كان هناك زمن كنّا فيه مشتّتي الذهن، أو غافلين، أو كسالى، أو سريعي التأثّر، أو متقلّبي المزاج، أو خجولين، أو مهووسين بشيء ما، أو ببساطة في مزاج سيّئ. ربما كان طبعنا حادًّا، أو استيقظنا "على الجانب الخطأ من السرير"، أو نسينا مفاتيحنا، أو فقدنا نظاراتنا بينما كانت تعلو أنوفنا، ومع ذلك، كان بإمكاننا قضاء يوم كامل من دون الحاجة إلى استشارة مختصّ لمعرفة "ما الخطب؟". كنّا نستعير من الفنان محمد شامل عبارته الشهيرة: "الدنيا هيك"!
أما اليوم، وفي زمن "الريّس تيك توك" وما سبقه من وسائل التواصل الاجتماعي، وزمن "اللايف كوتش" المنتشرين في كل مكان كالبزّاق بعد المطر، فقد دخلنا عصر التشخيص المستمر، والتشريح النفسي الوقائي، حيث باتت "الاعتلالات" حاضرة في كل تفصيل. ممنوع أن نكون على طبيعتنا؛ علينا أن نعرف: "ماذا في البرازيل؟" أو بالأحرى "ممّا نعاني؟".
نسينا موعدًا؟ إيّانا أن نتحجّج بأننا مجرّد أشخاص غافلين ومشتّتي الذهن، فربما نكون مصابين بـ "اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط" (ADHD). وماذا إن عانينا مرة صعوبة في إنهاء ملف عمل، وبدأنا ثلاث مهام في آن واحد بينما نتخلّى عن أربع أخرى؟ في الماضي، كان المقرّبون سينصحوننا بتنظيم أمورنا، أما اليوم، فيدعوننا إلى استكشاف "اختلافنا العصبي" (neurodivergence). يا لطيف!
لكن، الرجاء الانتباه: أنا لا أقول إن هذه الاضطرابات وسواها غير موجودة، فهي موجودة بالفعل، وقد تكون معطّلة للحياة بشكل قاسٍ جدًا، ومَن يعانون منها يستحقّون التفهّم والدعم والرعاية الطبية. ومع ذلك، ثمّة أمر مثير للدهشة في عصرنا هذا، حيث يبدو أننا اكتشفنا أن الإنسان ليس آلة تعمل بدقّة متناهية وبسلاسة تامة.
إجازة أم ماذا؟
في نهاية المطاف، مَن منّا لم يرغب يومًا في الهروب من محادثة، أو رمي هاتفه من النافذة، أو البقاء في الفراش صباح يوم الاثنين، أو التوقّف عن الردّ على أي شخص لمدة ثلاثة أيام؟ في الماضي، كنّا نسمّي هذا "الحاجة إلى إجازة". أما اليوم، فقد نكتشف فجأة "متلازمة" لم يسمع بها أحد قبل ليلة واحدة!
لقد ظهرت مصطلحات مثل "الانهيار الوظيفي" (burn-out)، و "الانهيار الناجم عن الملل" (bore-out)، و "الانهيار الناجم عن فقدان المعنى" (brown-out). فنحن نعمل أكثر من اللازم، أو أقل من اللازم، أو نعمل من دون أن نفهم حتى لماذا نعمل. باختصار، أصبح العمل بحدّ ذاته مرضًا. كان هناك زمن نذهب فيه إلى المكتب لكسب عيشنا، أما اليوم، فقد نذهب إليه أحيانًا لنفهم لماذا لم نعد نرغب في عيش هذه الحياة!
أيّ مدير في العمل يبدي شيئًا من سوء الطباع يُصنَّف فورًا كـ "شخصية نرجسية خبيثة". وأيّ حماة تتّسم بشيء من الحزم تُوصف بأن لديها "نزعات سامة". أما الجار الذي لا يلقي علينا التحية، فمن المحتمل أنه يمارس "سلوك التجنّب". وبالنسبة إلى الصديق الذي لا يردّ على رسالتنا عبر "واتساب" خلال ثلاث دقائق، فقد يكون بذلك يمارس ضدّنا نوعًا من "العنف العاطفي".
لقد اكتشفنا أيضًا أننا جميعًا نحمل في داخلنا "صدمات" نفسية. لا بد من التأكيد أن شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل لافت في هذا المشروع الضخم لتصنيف البشر. فمن خلال مقاطع فيديو لا تتجاوز بضع دقائق، بات بإمكان أي شخص أن يكتشف في نفسه أعراضًا لخمسة عشر اضطرابًا، في تشكيلة نفسية تشبه "علبة البوظة المشكّلة". إن كنّا نحبّ أن تكون الأشياء منظّمة ومرتّبة، فربما نكون من جماعة اضطراب الوسواس القهري. وإن كنّا نكره إجراء المكالمات الهاتفية، فعلى الأرجح أننا نعاني من الرهاب الاجتماعي. وإن كنّا نفضّل الوحدة، فلا شكّ أن لدينا مشكلة في التعلّق. وإن كانت تطيب لنا صحبة الآخرين، فقد نكون نبحث عن ثقة تأتينا على متن طائرة مكتظّة بالأصدقاء!
