خاص - نداء الوطن

الكهرباء بين إصلاحات وزير الطاقة وقيود وزير المال

5 دقائق للقراءة

تفتخر حكومة نواف سلام بإدارة قطاع الكهرباء من دون العودة إلى دعم الخزينة. لكن وقف الدعم والتحول إلى تعرفة تغطي كلفة الإنتاج سبقا تشكيلها، إذ أُقرت التعرفة الجديدة عام 2022 وبدأ تطبيقها في تشرين الثاني من العام نفسه. لذلك، يصعب تسجيل وقف الدعم إنجازاً خاصاً بالحكومة الحالية.

ما يمكن تسجيله هو تحريك إصلاحات بقيت معلقة سنوات طويلة. فقد مضت وزارة الطاقة والمياه، بقيادة جو الصدي، في تطبيق قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462، وشُكّلت الهيئة الناظمة في أيلول 2025، بعد أكثر من عقدين على صدور القانون، بالتوازي مع العمل على تحسين الجباية، ومكافحة التعديات، وإعادة تنظيم القطاع.

لا تعني هذه الخطوات انتهاء الأزمة، ولا تعفي الوزارة من المحاسبة على نتائجها. لكنها تفرض التمييز بين إصلاح القطاع، وهو مسؤولية وزارة الطاقة، وتأمين شروط تشغيله في أزمة استثنائية، وهي مسؤولية تتداخل فيها وزارة المال ومجلس الوزراء.

وبحسب وزير الطاقة، وصلت التغذية في شباط 2026 إلى سبع وتسع ساعات يومياً من دون تحميل الخزينة كلفة تشغيلية إضافية. لكن الحرب الإقليمية والارتفاع الحاد في أسعار النفط بدّلا المعادلة، إذ تضاعفت كلفة إحدى شحنات الفيول، بحسب الصدي. ومع ارتفاع كلفة الإنتاج وثبات التعرفة، باتت إيرادات كهرباء لبنان تشتري كميات أقل من الوقود، فتراجعت ساعات التغذية.

الدولة لا تسدد ما عليها

تطالب الدولة كهرباء لبنان بتمويل نفسها من الجباية، فيما عليها مستحقات للمؤسسة عن استهلاك الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة.

وبحسب أرقام الصدي، بلغت هذه المستحقات 250 إلى 260 مليون دولار حتى نهاية 2025، وكانت ترتفع بنحو 12 مليون دولار شهرياً، لتصل في تموز 2026 إلى 330 أو 340 مليون دولار. وطالب بتسديد 50 مليون دولار شهرياً.

ما تطالب به وزارة الطاقة، وفق الصدي، ليس سلفة جديدة لتمويل خسائر المؤسسة، بل تسديد متوجبات عن كهرباء استهلكتها مؤسسات الدولة. فإذا كان المواطن مطالباً بدفع فاتورته لتمكين المؤسسة من شراء الفيول، لا يستقيم مطالبتها بالتوازن المالي فيما تتأخر جهات عامة عن دفع فواتيرها.

سلفات الأمس وفواتير اليوم

في المقابل، تطرح وزارة المال مسألة السلفات التي حصلت عليها كهرباء لبنان تاريخياً من الخزينة.

فتح هذا الملف ضروري، لكن يجب فصل السلفات القديمة عن الفواتير الحالية. فإذا كانت للخزينة حقوق على المؤسسة، ينبغي تحديدها وتسويتها وفق آلية قانونية ومحاسبية واضحة. وفي المقابل، تحتاج كهرباء لبنان إلى تحصيل إيراداتها الحالية كي تستمر في شراء الفيول.

أما إبقاء الحسابات معلقة خلال أزمة سيولة، فيحوّل الخلاف المحاسبي إلى تراجع في التغذية يدفع المواطن ثمنه.

الإعفاءات والتعرفة

تظهر المشكلة نفسها في إعفاءات الكهرباء التي أقرتها الدولة للمتضررين من الحرب، ولا سيما في الجنوب. هذه الإعفاءات مفهومة اجتماعياً ووطنياً، لكن الدولة التي تقرها يجب أن تحدد أيضاً كيفية تمويلها. وقد أعلن وزير الطاقة أن كهرباء لبنان لم تُعوّض عن قيمتها.

لا يمكن مطالبة المؤسسة بالاستقلال المالي ثم تحميلها كلفة سياسات اجتماعية من دون تأمين مصدر تمويل.

أما التعرفة، فالمعادلة واضحة: إذا ارتفع سعر الفيول وبقيت ثابتة، تشتري المؤسسة وقوداً أقل، فتتراجع التغذية ويزداد اعتماد المواطن على المولد. وكانت خطة التعرفة تنص على مراجعتها دورياً وفق كلفة الإنتاج وأسعار المشتقات النفطية.

لذلك، يجب قياس العبء من خلال مجموع فاتورتي كهرباء الدولة والمولد. فإذا سمحت تعرفة متحركة صعوداً وهبوطاً بزيادة التغذية الرسمية وخفض الاعتماد على المولد، فقد تكون الكلفة الإجمالية على المواطن أقل.

مسؤولية الحكومة لا وزارة واحدة

يحتاج إصلاح الكهرباء إلى سنوات بعد عقود من نقص الاستثمار وتأجيل القرارات. ووزارة الطاقة مسؤولة عن تطبيق القانون، وخفض الهدر، وتحسين الجباية، وجذب الاستثمارات، ويجب محاسبتها على النتائج.

لكنها لا تحدد أسعار النفط، ولا تقرر منفردة تسديد إدارات الدولة فواتيرها، أو تمويل الإعفاءات، أو تعديل التعرفة. لذلك تقع المسؤولية على مجلس الوزراء ككل.

لا يستقيم رفض الدعم، وتجميد التعرفة، وتأخير مستحقات كهرباء لبنان، وعدم تعويض المؤسسة عن أعباء قررتها الدولة، ثم اختزال تراجع التغذية بمسؤولية وزارة الطاقة.

وإذا كانت الوزارة قد بدأت إصلاحات انتظرها القطاع سنوات طويلة، فعلى الحكومة تأمين الشروط المالية التي تسمح بانعكاسها كهرباء فعلية للمواطن. فالانضباط المالي لا يعني الامتناع عن دفع الفواتير، وحماية المواطن لا تتحقق بتجميد فاتورة كهرباء لبنان إذا كانت النتيجة دفع فاتورة أكبر للمولد.

وقد يتحول الخلاف من تقني ومالي إلى سياسي، خصوصاً أن جو الصدي يمثل القوات اللبنانية في الحكومة. فإذا اعتبرت القوات أن وزيرها يتحمل تبعات قرارات لا يملكها منفرداً، فسيصبح توزيع المسؤوليات جزءاً من السجال الحكومي.

عندها لن يكون السؤال من المسؤول عن تراجع التغذية فقط، بل ما إذا كانت حكومة نواف سلام قادرة على مواكبة إصلاحات وزارة الطاقة بقرارات مالية تضمن استمرارها.