في مدينة اعتادت أن تتصدّر عناوين الأخبار كلما اشتدت الأزمات، اختارت السينما أن تروي حكاية أخرى. هنا، في طرابلس التي مرّت خلال السنوات الماضية بجولات من الحرب والقتال والاضطرابات والأزمات، ظلّت شاشة السينما مفتوحة على صورة مختلفة: مدينة للفن والثقافة والسلام والعيش المشترك.
من هذا المنطلق، يستمر "مهرجان طرابلس للأفلام" في نسخته الثالثة عشرة بين 17 و23 أيلول 2026، بعدما تحوّل على مدى أكثر من عقد إلى موعد ثقافي ثابت في المدينة، محاولا في كل مرّة أن يقدّمها من زاوية أخرى، بعيدًا من الصورة التي تختصرها بالأزمات.
حفل الافتتاح أقيم في "مركز العزم الثقافي – بيت الفن" في الميناء، بحضور فاعليات فنية وثقافية وإعلامية، إلى جانب المدير العام لوزارة الثقافة علي الصمد، وسينمائيين وصنّاع أفلام وضيوف من لبنان والمنطقة والعالم.
لكن دورة جديدة من المهرجان لا تعني فقط بدء أسبوع من العروض والندوات. فبعد 13 عامًا، بات السؤال أكبر: كيف استطاعت السينما أن تحافظ على حضورها في مدينة اختبرت مراحل صعبة، وأن تجعل من الثقافة مساحة للتواصل في وقت كانت فيه مساحات أخرى تضيق؟
الصورة الحقيقية
يشير رئيس "مهرجان طرابلس للأفلام" الياس خلاط لـ "نداء الوطن" إلى أنّ المهرجان، بعد 13 عامًا، لا يزال يحمل التنوع من خلال الأفلام والندوات التي تأتي من مختلف أنحاء العالم، لافتًا إلى أن أفلامًا تُعرض للمرة الأولى في لبنان خلال المهرجان.
بالنسبة إلى خلاط، هذا التنوع لا يبقى داخل قاعات العرض، بل يساهم في جذب الناس من مختلف المناطق إلى طرابلس، معتبرًا أنّ ما يقدمه المهرجان هو "الصورة الحقيقية لطرابلس التي تسافر مع المهرجان إلى خارج البلد"، من خلال الأفلام والسينمائيين الذين يحملون معهم صورة المدينة وتجربتها إلى العالم.
أما الممثل طلال الجردي، أحد أعضاء لجنة التحكيم في الدورة الحالية، فيقول لـ "نداء الوطن" إنّ مشاركته في المهرجان تتجدد دائمًا، مثنيًا على منظميه الذين وصفهم بـ "المناضلين". ويرى الجردي أنّ استمرار المهرجان في ظل الظروف التي يمر بها لبنان يمثل بحد ذاته شكلا من أشكال الصمود، معتبرًا أن الحدث يشكل "إضاءة جميلة" على طرابلس، المدينة التي تحمل نفسًا ثقافيًا وفنيًا.
بالنسبة إلى الجردي، لا يتوقّف تأثير الفن عند حدود العروض والفعاليات، إذ يمكن للثقافة والفن أن يؤديا دورًا في تنمية المناطق وتعزيز حضورها، وهو ما يجعل استمرار مهرجان من هذا النوع في مدينة كطرابلس ذا دلالة تتجاوز المشهد السينمائي نفسه.
تعريف بالمدينة
الممثلة بياريت قطريب التي عاشت تجربة سابقة مع المهرجان والمدينة، عادت هذا العام من خلال حلقة حوارية. وتعتبر في حديث مع "نداء الوطن" أنّ خصوصية المهرجان لا تقتصر على عرض الأفلام والفعاليات السينمائية، بل تكمن أيضًا في أنه يعرّف ضيوفه على طرابلس بتفاصيلها وحياتها اليومية، ويمنحهم فرصة التعرّف إلى وجهها الثقافي والإنساني. وترى قطريب أن المهرجان يقدّم صورة عن لبنان الحقيقي، بعيدًا من الصور النمطية التي قد تختزل البلد بأزماته، مؤكدة أن مشاركتها في طرابلس هي أيضًا فرصة للقاء الناس والتفاعل مع المدينة من الداخل.
