لم تكن زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى فرنسا بين 25 و28 أيلول 2026 مجرد جولة رسولية بين باريس ولورد ومتز. ففي بلد يُعدّ أحد أبرز نماذج العلمانية الأوروبية، أعادت الزيارة إلى الواجهة سؤالا ظنّ كثيرون أنه أصبح من الماضي: هل تعود المسيحية، لا بوصفها سلطة سياسية أو هوية مغلقة، بل باعتبارها أحد المصادر الفكرية والأخلاقية التي ساهمت في تكوين أوروبا؟
المشهد وحده كان لافتًا. نحو 80 ألف شاب شاركوا في اللقاء مع البابا في "ستاد دو فرانس"، فيما قدّرت "رويترز" الحضور في القداس المفتوح في باريس بنحو 800 ألف شخص. لكن الدلالة الأعمق سبقت الزيارة نفسها. فوفق مؤتمر أساقفة فرنسا، بلغ عدد البالغين الذين نالوا المعمودية في 2026 نحو 13,234 شخصًا، بزيادة 28 في المئة عن 2025، وأكثر من ثلاثة أضعاف العدد المسجّل عام 2016، فيما تجاوز عدد المراهقين طالبي المعمودية ثمانية آلاف. واللافت أن الفئة بين 18 و25 عامًا تمثّل 42 في المئة من البالغين الجدد.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن فرنسا انقلبت فجأة على عقود من العلمنة. فبيانات أوردتها "رويترز"، استنادًا إلى المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء، تشير إلى أن 25 في المئة فقط من الفرنسيين بين 18 و49 عامًا كانوا يعرّفون أنفسهم ككاثوليك، مقابل 43 في المئة قبل عقد. لذلك، ما يجري أقرب إلى صحوة نوعية داخل مجتمع أكثر علمنًة منه إلى عودة ديموغرافية شاملة للمسيحية. وهذا ربما هو الجانب الأكثر أهمية في الظاهرة: جيل نشأ بعيدًا نسبيًا عن التدين التقليدي يعيد طرح أسئلة المعنى والهوية والانتماء من جديد.
هنا جاءت زيارة لاوون لتضيف مفهومًا جديدًا إلى النقاش الفرنسي: العلمانية لا تعني بالضرورة إقصاء الدين من المجال العام. ففي خطابه في قصر الإليزيه، قال البابا إن "العلمانية الصحيحة" لا تقوم على إخراج الدين من الفضاء العام أو التعليم، بل على الحوار بين الدولة والمؤسسات الدينية خدمة للصالح العام. وهو طرح حساس في فرنسا التي يقوم نظامها الجمهوري منذ قانون 1905 على الفصل بين الكنائس والدولة. لكنه لم يطالب بتغيير هذا الفصل، بل أعاد تعريف حدود العلاقة بين الإيمان والمواطنة: دولة غير دينية، لكن مجتمعاً لا يُطلب من المتدين فيه أن يترك قناعاته خلف باب الحياة العامة.
الدلالة السياسية الأوروبية ظهرت بصورة أوضح في متز، مدينة الحدود والمصالحة الفرنسية ـ الألمانية، وبجوار إرث روبرت شومان، أحد آباء المشروع الأوروبي. هناك قال لاوون إنه "لا يمكن الحديث عن أوروبا من دون ذكر المسيحية"، لكنه ربط العودة إلى الجذور بالانفتاح على الآخرين، معتبرًا الحوار في أوروبا المتعددة الثقافات "ضرورة اجتماعية وسياسية". أي إنه لم يطرح الهوية المسيحية نقيضًا للتعددية، بل حاول تقديمها مصدرًا لكرامة الإنسان والمساواة وسيادة القانون والديمقراطية.
