بعد موجة ارتفاعات دفعت الذهب إلى مستويات قاربت 4600 دولار، عاد المعدن الأصفر إلى مسار هبوطي ليبلغ نحو 4150 دولارًا، في حركة تعكس تبدّل موازين القوى داخل الأسواق العالمية. فارتفاع عوائد السندات الأميركية، وتغيّر توقعات أسعار الفائدة، إلى جانب تشدد ظروف السيولة، كلها عوامل أعادت الضغط على الذهب بعدما استفاد لفترة من تدفقات المستثمرين والطلب الرسمي.
تواجه الأسواق اليوم معادلة معقدة، مع ارتفاع كلفة الطاقة وتزايد الاحتياجات التمويلية للدول، ما يحدّ من قدرة بعض المشترين التقليديين على مواصلة تعزيز حيازاتهم من الذهب بالوتيرة السابقة. وبين استمرار مشتريات البنوك المركزية من جهة، وارتفاع جاذبية الأصول المدرة للعوائد وتنامي الحاجة إلى السيولة من جهة أخرى، يتموضع الذهب أمام اختبار جديد لمساره السعري، فيما تبقى التطورات النقدية والمالية العالمية العامل الأكثر حسمًا في تحديد اتجاهاته المقبلة.
بعدما تحرّك لفترة ضمن نطاق عرضي تراوح بين 4000 و4400 دولار، عاد الذهب ليسجّل ارتفاعًا إلى حدود 4600 دولار، قبل أن يعاود الانخفاض مجددًا إلى 4150 دولارا. وفي قراءة لمسار المعدن الأصفر والعوامل التي تضغط على أسعاره، يلفت الخبير الاقتصادي نديم السبع إلى أن "التراجع الراهن لا يرتبط بعامل واحد، بل يأتي نتيجة تداخل مجموعة من التطورات الجيوسياسية والنقدية والمالية، بالتوازي مع تنامي ضغوط السيولة العالمية".
الغموض الأميركي ـ الإيراني
يشرح السبع لـ"نداء الوطن"، أن "الذهب كان يتحرك ضمن نطاق عرضي بين 4000 و4400 دولار، قبل أن يرتفع إلى 4600 دولار ويعاود الهبوط"، معتبرًا أن "مجموعة من العوامل تقف وراء هذا المسار".
ويضع في مقدمة هذه العوامل "استمرار الغموض بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران"، في ظل عدم وضوح مسار التطورات المقبلة، مشيرًا إلى أن "المخاوف من عودة الضربات بعد الانتخابات الأميركية ارتفعت، وهو ما يضيف مستوى جديدًا من عدم اليقين إلى الأسواق".
لكن العامل الجيوسياسي، بحسب السبع، "ليس وحده المسؤول عن تراجع الذهب، إذ تتقدم السياسة النقدية الأميركية كعامل ضاغط بصورة مباشرة على المعدن الأصفر".
الفائدة الأميركية تضغط
يشير السبع إلى أن "رفع الفيدرالي الأميركي لتوقعات معدلات الفائدة" انعكس سلبًا على الذهب، بالتزامن مع إعادة الأسواق تسعير مسار الفائدة. فكلما ارتفعت توقعات أسعار الفائدة، ازدادت الضغوط على الذهب، في ظل منافسة الأصول ذات العوائد المرتفعة لجاذبية المعدن الذي لا يدرّ عائدًا.
وفي السياق نفسه، يتوقف عند "ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، ولا سيما سندات السنوات العشر، معتبراً أن بلوغ العائد مستويات مرتفعة (5.2) يجعل السندات أكثر جذباً للمستثمرين، ويؤدي في المقابل إلى تحويل جزء من السيولة بعيداً من الذهب".
ويلفت إلى أن "هذه الحركة في سوق السندات تحمل أيضًا مؤشرات على طبيعة الوضع النقدي والمالي في الولايات المتحدة، في ظل العجز المالي الكبير، ما يضيف مزيدًا من الضغوط إلى الأسواق والأصول، ومن ضمنها الذهب".
مشتريات البنوك المركزية مستمرة
رغم هذه الضغوط، يؤكد السبع أن "أحد أبرز العوامل الداعمة للذهب، والمتمثل في مشتريات البنوك المركزية، لا يزال قائمًا". إلا أن المشكلة الأساسية تكمن، برأيه، "في السيولة المتاحة عالميًا، والتي بدأت تؤثر في قدرة عدد من الدول على مواصلة شراء الذهب بالمستويات السابقة".
ويشرح أن "ارتفاع أسعار النفط أدى إلى زيادة كبيرة في الفاتورة النفطية للدول المستوردة، الأمر الذي فرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها المالية. فالدول التي كانت تنفق مبالغ كبيرة على شراء الذهب باتت أمام حاجة متزايدة إلى تأمين السيولة لتغطية فاتورة الطاقة وسداد الديون وتجنب التخلف عن الدفع".
أزمة السيولة
يشير السبع إلى أن "أزمة السيولة لم تقتصر على تباطؤ عمليات شراء الذهب، بل وصلت إلى حد دفع بعض الدول إلى التخارج من حيازاتها". ويستشهد في هذا الإطار "بالبنك المركزي التركي، الذي يتجه، بحسب قراءته، إلى بيع جزء من الذهب نتيجة حاجته إلى السيولة".
ويؤكد أن "هذه التطورات تضاف إلى مجموعة العوامل الضاغطة على المعدن الأصفر، من ارتفاع أسعار النفط، إلى الحاجة المتزايدة للسيولة، مرورًا بارتفاع عوائد السندات وإعادة تسعير توقعات الفائدة الأميركية، فضلاً عن استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي".
التريث مطلوب…
أما بالنسبة إلى المرحلة المقبلة، فيرى السبع أن "المعطيات الحالية لا تشجّع، في المدى القصير إلى المتوسط، على الإسراع في شراء الذهب"، مرجحًا "استمرار الضغوط على الأسعار".
ويقول إن "الأمور ليست متجهة في الفترة القصيرة إلى المتوسطة نحو شراء الذهب"، داعيًا إلى "التريث، في ظل وجود مؤشرات على إمكانية تسجيل مزيد من الانخفاض".
وبحسب السبع، فإن "الذهب قد يعود إلى مستوى 4000 دولار، مع إمكانية أن يتراجع إلى ما دون هذا المستوى أيضًا، إذا استمرت العوامل الحالية المؤثرة في الأسواق، ولا سيما ارتفاع الفائدة والعوائد، وضغوط السيولة العالمية، وتراجع قدرة بعض الدول على مواصلة عمليات شراء الذهب بالمستويات السابقة".
وتبقى حركة الذهب في المرحلة المقبلة رهنًا بتطورات الفائدة الأميركية، وعوائد السندات، ومستويات السيولة العالمية، إلى جانب قدرة البنوك المركزية على مواصلة الشراء بالوتيرة السابقة. وبينما لا تزال عوامل الدعم موجودة، فإن استمرار الضغوط النقدية والمالية قد يبقي المعدن الأصفر في دائرة التراجع، مع احتمال اختبار مستوى 4000 دولار أو النزول دونه، وفق تقديرات السبع. وعليه، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى مرحلة ترقّب، بانتظار اتضاح اتجاه الأسواق والعوامل المؤثرة في حركة الذهب.