سوء النية محظوظ
لقد اختفت كلمة "الخجل" من قاموسنا تقريبًا، وحلّ محلّها مصطلح "الرهاب الاجتماعي". أما الحزن، فقد أُطلق عليه أحيانًا اسم "الاكتئاب"، وتحوّل التوتّر العصبي إلى "اضطراب قلق"، وصار نفاد الصبر يُصنَّف كـ "صعوبة في تنظيم الانفعالات"، بينما أصبحت الغيرة "مشكلة في التعلّق". ولحسن الحظ، لم يُصنَّف "سوء النية" (أو المراوغة) بعدُ مرضًا رسميًا، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن تصنيفه كذلك سيستدعي إدخال جزء كبير من البشرية إلى المستشفيات! وقد نصل قريبًا إلى مرحلة نحتاج فيها، قبل طلب طبق "أومليت" في مطعم، إلى جلسة مصارحة مع أنفسنا لمعرفة ما إذا كانت رغبتنا في تناول البيض نابعة من الجوع فعلا، أم من صدمة غذائية لم نتعافَ منها بعد.
ثم هناك ذلك الهوس الجديد بمفهوم "الحدود الشخصية"، فالجميع يضعون حدودًا لأنفسهم، حتى بات الأمر أشبه بنشاط وطني عام. لم يعد الناس يقولون "لا" ببساطة، بل أصبحوا يتحدّثون عن "حماية مساحتهم الخاصة". لم نعد نرفض الدعوات، بل أصبحنا "نُعلي من شأن احتياجاتنا". ولم نعد نقول إننا لا نرغب في رؤية شخص ما، بل نختار "الحفاظ على طاقتنا". لا بد من الاعتراف بأن هذا التعبير رائع: "الحفاظ على الطاقة". كم يذكّرنا بأغنية الصبوحة "يا إمي طلّ من الطاقة"!
حتى التعب بحدّ ذاته بات أمرًا مريبًا. في الماضي، كان المرء يقول ببساطة: "أنا متعب"، ثم يخلد إلى النوم. أما اليوم، فنحن نسعى إلى تصنيف هذا التعب: هل هو جسدي، أم ذهني، أم عاطفي، أم مزمن، أم هرموني، أم وجودي، أم ناتج عن "عبء معرفي" زائد؟ لم يتبقَّ سوى "التعب الإداري" ليكتمل المشهد!
لقد أصبحنا أيضًا شديدي اليقظة تجاه ما يدور في دواخلنا، فنحن نحلّل ردود أفعالنا، وأفكارنا، ومشاعرنا، وصمتنا، وحتى نظراتنا. لقد بلغ بنا الإفراط في مراقبة ذواتنا حدّ فقدان القدرة على العيش بعفوية، إذ يمكننا الآن أن نقضي أمسية كاملة ونحن نتساءل: "لماذا لم نستمتع بهذه الأمسية؟".
عيب في التصنيع
ومن فرط سعينا لنصبح "نسخة أفضل" من أنفسنا، انتهى بنا المطاف إلى النظر إلى "النسخة الأصلية" على أنها مجرّد "عيب في التصنيع".
ماذا سيحلّ بأجدادنا لو عادوا ليعيشوا بيننا اليوم؟ سيكتشفون أن حفيدهم لا يرتّب غرفته لأنه يعاني من "صعوبات في الوظائف التنفيذية"، وأن حفيدتهم لا تردّ على الهاتف لأنها تحرص على "حماية صحتها النفسية"، وأن جارهم لم يعد يأتي لتناول القهوة لأنه قرّر "الحدّ من التفاعلات التي تستنزف طاقته". من المؤكّد أنهم سيهرولون للعودة صوب الأبدية ليشربوا قهوتهم "ع الرايق"!
ربما علينا أن نتوقّف قليلا عن البحث عن أمراضنا في كل زاوية من زوايا شخصياتنا. فليس كلّ مَن يختلف معنا نرجسيًا، وليس كلّ مَن يرفض دعوتنا يمارس العنف العاطفي، وليس كلّ مَن يفضّل البقاء في منزله يعاني من مشكلة في التعلّق. أحيانًا يكون الأمر أبسط بكثير، فنحن فقط بشر، ولسنا مشروعًا علاجيًا مفتوحًا على مدار الساعة. قد يأتي يوم نذهب فيه إلى الطبيب ونقول له: "دكتور، نشعر بأننا طبيعيون"، فينظر إلينا بقلق، ويطلب إجراء مجموعة من الفحوصات، لأن الشعور بالطبيعية في هذا العصر قد يكون، بحدّ ذاته، مؤشّرًا يستحقّ المتابعة!