في نيسان 2019، أطلّ الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله للرد على مقال نشرته صحيفة كويتية، نُسب إليه فيه تحذير من احتمال اندلاع حرب إسرائيلية، تضمّن عبارة بالغة الدلالة: «الصف الأول سيُقتلون، والصف الثاني سيُقتلون، ....».
يومها، نفى نصرالله الرواية جملةً وتفصيلًا، واصفًا الكلام بأنه «كلام فارغ ليس له أي أساس من الصحة»، ومقترحًا أن يتحول كاتب المقال إلى «كاتب سيناريو لفيلم سينمائي خيالي».
كان ذلك في عام 2019. أما في عام 2024، فقد تحوّل «الفيلم الخيالي» إلى "فيلم رعب" دموي حقيقي.
فخلال فترة قصيرة، انتقلت إسرائيل من استهداف قيادات ميدانية إلى ضرب البنية العسكرية والسياسية العليا لـ«حزب الله». ولم تكن المسألة ضربة واحدة أو اغتيالًا منفردًا، بل سلسلة متتابعة استهدفت شخصيات في مواقع قيادية متقدمة، وصولًا إلى رأس الهرم نفسه.
في 30 تموز 2024، قُتل فؤاد شكر، الذي وصفه معهد السلام الأميركي بأنه أبرز مسؤول عسكري في «حزب الله» ومستشار عسكري مقرّب من نصرالله. وفي 20 أيلول، قُتل إبراهيم عقيل، قائد قوة الرضوان وعضو المجلس الجهادي، في ضربة استهدفت اجتماعًا لعدد من كبار القادة في بيروت.
ثم جاءت اللحظة الأكثر صدمة: في 27 أيلول 2024، قُتل السيد حسن نصرالله في غارة إسرائيلية استهدفت مقر القيادة المركزي لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت، وقُتل معه علي كركي وعدد من كبار المسؤولين.
لكن الاستهداف لم يتوقف عند الأمين العام. ففي تشرين الأول 2024، قُتل هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي والشخصية التي كانت تُعد على نطاق واسع المرشح الأبرز لخلافة نصرالله، بعدما كان قد تولّى دورًا قياديًا بارزًا داخل الحزب. وأكد «حزب الله» لاحقًا مقتله في غارة إسرائيلية.
العبارة التي وُصفت عام 2019 بأنها «فيلم سينمائي خيالي» تحولت، بعد خمس سنوات، الى واقع عاشه «حزب الله»: قيادات عسكرية من الصفوف الأول والثاني استُهدفت تباعًا، ثم ضُربت دوائر القيادة، وقُتل الأمين العام، ثم استُهدف من كان يُنظر إليه باعتباره أبرز المرشحين لخلافته.
لكن المفارقة الأعمق لا تكمن في أن تصوّرًا قيل إنه خيالي أصبح واقعًا، بل في كيفية تمكّن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من معرفة أدق تفاصيل تحركات المسؤولين الكبار في «حزب الله»، في الوقت الذي تعاملت فيه قيادة الحزب باستخفاف مع احتمال الضربة القاضية، ولا سيما عندما يكون ثمن الخطأ استراتيجيًا وبشريًا بهذا الحجم، مع العلم أن نصرالله نفسه قال في الخطاب ذاته إن المقاومة يجب أن تبني تقديراتها العسكرية على «أسوأ الاحتمالات»، وأن تكون جاهزة لها دائمًا.
في إدارة المخاطر، لا يُقاس التحذير بمصدره، ولا بمدى إزعاجه، ولا بمدى انسجامه مع روايتنا السياسية. المعيار أبسط وأشد قسوة: هل كان الاحتمال ممكنًا؟ وهل كان يستحق أن يُدرس ويُستعد له؟
فالخطر لا يصبح أقل خطورة لأننا سخرنا منه، والسيناريو الأسوأ لا يفقد وجوده لأننا استبعدناه، والاحتمال لا يتحول إلى «فيلم خيالي» لمجرد أنه لا يناسب تقديراتنا.
أخطر الأخطاء الاستراتيجية تبدأ عندما يتحول الاطمئنان إلى قناعة، والقناعة إلى إنكار، والإنكار إلى استبعاد للسيناريو الأسوأ، ثم يأتي الواقع ليكشف أن ما جرى استبعاده لم يكن مستحيلًا أصلًا.
في السياسة كما في إدارة المخاطر، الحكمة ليست في أن نتمنى ألا يحدث السيناريو الأسوأ، بل في أن نكون مستعدين له إذا حدث.