب مما صار أوانه.
وحين دعا إلى ألّا ننشغل بالغد، لم يكن يطلب من الإنسان أن يهمل مستقبله، بل ألّا يسمح للخوف مما سيأتي بأن يسرق منه اليوم؛ فالغد سيحمل همومه، أمّا الحاضر فهو الزمن الوحيد الذي نستطيع فيه أن نحب ونغفر ونعمل ونكون إلى جانب إنسانٍ يحتاج إلينا.
وفي أكثر لحظاته وحدةً، لم يطلب من تلاميذه أعوامًا من حياتهم؛ سألهم: "أما قدرتم أن تسهروا معي ساعةً واحدة؟”؛ كانت ساعةٌ واحدة، لكنها كانت تستطيع أن تصبح حضورًا كاملًا إلى جانب إنسانٍ يتألم؛ وهنا تكشف الساعة قيمتها الحقيقية: ليست في عدد دقائقها، بل في مقدار ما نضع فيها من ذواتنا.
لم ينتصر يسوع على الزمن بأن يمنعه من المرور، بل بأن عاش كل لحظةٍ وفق معناها؛ وحين جاءت ساعته، لم تكن حياته ناقصةً لقِصَرها، بل مكتملةً لأنها لم تكن فارغة.
فالزمن لا يُهزم بطول البقاء، بل بأن يصبح الوقت الذي مُنح لنا حبًّا؛ وما يتحول في الزمن إلى حبّ، لا يستطيع الزمن أن يجعله عبثًا.
الخاتمة – زمن الإنسانية
في النهاية، ليس الفرق بين الوقت والزمن ترفًا لغويًا؛ فالوقت هو نصيبنا المحدود الذي نستطيع تنظيمه أو تبديده، منحه أو سرقته، ملأه أو تركه فارغًا؛ أمّا الزمن فهو العبور الأكبر الذي لا نملكه ولا نستطيع إيقافه؛ يدخل حياتنا من دون أن نراه، فنصبح داخله، ثم نكتشف أثره في كل ما تغيّر فينا وحولنا.
سنظلّ نحاول مقاومته؛ سنخفي شعرةً بيضاء، ونحزن لوجهٍ تبدّل، ونستغرب كيف كبر طفلٌ كان بالأمس بين أيدينا؛ وليس في ذلك ضعف؛ فالإنسان يقاوم الزمن لأنه يحب ما يخشى أن يتغيّر؛ لكن الحب نفسه يعلّمنا أن نحفظ الأشياء لا بمنعها من التغيّر، بل بأن نكون حاضرين فيها ما دامت معنا.
الزمن منتصرٌ حتمًا؛ سيواصل مروره مهما أسرعنا أو تأخرنا، ومهما التزمنا بالساعة أو أهملناها؛ لكنه لا يقرّر وحده معنى هذا المرور؛ هنا يبقى للإنسان اختياره؛ يستطيع أن يخرج من أعوامه أكبر سنًا فقط، أو أكثر فهمًا؛ أن يحمل من الألم قسوةً، أو رحمة؛ أن يجعل ما عاشه عبئًا يثقله، أو حكمةً تنير ما بقي من طريقه.
فهنا يلتقي الزمن برحلتنا نحو الإنسانية؛ فكل قيمةٍ بحثنا عنها تحتاج إلى وقتٍ كي تصبح حياة؛ لا يكفي أن نؤمن بالمحبة إن لم نمنحها من زمننا، ولا بالرحمة إن لم نتوقف لأجل المتألم، ولا بالمسؤولية إن جعلنا الآخرين ينتظرون ما نستطيع فعله اليوم؛ فالإنسانية لا تُقاس بما نعرفه من القيم، بل بمقدار تحوّل هذه القيم إلى حضورٍ مع إنسان آخر.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى عمرٍ أطول، قد نحتاج إلى أن نضع حياةً أكثر في العمر الذي لدينا، أن نكفّ عن انتظار اللحظة المثالية، وأن ننتبه إلى أن هذه اللحظة العادية قد تكون هي الحياة التي كنّا نؤجلها.
ولعل هذا ما كشفه يسوع حين لم يطلب من تلاميذه أن يوقفوا الساعة الصعبة، بل أن يسهروا معه ساعةً واحدة؛ لم يكونوا يستطيعون منع الزمن من المضي، لكنهم كانوا يستطيعون ألّا يتركوه يعبر ألمه وحيدًا؛ فالوقت يصبح حبًّا حين يتحول إلى حضور، والزمن يصبح حليفًا حين يجعلنا، بمروره، أكثر إنسانيةً.
لسنا مسؤولين عن إيقاف الزمن، بل عن الإنسان الذي نصبحه ونحن نعبره؛ فالزمن سيمضي بنا جميعًا، لكن الإنسانية وحدها تستطيع أن تجعل مرورنا فيه لا يمرّ عبثًا.