في العشاء السنوي الأربعين لفريق العمل الأميركي المعني بلبنان في واشنطن، ألقى السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، خطابًا وصف فيه الانفتاح الدبلوماسي الحالي مع إسرائيل بأنه فرصة استثنائية بالغة الأهمية، وربما عابرة، لإعادة تشكيل الأمن اللبناني ونظامه السياسي وعلاقته بواشنطن نفسها. لم تكن مداخلة عيسى مجرد مناشدة تقليدية للمساعدة، بل رسمت ملامح استراتيجية أميركية جديدة في عهد ترامب: التقدم الدبلوماسي الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الضغط الأميركي، والدعم السياسي رفيع المستوى، والتزام لبناني متجدد بالسيادة والإصلاح المؤسساتي.
بدأ عيسى خطابه بشعورٍ بأهمية الفرصة المتاحة: "لقد حانت لحظة جديدة، وهذه المرة يجب ألا ندعها تفوتنا". لم تكن هذه العبارة مجرد شعار. استهدف هذا الخطاب قلقًا لبنانيًا متأصلًا، يتمثل في أن كل تقدم ظاهري سيُقمع، كما في السابق، بسبب الصراعات الإقليمية، أو الاعتراضات الطائفية، أو التدخلات الخارجية.
لكن حجة عيسى كانت تتجاوز مجرد إدارة الأزمات. فقد أصرّ على أن لبنان يمرّ بـ "فرصة حقيقية للتغيير" بعد سنوات من تدهور الدولة، وضياع المدخرات، وفقدان ثقة الشباب، والهجرة الجماعية لبعض من ألمع عقول البلاد. وبوضع نفسه في صلب الموضوع، تحدث عيسى بصفته "شخصًا وُلد في بيروت"، مستحضرًا الهوية اللبنانية الأميركية التي تُدرك "قوتها الاستثنائية والثمن الباهظ الذي دفعته". وقد مكّن هذا المنظور المزدوج السفير من توجيه رسائل قوية بشأن حزب الله وإيران، وضرورة سلطة الدولة - لا كإملاء أجنبي، بل كمصلحة وطنية لبنانية.
وكانت حجته الأساسية قاطعة: لا يمكن للبنان أن يتعافى على أي جبهة - اقتصاديًا أو سياسيًا أو دبلوماسيًا - ما دامت مؤسساته مُنهكة، و"يمكن اتخاذ قرارات الحرب أو السلام خارج سلطة الدولة اللبنانية".
لعلّ أبرز ما جاء في خطاب عيسى هو وصفه للمسار الدبلوماسي اللبناني الإسرائيلي بأنه قطيعة حقيقية مع الماضي. فقد أكّد أن الوساطة الأميركية، في غضون أشهر قليلة، قد دفعت الحكومتين إلى "حوار جاد" بعد عقود من "العداء وانعدام الثقة والصراع". وحرص عيسى على عدم المبالغة في تقدير التقدم المحرز، قائلاً: "لم نتوصل بعد إلى اتفاق نهائي". لكنه أشار إلى أنه "تم تحقيق خطوات لبناء الثقة"، وأن القضايا الشائكة تُعالج الآن "عبر الدبلوماسية بدلاً من تركها بالكامل لساحة المعركة".
يمثل هذا التأطير تحولاً في الطريقة التي ترغب واشنطن في أن يُنظر بها إلى هذه المحادثات. وقد رفع خطاب عيسى من شأن الدبلوماسية نفسها باعتبارها "وسيلة لإعادة ترتيب سياسي أكثر استدامة".
من اللافت أنه عرّف الهدف بأنه "لبنان ذو سيادة، آمن بحدوده، وإسرائيل آمنة من أي هجوم عبر تلك الحدود". وبإصراره على أن "هذين الهدفين ليسا متنافسين"، كان عيسى يرفض الروايات التي تزعم أن السيادة اللبنانية تعتمد على جهة مسلحة غير حكومية لردع إسرائيل، أو أن الأمن الإسرائيلي لا يتحقق إلا من خلال حرية العمل العسكري الأحادي في لبنان.
المعادلة بسيطة نظرياً، لكنها شاقة عملياً. فهي تتطلب وجوداً للدولة اللبنانية ذات مصداقية في الجنوب، وترتيباً أمنياً تثق به إسرائيل، وعملية سياسية تُقلل من الحاجة إلى الدور العسكري المستقل لحزب الله. كما تفترض أن الحوار قادر على تجاوز العقبات التاريخية التي جعلت الدبلوماسية اللبنانية الإسرائيلية متوترة في بيروت. ومع ذلك، بوصفه العملية الحالية بأنها "تقدم حقيقي"، أوضح عيسى أن واشنطن تسعى إلى بناء زخم سياسي قبل أن يتمكن المعارضون من اعتبارها استسلاماً أو ضرباً من الخيال.
