ريتا عازار

الحب لا يمنحنا حق امتلاك الآخر

ببغاء أميلي نوثومب يطرح أسئلة الأبوة والوحدة

7 دقائق للقراءة
الروائية أميلي نوثومب

في روايتها "مراهقة الببغاء" (L’adolescence du perroquet)، تنطلق الروائية الفرنكوفونية أميلي نوثومب (Amélie Nothomb) من فكرة قد تبدو، للوهلة الأولى، كوميدية: رجل وحيد يتبنّى ببغاءً صغيرًا، وينتهي به الأمر إلى اعتباره ابنه. لكن وراء هذا الموقف الغريب تكمن قصة أكثر حساسية عن الحب والتبعية والوحدة. تُضحك الرواية، الصادرة حديثًا عن دار "Albin Michel"، قراءها، أحيانًا بشكل صريح، لكنها تترك في الوقت نفسه أثرًا حزينًا. فما يبدو في البداية مجرد قصة عن ببغاء، يتحوّل تدريجيًا إلى تأمل في معنى الحب حين يصبح الآخر كائنًا لا يمكن امتلاكه أو التحكم فيه.

"ألبان" (Alban) شخصية غير عادية. اختار العزلة، ويبدو أنه نظّم حياته بحيث لا يعتمد على أحد. يعمل، ويراقب الأشياء، ويكتب يومياته، ويحافظ على علاقة روحية مع "متحف اللوفر". تبدو حياته مستقرة تحديدًا لأنها تتجنب الاضطرابات الكبيرة. لا يرغب في تكوين أسرة، ولا يسعى إلى تغيير روتينه اليومي. ثم يأتي "جو" (Jo) ليبدّد هذا الهدوء.

ما يجعل العلاقة بين "ألبان" و "جو" مثيرة للاهتمام أنها تبدو منذ البداية شبيهة بعلاقة الأب بطفله. يطعم "ألبان" الببغاء، ويراقب نموه، ويقلق عليه عندما يمرض أو يُترك وحيدًا. يخاطبه كما يُخاطب طفلا رضيعًا، ويتأثر بشدة بأصواته الأولى. وهكذا، يصبح "جو" الطفل الذي لم يرغب "ألبان" يومًا في أن يكون له. وفي هذه المفارقة تكمن إحدى أفكار الرواية الأكثر طرافة وتأثيرًا، فالرجل الذي رفض الأبوة يكتشف فجأة أنه قادر على منح الكثير لكائن يعتمد عليه كليًا.

وتظهر قوة الرواية خصوصًا في رفض نوثومب تقديم هذه العلاقة بوصفها مجرد علاقة عاطفية لطيفة. "جو" ساحر في صغره، لكنه أيضًا مدمّر وعدواني وغيور ومتطلب جدًا. يحطم الأشياء، ويعضّ "ألبان"، ويهاجم أي شخص يدخل عالمه. عندها تصبح العلاقة أكثر تعقيدًا. فالحب لا يختفي عندما يصبح الطرف الآخر صعب المراس، بل قد يصبح أكثر إيلامًا. وربما يكون هذا الجانب الأكثر إنسانية في الرواية. فـ "ألبان" لا يتوقف عن حب "جو" حتى عندما يعاني بسببه. قد يكون غاضبًا أو يائسًا أو منهكًا، لكنه يستمر في إطعامه ورعايته. ومع الوقت، يفهم أن الرعاية لا تقوم على تبادل المنافع. فالأهل لا يطعمون طفلهم لأنه سيشكرهم يومًا ما، بل لأن وجوده أصبح جزءًا من حياتهم ومسؤوليتهم.


أقصى درجات العبث

يبدو تشبيه مرحلة "جو" بالمراهقة شديد الدقة. يصبح مستقلا في سلوكه، فيما يبقى في الواقع معتمدًا كليًا على "ألبان". يرفض من يرعاه، ويبدو أحيانًا أنه يحتقره رغم حاجته إليه. وهذا التناقض مألوف لكل من راقب علاقة الآباء بأبنائهم المراهقين. ببساطة، تدفع نوثومب الموقف إلى أقصى درجات العبث، فتستبدل المراهق البشري بببغاء. وتحول الفكاهة دون انزلاق هذه العلاقة إلى مأساة خانقة. فسلوك "جو" مبالَغ فيه أحيانًا إلى درجة تصبح معها الفوضى مضحكة. كما أنّ التناقض بين الجدية التي يحلّل بها "ألبان" ببغاءه وعبثية المواقف يشكل جزءًا أساسيًا من سحر الرواية.

يستطيع "ألبان" أن يتأمّل في الحرية والأبوة وجمال الروح، فيما ينشغل "جو" بتدمير شقته. وهذا التصادم بين الأسئلة الفلسفية الكبرى والتفاصيل اليومية السخيفة يمنح القصة نبرتها الخاصة. 

