الردع النووي أمام اختبار جديد

4 دقائق للقراءة
يحاول بوتين إرهاب حلفاء أوكرانيا للحدّ من الدعم الغربي لكييف (رويترز)

بلغت المواجهة بين الدول الأوروبية الحليفة لأوكرانيا وروسيا مستوى بالغ الخطورة هذا الأسبوع، بعدما هدّدت موسكو باستخدام الأسلحة النووية إذا حاول أعضاء حلف "الناتو" محاصرة مقاطعة كالينينغراد، وهي جيب روسي يقع بين ليتوانيا وبولندا على بحر البلطيق. تحاول روسيا، من خلال التصعيد مع الدول الأوروبية، إرهاب أوروبا بهدف وضع حدّ للدعم الغربي لكييف، في ظلّ التقدّم البطيء والمكلف لقوّاتها على الجبهات في أوكرانيا، وتطوير الأخيرة قدراتها على ضرب أهداف في العمق الروسي. غير أن "الناتو" مصمّم على مواصلة دعم أوكرانيا في مواجهتها للعدوان الروسي، ولم تعدّل التهديدات النووية حساباته في هذا الصدد، إذ يعتبر الحلف أن استسلام كييف للكرملين يعني سيطرة فعلية لروسيا على أوكرانيا، ما يشكّل ضربة استراتيجية للحلف قد تؤدّي إلى مزيد من التوسّع الروسي في شرق أوروبا، بما في ذلك تهديد حدود "الناتو".

جاء التهديد النووي الروسي في إطار سياسة تصعيد تدريجي تعتمدها موسكو مع الدول الأوروبية منذ أشهر، إذ شنّ الكرملين سلسلة من "الهجمات الهجينة" على دول أعضاء في "الناتو" أخيرًا، شملت أعمال تخريب في مصانع أسلحة في أوروبا، وزرع مسيّرة تحمل متفجّرات في مطار في ألمانيا، وخروقات لأجواء عدد من دول "الناتو" بالمسيّرات والصواريخ، وهجمات سيبرانية، وعمليات تضليل إعلامي. لكن مع فشل هذه الهجمات في ردع حلفاء أوكرانيا، رفعت روسيا مستوى التهديد من خلال التلويح بالأسلحة النووية والتهديد باستهداف مصانع أسلحة أوروبية تصنّع الأسلحة لأوكرانيا، الأمر الذي دفع المسؤول الأعلى عن شؤون الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس إلى تأكيد أن قصف روسيا مصنع أسلحة أوروبي يجب أن يؤدّي إلى تفعيل المادة الخامسة من معاهدة "الناتو".

يثير احتمال تفعيل المادة الخامسة من ميثاق "الناتو" في مواجهة روسيا مخاوف كبيرة لدى أميركا ومعظم الحلفاء الأوروبيين، إذ إن ذلك يعني اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الحلف وموسكو، الأمر الذي قد يتحوّل إلى حرب نووية لا تُحمد عقباها. غير أن روسيا تعي أيضًا مخاطر المواجهة العسكرية المباشرة مع "الناتو"، لذلك من غير المرجّح أن تكون تفكّر جدّيًا في استخدام الأسلحة النووية، لأن الحلف يمتلك أيضًا تلك الأسلحة ويستطيع الردّ على روسيا في حال استخدمت الورقة النووية أوّلًا. في هذا السياق، تصلح مقارنة الوضع الحالي بين "الناتو" وروسيا بالمواجهة بين "الناتو" و"حلف وارسو" خلال الحرب الباردة في القرن الماضي، فرغم حدّة العداء بين المعسكرين، لم تنزلق المواجهة بينهما إلى حرب مباشرة أو حرب نووية. ويعود ذلك إلى مفهوم الردع المعروف باسم "التدمير المتبادل المؤكد" والذي أرساه المعسكران من خلال تطوير ترسانتيهما النوويّتين إلى حدّ بات عنده كلّ طرف يعي أن شنّ هجوم نووي على خصمه سيؤدّي حتمًا إلى تدميره هو أيضًا. لذلك امتنع الطرفان عن بدء حرب مباشرة بينهما، ولا سيّما حرب نووية.

طبعًا، لا يُمكن ضمان ألّا تنزلق المواجهة الحالية بين "الناتو" وروسيا إلى حرب مباشرة أو حرب نووية انطلاقًا من تجربة الحرب الباردة فقط، وقد أشار بعض الخبراء إلى إمكانية استخدام روسيا أسلحة نووية تكتيكية في حال شعرت بخطر وجودي. لكن هذا الاحتمال يبقى ضعيفًا نظرًا إلى صعوبة التحكّم في مستوى التصعيد بعد استخدام أسلحة نووية، حتى وإن كانت تكتيكية، لذلك يبقى مفهوم "التدمير المتبادل المؤكد" قائمًا عند دراسة قرار استخدام أسلحة نووية تكتيكية، كون الطرف الذي يقرّر استخدامها لا يستطيع ضمان أن يبقى مستوى التصعيد النووي تحت السيطرة. انطلاقًا من ذلك، من المرجّح أن تبقى الحرب بين روسيا وأوكرانيا حربًا تقليدية، وأن تستمرّ المواجهة غير المباشرة بين روسيا و"الناتو" مع سقف مضبوط للتصعيد يمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو حرب نووية.