تعلّمنا أدبيات الاستخبارات، أن أخطر ما في الصراعات ليس ما يحدث في الميدان، بل ما يُسمح له بأن يتراكم في الظل. ففي بعض الحالات، لا يكون التغاضي عن نمو التهديد دليلاً على العجز، بل جزءاً من إدارة أوسع للصراع للوصول الى الأهداف الكبرى؛ إذ يمكن لترك الخطر يتضخم أن يتحوّل، مع الوقت، لمبرر سياسي وعسكري لتحقيق أهداف استراتيجية وتغيير اسس جغرافية وسياسية ثابتة .
ومن هنا تبدأ القراءة المختلفة لما يجري على الحدود الجنوبية للبنان. فالسؤال لم يعد: لماذا سمحت إسرائيل لحزب الله، ومن ورائه إيران، ببناء هذه التحصينات على حدودها؟ طالما أثبتت التطورات، من عملية «البيجر» إلى معرفة أماكن اختباء السيد حسن نصرالله وبقية القادة، وصولًا إلى معرفة تفاصيل الأنفاق وامتداداتها، أنها كانت تراقب وتعلم بدقة متناهية تفاصيل ما يحدث.
بل السؤال الأخطر اليوم هو: ما هي الأهداف الاستراتيجية التي أرادتها إسرائيل من تضخيم قوة حزب الله وصورته أمام الرأي العام العالمي؟ وهل كان أركان الدولة اللبنانية، منذ عهد الرئيس إميل لحود وصولًا إلى عهد الرئيس ميشال عون، أدواتٍ استُغل هوسها بالسلطة لتسهيل مشروع أكبر؟ وهل وظّفت إسرائيل أطماع النظام الإيراني في بناء الإمبراطورية الخمينية الكبرى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في لبنان والمنطقة؟
في عام 1919، وفي سياق مؤتمر الصلح في باريس، طرح حاييم وايزمن تصوّراً للحدود الشمالية لفلسطين، ربط فيه الأمن والموارد والمياه بالجغرافيا الممتدة نحو جنوب لبنان ومجرى الليطاني ومشارف جبل الشيخ. وبصرف النظر عن مدى قابلية ذلك التصور للتطبيق آنذاك، فإن أهمية الفكرة اليوم لا تكمن في الوثيقة وحدها، بل في السؤال الذي تتركه خلفها: هل يمكن أن تعود خرائط قديمة واستراتيجيات صهيونية مر عليها أكثر 100 عام إلى الحياة عندما تتوافر لها ظروف سياسية وعسكرية جديدة؟
هنا يصبح الجنوب أكثر من مجرد جبهة. يصبح مساحة تتقاطع فيها ثلاثة عناصر شديدة الحساسية: الأمن، والجغرافيا، والمياه.
فالجغرافيا لا تتغير بسهولة بقرار سياسي، والمياه لا تُعاد صياغة خرائطها ببيان دبلوماسي، والسيطرة على الأرض لا يمكن تسويقها دولياً لمجرد أنها رغبة استراتيجية. لكن الأمر يتغير عندما تنشأ حالة توصف بأنها «ضرورة أمنية» و«خطر استراتيجي». عندها يمكن أن يتحول الإجراء الاستثنائي إلى إجراء دفاعي، ويتحول الاحتلال المؤقت إلى «منطقة عازلة»، وتتحول إعادة ترتيب الواقع الجغرافي إلى «تدبير وقائي» وهنا تكمن الفكرة الأكثر خطورة.
ربما لا تكون المشكلة في وجود الذريعة، بل في طريقة صناعتها عبر الزمن.