وتبرز اللغة بدورها موضوعًا أساسيًا. "جو" ببغاء يقلّد الأصوات البشرية، لكن "ألبان" يبدأ بالتساؤل عما إذا كان هذا التقليد مجرد محاكاة. يلاحظ السياقات التي يستخدم فيها "جو" كلمات أو أصواتًا معيّنة، فينشئ تدريجيًا ما يشبه قاموسًا خاصًا به. ومن هنا، تطرح الرواية سؤالا أوسع حول التواصل: هل يعني فهم الآخر بالضرورة أن نتحدث لغته؟ أم أن هناك أشكالا أخرى من الإصغاء لا تحتاج إلى ترجمة؟


لغة بلا كلمات

وتتحوّل الموسيقى إلى لغة مشتركة حين تعجز الكلمات. يستمع "جو" ويقلّد ويحوّل ويبدع في نهاية المطاف. ويُعدّ المقطع المخصص لأغنيته من أكثر مقاطع الرواية إثارة للاهتمام. فبعد شهور من الصراع، يصل "ألبان" وببغاؤه إلى نوع من المصالحة الصامتة. "جو" يغنّي، و "ألبان" يستمع. ولساعات قليلة، يبدو أنهما ينجحان أخيرًا في التواصل من دون حاجة إلى أن يشرح أحدهما نفسه للآخر. ومنذ تلك اللحظة، يتوقف "ألبان" عن محاولة فهم "جو" بالمنطق، ويكتفي بالاستماع إليه. فربما لا يحتاج الحب دائمًا إلى تفسير الآخر أو الوصول إلى أعماقه، بل إلى القدرة على تقبّل أن جزءًا منه سيظل غامضًا.

أما "متحف اللوفر"، فيحمل بعدًا رمزيًا بالغ الأهمية. يعود إليه "ألبان" كما يعود المرء إلى ملاذ آمن. يمثّل المتحف شيئًا يصمد أمام اختبار الزمن. رحل والداه، وتغيّرت حياته، وانقطعت علاقاته، لكن الأعمال الفنية ما زالت حاضرة.

وفي مقابل "جو"، الحيّ والمتقلّب والعنيف، يمثل "اللوفر" عالمًا أكثر استقرارًا. ومع ذلك، يجد "ألبان" نفسه في اللوحات كما يجد نفسه في ببغائه. حتى المكان الذي اختاره ملاذًا من البشر لا يستطيع أن يحميه من السؤال الذي يطارده في البيت.


غموض الواقع

تبدو نهاية الرواية ناجحة لأنها ترفض الحلول السهلة. فلا توجد مصالحة نهائية، ولا يتحول "جو" إلى ذلك الببغاء الصغير الودود الذي عرفناه في الصفحات الأولى. لا يشكر "ألبان"، ولا يعده بأن كل شيء سيكون على ما يرام. ببساطة، يستمر "ألبان" في حبّه وانتظاره. وهذا الغموض يمنح السرد ملمحًا واقعيًا، رغم جوانبه الخيالية والعبثية. ومع ذلك، يمكن أن يؤخذ على الكتاب شيء من الإطالة في بعض المواضع. فتأملات "ألبان" غالبًا ما تكون لافتة، لكنها قد توحي أحيانًا بأن الحكاية تتوقف لتفسح المجال لاستطراد فلسفي. وتميل نوثومب إلى الجمل الحادة والمفارقات المنطقية، إلى درجة تبدو معها الشخصية أحيانًا أقرب إلى كاتب مقالات منها إلى رجل يعيش الموقف الذي يصفه.

سيجد بعض القراء في ذلك جزءًا من فرادة الرواية، فيما قد يشعر آخرون بأن التأمّل يتقدم أحيانًا على السرد. لكن هذا التحفظ لا يقلل من أصالة الكتاب. تنجح نوثومب في تحويل قصة غير محتملة إلى تأمّل في مشاعر عادية جدًا: الخوف من فقدان شخص عزيز، وصعوبة التخلي عمّن نحب، والوحدة، والحاجة إلى الحنان، والشعور بالذنب. كلّها مشاعر تتجاوز غرابة الحكاية.

"جو" ليس مجرد ببغاء. إنه ذلك الآخر الحبيب الذي لا نملك مفاتيح حياته، والذي قد يبتعد عنا حتى وهو لا يزال جزءًا من يومياتنا. ووراء الصراخ والدمار والمواقف العبثية، يبقى رجل اكتشف، على نحو لم يكن يتوقعه، أنه قادر على الحب. وربما كان عليه أن يتعلّم، في المقابل، أن بعض الروابط لا تُحفظ بالسيطرة، بل بترك مساحة للآخر كي يبقى آخرًا.

وهنا تكمن مفارقة الرواية الأكثر رقة. يبدأ "ألبان" حياته حريصًا على ألا يحتاج إلى أحد، وينتهي متعلقًا بكائن لا يستطيع حتى أن يعرف تمامًا ما يدور في رأسه. وبين البداية والنهاية، لا يتعلّم كيف يفهم "جو" بقدر ما يتعلّم كيف يعيش معه.


الروائية في سطور

أميلي نوثومب كاتبة بلجيكية تكتب بالفرنسية، وُلدت عام 1966 في كوبي باليابان لعائلة دبلوماسية، وعاشت طفولتها وشبابها في بلدان عدّة، بينها اليابان والصين والولايات المتحدة الأميركية وبنغلاديش. وقد انعكست هذه التجربة في أعمالها التي تتناول الهوية والوحدة والصراعات الثقافية والعلاقات الإنسانية. صدرت روايتها الأولى "Hygiène de l’assassin" عام 1992، ومنذ ذلك الحين أصبحت من أبرز الأصوات في الأدب الفرنكوفوني المعاصر، مع إنتاج غزير يقارب رواية سنوية. ومن أشهر أعمالها "Stupeur et tremblements" و "Métaphysique des tubes" و "Ni d’Ève ni d’Adam" و "Soif" و "Premier sang"، التي نالت جائزة "رينودو" عام 2021. يتميّز أسلوبها بالمفارقة والفكاهة السوداء والمواقف العبثية، التي تستخدمها لطرح أسئلة عميقة حول الحب والهوية والوحدة والحرية.

نوثومب على غلاف الرواية