رماح هاشم

استقرار سعر صرف الليرة لم ينعكس على الأسعار

البلد يدخل عصر الغلاء المزمن

9 دقائق للقراءة
استقرار سعر الصرف لم يمنع استمرار التضخّم

بعد ست سنوات على الانهيار المالي والنقدي، انتقل الاقتصاد اللبناني من مرحلة التضخّم المفرط والانفلات النقدي إلى مرحلة مختلفة تحكمها الدولرة الواسعة واستقرار نسبي في سعر الصرف، لكن من دون عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. فالتراجع الحاد في قيمة الليرة خلال السنوات الماضية أعاد تشكيل هيكل الأسعار والتكاليف، فيما بات الاقتصاد يعمل ضمن مستويات سعرية مرتفعة يصعب خفضها، بفعل ارتفاع كلفة الاستيراد والضرائب والرسوم واضطرابات سلاسل التوريد، ما أبقى التضخّم حاضرًا وإن بوتيرة أقل حدّة من سنوات الانهيار الأولى.

يبرز توصيف "الحد الأدنى للأسعار" كعنوان لمرحلة اقتصادية جديدة، إذ لم يعد تغيّر سعر الصرف المحرك الوحيد لارتفاع الأسعار، بعدما أصبحت غالبية السلع والخدمات مسعّرة بالدولار . وبينما ساهمت الدولرة في الحد من التقلبات النقدية الحادة، لم تؤدِّ إلى تراجع موازٍ في كلفة المعيشة، بل كرّست مستويات سعرية مرتفعة وأبقت الاقتصاد تحت ضغط التكاليف. ويضع أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية د. جاسم عجاقة هذا التحول في إطار انتقال لبنان من أزمة تضخمية يغذيها توسّع الكتلة النقدية إلى تضخّم أكثر ارتباطًا بكلفة الإنتاج والاستيراد والعبء المالي.


"الحدّ الأدنى للأسعار"

بعد سبع سنوات على الانهيار المالي والنقدي الذي ضرب لبنان عام 2019، يرى عجاقة أن "توصيف الأزمة المالية والاقتصادية اللبنانية شهد تحولا جوهريًا. فبعدما كانت الأزمة تُقارب باعتبارها كارثة مالية ونقدية اتسمت بالتضخم المفرط والانهيار الحاد في سعر الصرف، بات الاقتصاد اللبناني اليوم يتشكّل"، وفق عجاقة، "تحت وطأة ارتفاع التكاليف النقدية وترسّخ الدولرة الشاملة".

ويوضح أن "مرحلة التضخم المفرط التي نتجت عن التوسّع الكبير في الكتلة النقدية (M1)، بالتوازي مع انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية إلى مستويات تجاوزت 89,500 ليرة مقابل الدولار، أفسحت المجال أمام مرحلة جديدة يخضع فيها الاقتصاد لما يمكن وصفه بـ"الحد الأدنى للأسعار". ويشير إلى أن "ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك (CPI) يبلغ حاليًا 15.7 %، وهو مستوى قد يوحي، للوهلة الأولى، ببدء استقرار الوضع الاقتصادي، إلا أن هذا الاستقرار النقدي النسبي لا يعني بالضرورة تحسنًا في الظروف المعيشية للبنانيين".

فالدولرة الشاملة، وفق عجاقة، "أسهمت في وقف الانخفاض غير المسبوق في قيمة العملة، لكنها في المقابل رسّخت مستويات مرتفعة من تكاليف المعيشة، ولا سيما مع استمرار تأثير الضرائب والرسوم ومشكلات سلاسل التوريد. ومع استمرار تراجع القدرة الشرائية وتآكل دور مؤسسات الدولة، يبرز السؤال حول ما إذا كان التضخم الهيكلي قد يتحول إلى مصدر إضافي للتوتر والاستياء الاجتماعي".


من الدوامة النقدية إلى الدولرة

يستعيد عجاقة مسار الأزمة، مشيرًا إلى أن "لبنان عاش بين عامي 2019 و2023 أزمة كلاسيكية في ميزان المدفوعات. فقد كشف انهيار عمليات "الهندسة المالية" التي نفذها مصرف لبنان عن عجز هيكلي كبير في تدفقات النقد الأجنبي، الأمر الذي دفع المصرف المركزي إلى اللجوء إلى التمويل النقدي للدين العام".

وبحسب عجاقة، أدّى هذا المسار إلى "تسارع انهيار العملة الوطنية، لترتفع معدلات التضخم السنوية، المقاسة بمؤشر أسعار المستهلك، إلى مستويات قياسية بلغت نحو 220 % عام 2023"..