والأكثر دلالة أن الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه تحدّث في متز عن أوروبا التي قامت على "قاعدة يونانية ـ رومانية ويهودية ـ مسيحية"، وربط هذا الإرث بكرامة الفرد والحرية والعقل والديمقراطية. لا يعني ذلك تحوّل فرنسا إلى دولة أكثر دينية، لكنه يمثّل تحوّلا ملحوظًا في لغة النقاش السياسي: الاعتراف بالجذور الدينية للتجربة الأوروبية لم يعد يُطرح بالضرورة كمناقض للعلمانية الجمهورية.
غير أن لاوون أراد الذهاب أبعد من الهوية. ففي اليونسكو، وضع الذكاء الاصطناعي أمام سؤال أخلاقي: ماذا يبقى من الإنسان عندما تصبح الكفاءة والإنتاجية معيارًا للقيمة؟ وحذّر من أن امتلاك الآلات لما نسميه "ذكاء" لا يجوز أن يترافق مع فقدان القدرة على الاعتراف بكرامة الإنسان. هكذا تحوّلت المسيحية في خطابه من نقاش حول الماضي إلى محاولة للمشاركة في صياغة أخلاقيات المستقبل.
وفي السياسة الدولية، حملت متز رسالة أخرى. دعا البابا أوروبا إلى التمسك بالقانون الدولي والتعددية والحوار والتفاوض، وحذّر من الاعتقاد بأن إعادة التسلّح وحدها يمكن أن تؤمّن السلام. وفي لقائه مع ماكرون، ناقش الطرفان الحرب في أوكرانيا والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط وأفريقيا والذكاء الاصطناعي والمناخ. إذًا، الفاتيكان يحاول إعادة تقديم نفسه كقوة دبلوماسية أخلاقية في عالم تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الدولية وتتقدم فيه لغة القوة.
لكن أي حديث عن "نهضة مسيحية" يبقى ناقصًا من دون الجانب الأكثر إيلامًا. ففي لورد، التقى البابا ضحايا الاعتداءات الجنسية التي ارتكبها رجال دين، مؤكدًا التزام الكنيسة مواجهة الانتهاكات ومساعدة الضحايا. هذه المحطة وضعت شرطًا أساسيًا لأي عودة حقيقية للمسيحية في أوروبا: لا استعادة للمصداقية من دون محاسبة وشفافية.
وللبنان دلالة خاصة في هذه الرحلة. ففي الإليزيه، استعاد لاوون تاريخ التعاون الفرنسي مع الكنيسة لخدمة مسيحيي الشرق، وذكر الدعم التعليمي لأكثر من 260 مؤسسة في الشرق الأوسط، بينها سبع جامعات في لبنان. المعنى هنا يتجاوز حماية جماعة دينية: الرؤية التي حملتها الزيارة قدّمت المسيحيين في المجتمعات التعددية باعتبارهم جزءًا من بناء الحوار والتعليم والسلام، لا جماعة منغلقة على ذاتها.
لذلك، ربما لم تُعِد زيارة لاوون فرنسا إلى "زمن مسيحي" مضى، ولم تغيّر قوانين أوروبا أو توازناتها السياسية خلال أربعة أيام. لكنها فعلت شيئًا أكثر دقة: أعادت المسيحية إلى قلب السؤال الأوروبي. ما معنى الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي؟ ما حدود العلمانية؟ كيف تُبنى هوية أوروبية تحترم جذورها وتستوعب تعدديتها؟ وهل يستطيع مشروع وُلد بعد الحرب من فكرة المصالحة أن يبقى مشروع سلام في زمن عادت فيه الحروب؟
من باريس إلى لورد ومتز، كان الجواب الذي حاول لاوون الرابع عشر تقديمه واضحًا: المستقبل لا يُبنى بإنكار الجذور ولا بتحويلها إلى أسوار، بل بتحويلها إلى قيم حية. وربما لهذا تحديدًا كانت الزيارة أكبر من حدث كنسي؛ لقد كانت محاولة لإعادة فتح النقاش حول روح أوروبا نفسها.