تقترب إثيوبيا من حرب جديدة تحمل إرث الحرب المدمّرة السابقة ومخاطر اتساعها. فالسيطرة على مطارات تيغراي، وامتداد القتال إلى عفر وأمهرة، ينقلان الصراع من اشتباكات متقطعة إلى مواجهة تتجاوز حدود الإقليم. ويتزامن هذا التحوّل مع قيام تحالف مسلّح يسعى إلى إسقاط الحكومة، ما يضع أديس أبابا أمام احتمال تداخل معضلاتها الداخلية وتحوّلها إلى صراع أوسع على السلطة ومستقبل الدولة.
تعود جذور الأزمة إلى انتقال الحكم عام 2018، بعدما هيمنت "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" على النظام منذ 1991. ومع صعود آبي أحمد وتراجع نفوذها، تفاقم النزاع على توزيع السلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم، وصولًا إلى حرب 2020 - 2022. وقد أنهى اتفاق بريتوريا القتال، لكنه أبقى ملفات أساسية معلّقة. وهكذا استقرّ الهدوء فوق تسوية ناقصة، فيما ظلّت أدوات الحرب حاضرة والثقة السياسية مفقودة.
من هذه الزاوية، تكشف الجولة الحالية حدود الاتفاق وقدرته على الصمود أمام تجدّد الصراع على الشرعية. فأديس أبابا تعتبر سلطة "الجبهة" في تيغراي غير شرعية، و"الجبهة" تصف العمليات الفدرالية بأنها "غزو إباديّ"، مؤكدة أنها تخوض "حربًا دفاعية". وبين الموقفين، تضيق مساحة التسوية: تتمسّك الحكومة بحق فرض سلطتها، وتتعامل قيادة الإقليم مع المواجهة بوصفها معركة وجودية. ويزيد حظر "الجبهة" وتعثّر تنفيذ التزامات السلام صعوبة العودة إلى التفاوض.
عسكريًا، تحمل السيطرة على مطارات ميكيلي وشيري وأكسوم دلالة تتجاوز تعطيل الرحلات، إذ تزيل أحد المظاهر القليلة للحضور الفدرالي داخل الإقليم. أما التقدّم في عفر، إذا ثبت نطاقه، فيشير إلى محاولة نقل الضغط خارج تيغراي وتوسيع مجال العمليات. وفي المقابل، يمنح تطوير الطائرات المسيّرة الحكومة قدرة أكبر على ضرب المواقع وخطوط الإمداد. لذلك، تبدو احتمالات تصاعد القصف واتساع الاشتباكات مرتفعة، مع بقاء الحسم البري رهين القدرة على الاحتفاظ بالأرض وإدامة القتال.
ويشكّل التحالف بين قوات تيغراي و"فانو" وجيش تحرير أورومو المتغيّر الأبرز. فالتنسيق الفعلي بين هذه القوى قد يشتّت القوات الفدرالية ويفرض عليها إدارة جبهات متزامنة. غير أن إعلان التحالف يسبق إثبات تماسكه العسكري والسياسي. فقد قاتلت "فانو" إلى جانب الحكومة خلال حرب تيغراي، وتفصل الطرفين مطالب متعارضة بشأن الأراضي المتنازع عليها. ويؤجّل الاتفاق على إسقاط آبي أحمد سؤال اقتسام السلطة وتسوية النزاعات، ما يجعل استمراره مرتبطًا بقدرته على إدارة تناقضاته.
إقليميًا، تضيف إريتريا عنصر غموض خطرًا. فقد دعمت آبي أحمد في الحرب السابقة، ثمّ تدهورت العلاقة بينهما، وزادها توترًا الخلاف بشأن سعي أديس أبابا إلى تأمين منفذ بحري، في ظلّ مخاوف أسمرة على سيادتها. وتتّهم أديس أبابا "الجبهة" بالتقارب مع إريتريا، وهو ما تنفيه "الجبهة". وأي تدخّل إريتري محتمل قد يوسّع النزاع ويعقّد احتواءه، في منطقة تتشابك فيها الخصومات وتتبدّل التحالفات.
بناءً على هذه المعطيات، يبرز الاستنزاف المتعدّد الجبهات بوصفه احتمالًا أقرب من حسم سريع لأيّ طرف، خصوصًا إذا تماسك التحالف ميدانيًا. وتبقى فرصة الاحتواء مرتبطة بوقف التصعيد وإعادة فتح الملفات التي تركها اتفاق بريتوريا معلّقة، بضمانات تنفيذ واضحة. فإقليم ما زال يحتضن نحو مليون نازح، بعد حرب أودت بحياة نحو 600 ألف شخص وفق الاتحاد الأفريقي، يدخل المواجهة الجديدة منهكًا. وكلّ تأخير في التسوية يمنح منطق الحرب وقتًا إضافيًا لترسيخ نفسه.