أشاد عيسى صراحةً بالرئيس دونالد ترامب ونائبه فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو لتوفيرهم "القيادة الحاسمة" و"الدعم السياسي اللازم لدفع هذا الحوار قُدماً". كانت الرسالة واضحة: هذه المبادرة الدبلوماسية ليست هامشية، بل هي جوهر السياسة الأميركية الحالية.
وصف عيسى نهج ترامب بأنه بناء السلام من خلال "القوة والوضوح والشجاعة في تحدي المسلّمات التي جمّدت الصراع لأجيال". وأكد أن "القيادة الأمريكية قادرة على تغيير الحسابات، وفتح الأبواب المغلقة، وجمع الأطراف على طاولة المفاوضات، وتحويل ما كان يبدو مستحيلاً إلى أمرٍ قابل للتحقيق". يعكس هذا إيمان الإدارة الأميركية بالدبلوماسية القسرية: فالضغط على إيران وحزب الله لا يُقوّض المحادثات، بل يُمكّنها.
لم تترك تصريحات عيسى المباشرة مجالاً كبيراً للغموض؛ إذ أعلن قائلاً: "لا يمكن السماح لأي حزب سياسي أو تنظيم مسلح باتخاذ قرارات الحرب والسلم خارج سلطة الدولة اللبنانية". ودعا إلى أن يكون الجيش ومؤسسات الدولة الشرعية هي "الضامن الوحيد لأمن لبنان على كامل أراضيه". ولم يتردد في تسمية "النفوذ الإيراني وسلاح حزب الله" باعتبارهما العقبات الجوهرية التي "قدّمت المصالح الخارجية على المصالح الوطنية اللبنانية"، وأضعفت الدولة، وعزلت البلاد، وساهمت في انهيارها.
والأهم من ذلك، شدد عيسى على أن كبح النفوذ الإيراني "ليس موجهاً ضد أي مكون لبناني، بل هو لصالح كل المكونات اللبنانية. فالأمر يتعلق ببناء بلد واحد تحت راية واحدة، يحميه جيش وطني واحد، وتحكمه مؤسسات لا تخضع إلا للشعب اللبناني". وتُعد هذه التفرقة أمراً حيوياً؛ إذ تهدف إلى تحدي الاستقلالية العسكرية لحزب الله دون أن تبدو وكأنها هجوم على الطائفة الشيعية في لبنان ككل؛ وهو نهج في الخطاب يتسم بالأهمية القصوى وفي الوقت نفسه بالمخاطرة والحساسية.
أولى عيسى اهتماماً كبيراً للمغتربين اللبنانيين، داعياً إياهم إلى الاضطلاع بدور جديد: "لبنان اليوم بحاجة إليكم أكثر من حاجته لمجرد عاطفتكم؛ إنه بحاجة إلى مشاركتكم". وحثهم على الإصرار على "الإصلاح والشفافية والمساءلة"، وعلى الاستثمار وتقديم التوجيه، واستخدام نفوذهم في واشنطن لدعم "مؤسسات لبنان الشرعية ولصالح الشعب اللبناني". كما حذر من مغبة مساعدة الجيل القادم "على إعادة بناء النظام نفسه الذي خذل آباءهم"، مؤكداً أن إعادة الإعمار دون إصلاح سياسي تنطوي على خطر تكريس الانهيار.
لقد كان خطاب عيسى في جوهره دعوة لعقد اجتماعي وسياسي لبناني جديد: الدبلوماسية بدلاً من المواجهة التي لا تنتهي، ومؤسسات الدولة بدلاً من السلطة الموازية، والاستثمار القائم على المساءلة بدلاً من المحسوبية، ومستقبل يجد فيه الشباب اللبناني "سبباً للبقاء، وسبباً للعودة، وسبباً للإيمان". ومع ذلك، كان يدرك تماماً أين تقع المسؤولية: "مستقبل لبنان لن يُكتب في واشنطن أو طهران أو أي عاصمة أجنبية أخرى". ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الرؤية قادرة على تجاوز الانقسامات العميقة والتشابكات الإقليمية التي يعاني منها لبنان، غير أن رسالة عيسى كانت واضحة لا لبس فيها: لقد أصبح دعم واشنطن للبنان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً باستعادة السيادة اللبنانية.