فإذا كان وجود تهديد عسكري من حزب الله على الحدود يمنح إسرائيل مبررًا للتحرك، فإن السؤال الأعمق يصبح: لماذا غضّت إسرائيل الطرف عنه طوال هذه الفترة؟ ولماذا روّجت عمدًا لصورة ضعفها، حتى توهم جمهور حزب الله أنها «أوهن من بيت العنكبوت»؟. حتى إن السيد حسن نصرالله كان يفتخر، في إطلالاته، بمسيرة «الهدهد» التي تصوّر أرض العدو بلا حسيب ولا رقيب، إلى حدّ أن العالم نفسه انشغل بإمكان أن تتمكّن هذه المسيرة من إحداث كارثة نووية، في حال قرر حزب الله استُهدِاف مفاعل ديمونا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصواريخ المتعددة الأسماء، من «زلزال» و«فجر» وسواها من أفراد «العائلة» الصاروخية الإيرانية، التي كان السيد حسن نصرالله يلوح في اطلالاته التلفزيونية أنها قادرة، ساعة يشاء، على تدمير مستودعات الأمونيا في حيفا. ثم لماذا استهدفت إسرائيل، في حرب تموز 2006، منشآت الدولة اللبنانية أكثر مما استهدفت قواعد حزب الله؟ أم أن تعمّد تضخيم الخطر وتحويل الدولة الشرعية الى دولة فاشلة كان، بحد ذاته، أداةً لخدمة هدف استراتيجي أكبر؟
هذه ليست دعوة إلى تبنّي نظرية مؤامرة، فالمؤامرة تقوم على افتراضات غير قابلة للإثبات، بينما التحليل ينطلق من الوقائع والأنماط والنتائج. إنها دعوة إلى قراءة أعمق للسلوك الاستراتيجي؛ فالدول لا تُحاكم فقط بما تعلنه، بل بما تفعله وما تسمح بتكراره، والأهم بما تفضي إليه أفعالها من نتائج.
وهنا تصبح المقارنة أكثر إثارة: ماذا لو كان غضّ الطرف أقل كلفة من المواجهة، وفي الوقت نفسه أكثر فائدة على المستوى الاستراتيجي؟ ماذا لو كان تقبل الخطر على المدى القصير قادراً، بعد سنوات من التراكم، على إنتاج «الفرصة الذهبية » لتغيير التاريخ والجغرافيا وبدعم دولي؟
عند هذه النقطة، يصبح الصمت نفسه جزءاً من المعادلة.
ففي السياسة الدولية، لا تحتاج المشاريع الكبرى إلى إعلان مسبق. أحياناً يكتفي العقل الاستراتيجي بالسماح أن تتراكم الوقائع الصغيرة: سلاح يزداد، حدود تصبح أكثر هشاشة، قرى تُفرغ، منطقة تتحول إلى جبهة، سكان يغادرون، جيش يفقد القدرة على الانتشار، وسلطة مركزية تتراجع. ثم يأتي حدث أمني كبير ليمنح كل هذه التراكمات معنى جديداً....عندها، لا يعود السؤال: هل يحق لك تغيير الواقع؟ بل: كيف تمنع الخطر من العودة؟ وهذه هي النقلة الأخطر في قواعد اللعبة.
الاستراتيجية هي أن ينجح فريق ما في تحويل مشكلة أمنية إلى «ضرورة جغرافية» عندها لا يعود مضطراً إلى الدفاع عن طموحه القديم بل يكفيه أن يقدم الواقع الجديد باعتباره نتيجة اضطرارية لواقع صنعته الحرب.
ومن هذه الزاوية، قد تكون قضية الليطاني أعمق من مجرد مسألة مياه، وقد يكون الجنوب أكثر من مجرد شريط أمني. فالجغرافيا التي تبدو اليوم خط تماس قد تتحول غداً إلى ورقة تفاوض، ثم إلى منطقة عازلة، ثم إلى أمر واقع، إذا تضافرت الظروف الدولية والإقليمية والداخلية.
لذلك، فإن القراءة السطحية تسأل: لماذا لم توقف إسرائيل حزب الله في وقت أبكر؟
أما القراءة الأعمق فتسأل: هل كان المطلوب دائماً منعه، أم احتواء نموّه ضمن سقف يخدم إنتاج واقع جديد عندما يحين الوقت؟
لا نملك إجابة قاطعة عن هذا السؤال. لكن مجرد طرحه يغيّر زاوية النظر بالكامل.
فالخرائط القديمة لا تحتاج دائماً إلى أن تُنفّذ كما كُتبت. يكفي أحياناً أن تنتظر الظروف التي تجعل جزءاً منها يبدو، في لحظة معينة، وكأنه حل لمشكلة أمنية لا تنفيذ لمشروع جغرافي.
عندها لا تعود الجغرافيا تُفرض بالقوة وحدها بل تُعاد كتابتها بالوقائع.