لكلّ صغير إيقاعه الخاص في الحياة الذي يجعل منه طفلاً متمايزًا عن سواه، إنما لا يمكن غضّ الطرف عن مؤشرات كل مرحلة عمرية للحظ ما إذا كان التطوّر اللغوي في دائرة الحدود الطبيعية أم يحتاج إلى تقويم فمعالجة.
فما هي تلك المؤشرات؟ وما الخطوات المتبّعة عند تأخّر الكلام؟
يشمل الحديث عن تأخّر الكلام نقاطًا ثلاث مرتبطة بعضها ببعض على رغم تمايزها وهي اللغة والكلام والتواصل.
فالكلام وفق سيلين فلفلي الاختصاصية في علاج النطق، هو قدرة الطفل على إصدار أصوات وكلمات بطريقة صحيحة ومفهومة، أمّا اللغة فتشمل قدرته على فهم الكلمات والجمل والمعاني، أي اللغة الاستقبالية، وعلى التعبير عن أفكاره واحتياجاته ومشاعره باستخدام الكلمات والجمل أي اللغة التعبيرية. وتتحدث فلفلي عن بعض مؤشرات التطوّر اللغوي الذي يمكن لحظه عند الطفل الصغير، كمناداته لأهله أو استجابته عند سماع اسمه أو تقليد الأصوات والحركات وقدرته على استخدام الاشارات واكتساب الكلمات تدريجًا واستخدامها للتواصل مع الآخرين واللعب معهم.
وتحدد فلفلي المهارات اللغوية التي تظهر تدريجًا وفق المراحل العمرية: "في الشهر السادس تبدأ مناغاته وإصداره الأصوات. في الشهر التاسع يُطلق مقاطع صوتية قصيرة مثل "ماما وبابا". في السنة الأولى كلمات ذات معنى. بعد شهره الـ18، نشعر فجأة بأنه اكتسب كلمات أكثر وكلّما اقترب من ربيعه الثاني والثالث دمج الكلمات لتأليف جمل بسيطة وصولاً إلى عامه الرابع حين يصبح قادرًا على تأليف جمل أطول."
وإذ تذكّر بتمايز مسار كل طفل على الصعيد اللغوي، توضح بأن هذه المعايير متفاوتة بين طفل وآخر لذلك يُنظر عند التقويم إلى التطوّر الشامل والواسع وإلى البيئة التي نشأ فيها ومجتمعه المحيط به وكيفية التواصل معه."
وعن كيفية تحديد أسباب تأخر الكلام؟ تجيب:"يرتكز تحديد أسباب تأخر الكلام على تقويم محترف وعلميّ، للتأكيد ما إذا كان بسبب محدودية فرص التفاعل والتواصل معه في بيئته المحيطة فلم يتمكّن من تطوير لغته، أو بسبب اضطراب لغوي. وللتدقيق في ذلك تنطلق مرحلة علاج ممتدّة على ستة أشهر نراقب في خلالها تطوّره وما إذا استطاع الإقتراب من المستوى المتوّقع منه شرط أن تكون عائلته قد التزمت بالتعليمات المعطاة وأمنّت له الفرص لتحقيق التطوّر المرجوّ."
وتنصح فلفلي باستشارة إختصاصي عند لحظ أي تأخر في تطور الطفل لتحديد الأسباب والمتابعة الصحيحة لأن التدّخل المبكر مهمّ خصوصًا أن دماغ الطفل في أعوامه الستة الأولى يتميّز بالقدرة على التكيّف مع الأشياء الجديدة لاكتسابها وتعديلها بطريقة إيجابية. وقد يتمحور هذا التدّخل على توجيهات بسيطة يكتسبها الأهل للمساهمة في تطوير الطفل وتحسين تواصله اللغوي.
وعن الأسباب التي تؤدي عادة إلى تأخر الكلام، تشير إلى أنها عديدة منها ضعف في السمع أو تأخر في النموّ الشامل وقد يكون السبب أحيانًا جينيًا وعصبيًا أو عوامل بيئية خصوصًا أن الطفل يحتاج إلى فرص كثيرة للتواصل مع الآخرين واللعب. وتوضح أن نشوء الطفل في بيئة متنوّعة اللغات لا يسبب بحد ذاته تأخرًا لغويًا، ولكن يجب أخذ هذا الموضوع في عين الاعتبار.
وعمّا إذا كانت الشاشات تؤثر في تأخّر الكلام، تقول:"طبعًا، لأن الطفل يتعلم اللغة والتواصل في الحوار والتواصل البصري والتفاعل في اللعب وتوافر فرص لاستخدام اللغة بطريقة حقيقية، لذلك فإن التعرّض للشاشة يقلل من نسبة الحوار مع الأهل واختبار الحياة الاجتماعية باللعب مع أطفال آخرين."
وعن العلاج، تجيب:" نكوّن في الحصة الإستشارية الأولى لعلاج النطق واللغة، معلومات متعلّقة بنموّ الطفل وما إذا تعرَض لالتهابات في الأذن، ومعلومات حول الحمل والولادة وعن كلماته الأولى وكيفية تفاعله مع الناس وتطوّره الحركي والجسدي. وعن كيفية تعبيره واللعب والتفاعل في المجتمع وعن اللغات المتداولة في المنزل وطريقة تواصل الأهل معه. ومن ثم يبدأ تقويمه وفق سنّه.
بعدها نتحدث مع الوالدين لتقديم التعليمات حول أسلوب التواصل معه والاستجابة له في المنزل محددين ما إذا كان بحاجة لجلسات علاج أو إعادة تقويم بعد ستة أشهر.
أمّا مدّة العلاج، فلا يمكن تحديدها لأنها تعتمد على وضع الطفل ومحيطه وإذا كان يعاني من مشكلة في التطوّر العام أو في السمع أو في اللغة فقط. لذا من المهم أن يتجاوب الأهل مع التعليمات التي نقدّمها لمواكبته في المنزل. فكلّما التزموا ساعدوه أكثر، من هنا ندعوهم للتحدث معه فضلاً عن مشاركته اللعب والحوار. كما ننصح بتوافر كتب مناسبة لسنّه لتقليب صفحاتها والاشارة إلى صورها بكلمات والاصغاء باهتمام لكل ما يحاول قوله".
وتدعو إلى احترام مسار كل طفل في تطوّره الحركي والجسدي واللغوي وعدم الضغط عليه لإعادة لفظ الكلمات أو تصحيحها أو وضعه أمام اختبار في تسمية الأشياء ووصفها.
