جوزيف حبيب

الكسور الخائنة

3 دقائق للقراءة
يخدم قديروف أجندة الكرملين في الداخل والخارج على السواء (رويترز)

في قصره الرئاسي في غروزني، انتظر رمضان قديروف بقلق عميق نتائج الانتخابات المصيرية مطلع هذا الأسبوع. وارتسمت الخيبة على محيّاه حين بلغه النبأ المفجع: 0.15 في المئة من الشيشانيين لا يحبّون بطلهم القدير، فيما لم يمنحه ثقتهم الكاملة سوى 99.85 في المئة! احتفل قديروف بولايته الخامسة وفي قلبه حسرة: ما الذي يدفع فرقة ضالّة إلى رفض الدرب المرسوم لجمهوريّتنا العزيزة داخل روسيا الأبيّة؟ لعلّ الإجابة عن هذا السؤال تستدعي خلوة فكرية وفلسفية طويلة في جبل تيبولوسمتا الشامخ. أقلية تائهة، لا تعرف قيمة قائدها، شوّهت صورته البهيّة! لكنّ زعيم الشيشان يُدرك أن الأمل لا يزال قائمًا، فيمضي بعزم نحو تحقيق حلمه.

اتّخذ الرجل قراره الحاسم باكرًا، وسيبذل كلّ ما أوتي من قوّة لإعادة الخوارج إلى بيت الطاعة. فلا مستحيل عنده، وأرقامه قابلة للتحسين عند التجديد لولاية سادسة! رَضِيَ قديروف بنسبة 99.73 في المئة عام 2021، واجتهد طوال خمس سنوات لبلوغ نسبة أعلى، فتقدّم 12 جزءًا من المئة نحو عرش "التفويض الشعبي المطلق". وإذا تقدّم بالمقدار نفسه فحسب عام 2031، فسيكون قد حصد 99.97 في المئة من الأصوات، ولن يتبقّى له سوى 0.03 في المئة من الشاردين القابلين للهضم السريع! واللافت حقًّا أنّ أنظمةً ما زالت، في عام 2026، تتباهى بأرقام تصلح لقياس نقاء المعادن، لا لاستطلاع خيارات المواطنين.

لا يُخطئنَّ أحدٌ الحساب في تقدير مكانة قديروف ومهمّاته. فوراء هذه التراجيكوميديا الرقمية معادلة نفوذ وسلطة بالغة التعقيد والجدّية. يؤدّي الرجل دورًا محوريًّا في تثبيت سيطرة موسكو على الشيشان، تلك المنطقة المشاكسة التي استنزفت المركز الروسي سابقًا بتمرّدها الدموي ومحاولتها الانفصال. يثق "القيصر" بوتين بالزعيم الشيشاني وبحنكته، وقد منحه صلاحيات واسعة مقابل ضمان استقرار الشيشان وبقائها تحت السقف الروسي. ويعرف قديروف كيف يُدير اللعبة القذرة في مجتمع قاسٍ عاش المآسي واختبر العنف. وفي نظر الكرملين، تكمن قيمة الرجل في قدرته الهائلة على إحكام القبضة السياسية والأمنية على جمهورية معروفة بصعوبة مراسها.

يخدم قديروف أجندة الكرملين في الداخل والخارج على السواء. فقد أسدى لموسكو خدمات دعائية وعسكرية لا تُحصى، بعدما حوّل الشيشان من بؤرة إرهاب وصراع إلى خزّان يرفد الآلة العسكرية الروسية بمقاتلين أشدّاء. وعزّز رصيده لدى بوتين من خلال دوره في الحرب المستمرّة ضدّ أوكرانيا وموقفه الحازم من تمرّد "فاغنر"، حين أبدى استعداده لقتال الخارجين عن الطاعة وإحباط انتفاضة بريغوجين العسكرية، التي وجّهت صفعة مدوّية لبوتين وأذهلت العالم لساعات، قبل أن تنجو روسيا من حمّام دم. يُتّهم قديروف بتدبير عمليات اختطاف وتصفية تطول معارضيه أينما حلّوا. لكن ذلك لا يهمّ! فنجل الراحل أحمد يحتفظ بحظوته لدى بوتين ما دام على ولائه له. لقد فاز فوزًا ساحقًا وكسب ثقة الشيشانيين العمياء، بيد أنّ حقيقة أرقامه القياسية تبقى مدفونة خارج صناديق الاقتراع.