هشام بو ناصيف

لماذا خسر الفلسطينيّون؟ (3/3)

3 دقائق للقراءة

ماذا الآن بالنسبة إلى القضيّة الفلسطينيّة؟ بالحقيقة، تتحرّك أربعة عوامل ضدّها منذ سنوات، هي التالية:

أوّلا، يقضم توسّع المستوطنات في الضفّة الغربيّة القاعدة الجغرافيّة لحلّ الدولتين. يعيش نحو نصف مليون مستوطن إسرائيلي في الضفّة، من دون احتساب مستوطني القدس الشرقيّة. والمستوطنون، عمومًا، من فئات عمريّة شابّة، ويتزايدون بمعدّلات أعلى من الشرائح المجتمعيّة الإسرائيليّة الأخرى، لاسيّما المتديّنين منهم. يعني ذلك أنّ السنوات المقبلة ستشهد مزيدًا من التوسّع الاستيطاني في الضفّة لاستيعاب الأعداد المتكاثرة من الإسرائيليّين المقيمين فيها.

ثانيًا، انهار معسكر السلام الإسرائيلي الذي حرّكته سابقًا قوى مثل حزب العمل وحزب ميريتس اليساري. صحيح أنّ يائير غولان وحد الحزبين انتخابيّا عام 2024، ولكنّهما لا يمثّلان معًا أكثر من عشرة بالمئة من الناخبين. ولئن أشارت استطلاعات الرأي منذ سنوات إلى ابتعاد غالبيّة الإسرائيليّين عن حلّ الدولتين، فمن نافل القول إنّ أحداث 7 أكتوبر وما تلاها همّشت حمائم إسرائيل أكثر، وعزّزت صقورها. ولا يغيّر من الأمر كثيرًا أن تظلّ غالبيّة الفلسطينيّين مؤيّدة، بحسب استطلاعات نشرتها مؤخرا البروفسور أماني جمال في جامعة برنستون الأميركيّة، لحلّ الدولتين والتعايش السلمي مع إسرائيل. جلّ المجتمع الإسرائيلي، في الوقت الراهن، ليس مهتمًّا.

ثالثًا، قرّبت طموحات إيران التوسّعية في الإقليم دولا عربيّة مختلفة من إسرائيل، على قاعدة التقاء المصالح ضدّ طهران. لعلّ الإماراتيّين هم الأوضح في هذا السياق، لكنّهم ليسوا وحدهم. بطبيعة الحال، يحقّ للدول العربيّة بل يجب عليها أن تضع كلّ منها مصلحتها فوق أيّ اعتبار آخر، كما تفعل أيّ دولة بأيّ مكان في العالم. آمال الفلسطينيّين بأن تظلّ قضيّتهم مركزيّة للجميع وإلى أجل غير مسمّى لم تكن مرّة معقولة. يبقى أنّ صعود محور إيران في المنطقة وردّة الفعل العربيّة ضدّه أطلق سلسلة تحوّلات إقليميّة غير مساعدة للفلسطينيّين.

رابعًا، انقسام الفلسطينيّين بين الضفّة وغزّة، وبين السلطة وحماس، ليس بدوره عاملا مساعدًا لهم. وحتى الساعة، على الأقل، ليس واضحًا أنّهم يتّجهون إلى رأب الصدع، رغم ما حلّ بغزّة من خراب.

هذه الصورة ليست مشرقة للفلسطينيّين، بطبيعة الحال. لكنّها ليست مظلمة تمامًا أيضًا.

فالرأي العام العالمي يميل، في قطاعات واسعة منه، إلى التعاطف معهم، بما في ذلك في أوروبا. والأهمّ أنّ التبرّم من سياسات اليمين الإسرائيلي بلغ، في الولايات المتّحدة، مستويات لافتة، لا بين الديمقراطيّين فحسب، بل حتّى داخل الحزب الجمهوري، ولا سيّما بين الفئات العمريّة الشابّة.

لعلّ هذا التحوّل في الرأي العام، إذا استمرّ، يكون الورقة الأهمّ التي تبقى في يد القضيّة الفلسطينيّة، وسط كمّ الخسائر والمآسي المتناسلة.