ومع التوقف الكامل عن دعم السلع الاستهلاكية والانتقال إلى تسعير السلع بالدولار النقدي، دخل الاقتصاد مرحلة مختلفة اتسمت بتراجع وتيرة الانخفاض الحاد في قيمة الليرة، مقابل بروز تضخم ناجم بصورة أكبر عن تكاليف الاستيراد وسلاسل التوريد.

يضيف: "أن تعديل آليات تحصيل الإيرادات العامة، ولا سيما الانتقال في احتساب "الدولار الجمركي" من المستويات القديمة إلى أسعار صرف أقرب إلى المستويات السائدة في السوق، ساهم في تعزيز الإيرادات العامة، لكنه انعكس في المقابل على قدرة المواطنين على تحمّل كلفة سلة استهلاكهم".


مرحلتان للتضخم

يقسّم عجاقة مسار التضخم في لبنان إلى مرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى – الدوامة النقدية (2019–2023):

تمويل الدين العام عبر الإصدار النقدي من مصرف لبنان، تلاه توسع سريع في الكتلة النقدية (M1)، ثم انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، وما رافق ذلك من انفلات في معدلات التضخم.

المرحلة الثانية – الدولرة النقدية والعبء المالي (2024–الآن):

انتقل الاقتصاد إلى اعتماد الدولار بصورة شبه كاملة في تسعير السلع والخدمات، ما ساهم في تثبيت سعر الصرف عند نحو 89,500 ليرة للدولار، لكنه أبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة، وكرّس ما يمكن وصفه بـ "مستوى أرضي" مرتفع للأسعار يصعب التراجع عنه.

ويحذّر عجاقة من أن "استقرار معدل التضخم العام لا يعكس بالضرورة حقيقة الوضع الاجتماعي، إذ تخفي المؤشرات العامة تشوهات هيكلية عميقة في توزيع الدخل والقدرة على الاستهلاك". ويشير إلى أن "الأجور الحقيقية في القطاع العام تراجعت بأكثر من 80 % مقارنة بمستويات ما قبل عام 2019، في وقت تتمكن فيه الأسر التي تستفيد من تحويلات مالية من الخارج، تتراوح قيمتها بين 6 و7 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 30 % إلى 35 % من الناتج المحلي الإجمالي، من الحفاظ على مستويات استهلاك أكثر استقرارًا".

هذا الواقع، وفق عجاقة، "أدى إلى تعميق الانقسام داخل الاقتصاد اللبناني، بين فئة تتلقى مداخيلها بالدولار الأميركي أو تستفيد من تدفقات مالية خارجية، وفئة أخرى تعتمد على مداخيل محلية فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها الشرائية".


انهيار الوساطة المصرفية

لا تقتصر تداعيات الأزمة، بحسب عجاقة، على "التضخم وسعر الصرف، بل تمتد إلى النظام المالي برمّته. فبعد انهيار القطاع المصرفي، تحوّل الاقتصاد اللبناني بصورة متزايدة إلى اقتصاد قائم على النقد، مع بلوغ حجم الاقتصاد النقدي مستويات تتجاوز 50 % من الناتج المحلي الإجمالي".

ويرى أن "غياب الائتمان المصرفي أدى إلى تقليص الاستثمارات الإنتاجية للشركات، في وقت يواجه فيه لبنان مخاطر إضافية مرتبطة بالقصور في التشريعات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات على علاقته بالنظام المالي العالمي".

وفي الجانب الاجتماعي، يشير عجاقة إلى أن "نحو 70 % من السكان يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد، فيما تتركز نفقات الأسر بصورة أساسية على الغذاء، وتأمين الكهرباء عبر المولدات الخاصة، والرعاية الصحية الطارئة. وفي موازاة ذلك، تلقت الطبقة الوسطى ضربة قاسية نتيجة فقدان جزء كبير من المدخرات التي كانت مودعة في المصارف".


انفجار اجتماعي؟

في قراءته لاحتمالات الاضطرابات الاجتماعية، يربط عجاقة الأمر بمجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتداخلة، معتبرًا أن "ارتفاع الأسعار وحده لا يكفي لتفسير احتمال اندلاع تحركات شعبية واسعة".