البُعد الثقافي للمهرجان برز أيضًا من خلال الشراكات التي تدعمه، وفي مقدّمتها الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ووزارة الثقافة ضمن مشروع "الثقافة للجميع". ففي افتتاح هذه الدورة، حضرت رئيسة الفريق في بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان سارة دومونيني، التي عبّرت لـ "نداء الوطن" عن سرورها لوجودها في طرابلس، "للاحتفال بالثقافة النابضة بالحياة وروح هذه المدينة". وقالت إن الاتحاد الأوروبي "يفخر بدعم هذا المهرجان"، انطلاقًا من الدّور الذي يمكن أن تؤديه السينما في التقريب بين الناس، معتبرةً أنّ "للسينما قدرة فريدة على جمعنا، وردم الفجوات، وتعزيز التفاهم بين الناس في الأوقات الصعبة".
معنى التراث
في دورته الثالثة عشرة، يضع "مهرجان طرابلس للأفلام" المدينة نفسها في قلب هويته البصرية، تحت عنوان "التراث الحديث – Modern Heritage"، إذ تتصدّر ثلاثة معالم من تاريخ طرابلس الحديث هذه الهوية: محطة قطار طرابلس، وقصر نوفل، ومعرض طرابلس الدولي.
فمحطة القطار تستعيد دور المدينة في شبكة النقل والتجارة والتواصل مع محيطها والعالم، فيما يجسّد معرض طرابلس الدولي أحد أبرز أحلامها الحداثية، ويحضر قصر نوفل بوصفه جزءًا من ذاكرتها العمرانية والثقافية. ومن خلال هذه العناصر، يحاول المهرجان طرح سؤال أوسع حول معنى التراث: هل هو فقط ما يعود إلى الماضي البعيد، أم أن ما أنجزته طرابلس في تاريخها الحديث، من مشاريع ومعالم وأحلام، يشكل بدوره جزءًا من ذاكرتها؟
بهذا المعنى، لا تبدو هوية "التراث الحديث" مجرد تصميم بصري لدورة جديدة، بل محاولة لقراءة طرابلس من خلال ما بقي من أحلامها الحديثة، ووضع الذاكرة في حوار مع حاضر المدينة ومستقبلها.
والمهرجان لا يقتصر على عرض الأفلام، بل يواصل دعم المواهب السينمائية العربية الشابة من خلال منصة تمويل الفيلم العربي القصير "Arab Shorts Pitching Platform (ASPP)". وقد اختيرت خمسة مشاريع سينمائية للمشاركة في المنصة، هي "Donkey" من الأردن للمخرج كريم عريقات، و "City Lights" من مصر للمخرجة نورهان ياسر، و "Seven and a Half" من مصر للمخرج عصام حيدر، و "Seven of Borombo" من لبنان للمخرج راني نصر، و "Not All Wanderers Are Lost" من لبنان للمخرج أنيس ناصرالدين.
وتمنح المنصة أصحاب المشاريع فرصة تقديم أعمالهم أمام خبراء ومنتجين ومهنيين في القطاع السينمائي، بما يفتح المجال أمام تطوير الأفلام القصيرة ودعم انتقالها من مرحلة الفكرة إلى الإنتاج.
أما المسابقة الرسمية فتضم 45 فيلمًا موزعة على فئتَي الفيلم القصير والطويل، وتشمل أفلامًا روائية ووثائقية وأفلام تحريك بإنتاجات عربية ودولية متنوعة، إلى جانب فيلمَين من خارج المسابقة الرسمية. وفي الافتتاح عُرض فيلم "The Settlement" للمخرج محمد رشاد، وهو إنتاج مشترك بين مصر وفرنسا وألمانيا وقطر والمملكة العربية السعودية.
إذًا في كل مرة كانت الأزمات تحاول أن ترسم صورة واحدة لطرابلس، كانت السينما تفتح نافذة أخرى: مدينة للفن والثقافة والسلام والعيش المشترك، ومدينة قادرة على استقبال العالم والتفاعل معه. من هنا، تصبح استمرارية هذا المهرجان جزءًا من قصة المدينة نفسها التي لا تريد أن تكون مجرد خبر عن أزمة، بل خبرًا عن ثقافة وفن وحياة.