هذا ما أمر به أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم السلطةَ التنفيذية والقيادات، في خطابه خلال ذكرى مرور سنتين على رحيل نصرالله: اِصمتوا. ولفهم ما تعنيه هذه الكلمة، أريد أن أعود إلى مثال سبق أن استخدمته في مقال سابق من كتاب فاتسلاف هافل "قوة المستضعفين".
يروي هافل قصة بائع خضار يعلّق في واجهة متجره شعارًا للنظام الشيوعي. لم يكن مطلوبًا منه أن يؤمن بالشعار، ولا حتى أن يصدّقه. كان المطلوب فقط أن يعلّقه، وأن يتصرّف بقناعة كما لو أنه يؤمن به.
وهكذا لا تعيش المنظومة بالكذبة وحدها، بل بامتثال الناس لها، حتى لو لم يصدّقوها، بأن يرفعوا شعاراتها، ويتصرّفوا على أساسها، ويقبلوا بأن يصبح التناقض بين ما يصدّقونه، أو لا يصدّقونه، وما يفعلونه جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة.
ومن هنا أقرأ المشهد اللبناني، وأقرأ رسالة نعيم قاسم إلى الدولة بكلمة واحدة: اِصمتوا.
ليس المقصود أن تتوقفوا عن الكلام. تكلّموا كما تشاؤون. ألقوا الخطب، وأصدروا البيانات، وتحدثوا عن السيادة والدستور، وحصرية السلاح، وقرار الحرب والسلم: لكن لا تفعلوا شيئًا.
يخرج الشيخ نعيم قاسم ليقول إن "المقاومة" مستمرة، ويضع شروطه للبحث في حصرية السلاح، ثم يقول للدولة ان قرار الحرب والسلم لها. ويأتي المفتي أحمد قبلان ليكرّس المعادلة نفسها من زاوية أخرى، حين يقول إن "الجيش والمقاومة ضمانة"، ويقدّم سلاح المقاومة باعتباره ضرورة سيادية ودفاعية. بل يوجّه كلامه مباشرة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، قائلا: "لا تجعل لبنان يأكل نفسه"، محذّرًا من تحويل الصراعات الداخلية والخارجية إلى آلية لتدمير لبنان من الداخل. ثم نرى نائب المدير العام لأمن الدولة حاضرًا في احتفال ذكرى السيد حسن نصرالله، ومعبّرًا علنًا عن موقفه، فيما أُثير خلاف حول ما إذا كانت قد صدرت توجيهات رسمية بعدم مشاركة القيادات الأمنية.
وفي المقابل، يتحدث رئيس الجمهورية عن السيادة، ورئيس الحكومة عن حصرية السلاح، وتتحدث الحكومة والقيادات السياسية عن الدستور والدولة والمؤسسات. لكن هافل يدفعنا إلى طرح السؤال الحقيقي: ماذا يفعلون؟
فالمطلوب من الدولة، وفق هذه المعادلة، ليس أن تعلن اقتناعها برواية "حزب الله". ولا حتى أن تتبنّاها. يكفي أن تتصرف كما لو أن هذه الرواية هي القاعدة التي تحكم الواقع.
قولوا إن السلاح حصري بيد الدولة، لكن اقبلوا بوجود سلاح خارجها. قولوا إن قرار الحرب والسلم للمؤسسات الدستورية، لكن تعايشوا مع واقع يناقض ذلك. قولوا إن الجيش والأجهزة الأمنية مؤسسات وطنية محايدة، ثم اقبلوا بأن يصبح الفصل بين المؤسسة والانتماء السياسي موضع تساؤل. قولوا إن الدولة سيدة، لكن لا تغيّروا شيئًا على الأرض.
وهنا تحديدًا يلتقي أمر قاسم: "اِصمتوا،" مع لافتة هافل.
ففي هذه القراءة، لا يحتاج قاسم إلى أن يقنع رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة بروايته. يكفي أن يستمر هؤلاء في رفع لافتة الدولة والسيادة والدستور، فيما يبقى الواقع على حاله.
هذا هو الصمت الذي يريده: الأمر الواقع. ليس غياب الكلام، بل غياب الفعل. تكلّموا كما تشاؤون. أعلنوا السيادة كما تشاؤون. لكن عندما يحين وقت تحويل هذه الكلمات إلى واقع: اِصمتوا.
لكن الشعب لا يمكن إسكاتُه، مهما طال الزمن. فـ"المستضعفون" ليسوا مجرد مواطنين يُطلب منهم أن يصمتوا أمام معادلات القوة. هم أيضًا الذين يعيشون كل يوم نتائج هذا الصمت: في أمنهم، وفي معيشتهم، وفي قدرتهم على تأمين أبسط مقومات الحياة، أمام فساد مستشرٍ، وأسعار ترتفع، وخدمات أساسية تغيب، ودولة دون سيادة.
ولهذا، فإن "اِصمتوا" لن تكون الكلمة الأخيرة، يا شيخ قاسم. يمكنك أن "تُصمت" السلطة. لكن هناك شعبًا يدفع ثمن حروبكم بأبنائه، وأملاكه، وتاريخه، ويدفع أيضًا ثمن الفساد، وغلاء الأسعار، وانهيار الخدمات، وغياب الدولة التي دمّرتم، وانعدام الأمان؛ شعباً لن يصمت إلى ما لا نهاية.
وسيأتي يوم يتحرك فيه هذا الشعب ويحاسب، ويسال عن أبنائه وبيوته، ويعترض، ويحتج، ويطالب. فالشعب الذي دفع ثمن الحروب، ودفع ثمن الانهيار، لن يقبل أن يدفع ثمن صمت الدولة أيضًا. لأن الدولة ليست ملكًا للسلطة، ولا للزعيم، ولا للحزب.
الدولة ملك مواطنيها. فإذا كان أمركم إلى الدولة: اِصمتوا. فجواب المواطن هو: لن نصمت، بل اِصمت أنت. "فالشعب سيقوم، ويتحدّى الظلم، ويتمرد، ويكسر الصمت." فالثورة قادمة لا محالة، ولو طال انتظارها.
انتظموا.
نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