ويشير إلى "عوامل قد تحدّ من انتشار اضطرابات واسعة، أبرزها التدفق المنتظم لتحويلات المغتربين، الذي يوفر شبكة أمان اجتماعية غير رسمية ويخفف من حدة الضغوط المعيشية، فضلا عن الهجرة المستمرة، ولا سيما في صفوف الشباب، والتي تقلّص القاعدة الاجتماعية المتاحة لتنظيم احتجاجات واسعة".

كما يلفت إلى "استمرار اعتماد بعض الجماعات السياسية على تقديم مساعدات اجتماعية مرتبطة بالانتماءات السياسية، الأمر الذي يجعل توحيد مختلف الفئات الاجتماعية ضمن حركة احتجاجية واحدة أكثر صعوبة. ويضيف أن سنوات الأزمات المتراكمة دفعت شريحة واسعة من اللبنانيين إلى التركيز على تأمين سبل العيش والبقاء، بدلا من الانخراط في تحركات شعبية واسعة".


سيناريوهات التصعيد

في المقابل، يحذّر عجاقة من "مجموعة عوامل يمكن أن تدفع الوضع نحو التصعيد، وفي مقدمتها فرض زيادات ضريبية مفاجئة من دون تقديم مساعدات موجهة للفئات الأكثر تضررًا، أو حصول حصار شديد للموانئ يؤدي إلى نقص حاد في المواد الغذائية والمحروقات، فضلا عن فرض قيود صارمة على الأنظمة المالية العالمية والإقليمية بما يعرقل تحويل الأموال إلى لبنان".

وبناءً على قراءته للاتجاهات الراهنة في الاقتصاد السياسي ومؤشرات الاقتصاد الكلي، يقدّر عجاقة احتمال "انتشار اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق مرتبطة بالتضخم خلال العام المقبل بنحو 25 %"، معتبرًا أن "هذا الاحتمال يقع ضمن مستوى منخفض إلى متوسط من المخاطر".

ويتحدث عن سيناريوهيْن أساسيين:

السيناريو المرجعي: تحركات احتجاجية متفرقة وغير منتظمة قد تشارك فيها مجموعات من موظفي القطاع العام والمعلمين ونقابات النقل والعسكريين المتقاعدين، وتتركز مطالبها حول الأجور أو زيادات تعرفة الخدمات العامة. ويرجّح هذا السيناريو بقاء التحركات محدودة جغرافياً، بما يسهّل احتواءها.

سيناريو المخاطر القصوى: تزامن صدمات خارجية تؤدي إلى اضطراب حاد في إمدادات السلع الأساسية، بالتوازي مع انخفاض كبير في تدفقات التحويلات المالية، بما يضعف قدرة الأسر على مواجهة الضغوط المعيشية ويفتح الباب أمام موجة أوسع من العصيان المدني.


أزمة مزمنة 

يخلص عجاقة إلى أن "أزمة التضخم في لبنان انتقلت من مرحلة الانفلات النقدي الحاد إلى حالة أكثر مزمنة من التوازن الاقتصادي والنقدي الهش، تتداخل فيها كلفة الدولرة مع الجمود المالي والتفاوت الاجتماعي العميق".

فاستقرار سعر الصرف، بحسب قراءته، "حدّ من احتمالات تكرار الصدمات التضخمية الجامحة التي شهدها لبنان خلال السنوات السابقة، لكنه لم يعالج جذور الضغوط الاجتماعية، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وضعف مؤسسات الدولة".

ولا يرى عجاقة أن الاضطرابات الشعبية الواسعة هي السيناريو الأكثر ترجيحًا في الظروف الحالية، مشيرًا إلى أن "تدفقات التحويلات والهجرة وآليات الدعم الاجتماعي غير الرسمية أسهمت في الحد من الضغوط التي قد تدفع إلى تحركات واسعة". لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن "استمرار الرهان على قدرة المجتمع على تحمّل الأعباء، بدلا من معالجة الاختلالات البنيوية، يبقي الاقتصاد اللبناني عرضة لتداعيات أي صدمة خارجية مفاجئة".

في المحصلة، لم يعد التحدّي الأساسي للبنان متمثلا في احتواء انفلات نقدي حاد، بل في كسر الحلقة التي أبقت الأسعار عند مستويات مرتفعة رغم استقرار سعر الصرف نسبياً وتراجع معدلات التضخّم. فالدولرة حدّت من مخاطر الانهيار النقدي، لكنها لم تُعدّل بنية الكلفة التي تشكلت خلال سنوات الأزمة، فيما لا يزال غياب الائتمان المصرفي وضعف الاستثمار والإنتاجية وارتفاع الأعباء الضريبية والرسوم يقيّد أي تراجع فعلي في الأسعار.