تتحرك آلة البروتوكول الرسمي نحو الجنوب، وتحديداً نحو مدينة النبطية، عبر زيارة رئيس الحكومة نواف سلام وقبله رئيس الجمهورية جوزيف عون في محطات رمزية متكررة تعقبها أو تسبقها جولات للقيادات السياسية والأمنية والعسكرية. غير أن القراءة الموضوعية لطبيعة المشهد تؤكد حقيقة صارخة: زيارات المسؤولين، مهما غُلّفت بـ "الوطنية" والإعلانات المبدئية، تظل عاجزة تماماً عن تبديد الهاجس الأمني، خصوصاً وأنها تأتي في كثير من الأحيان بإيعاز من "الثنائي الشيعي" لتخدم، بشكل أو باخر، أجندة "حزب الله" وتمنحه صك الغفران الميداني، طالما أن بنيته العسكرية والأمنية خارج نطاق الدولة لم تُمسَّ ولم تُفكك.
إن الاختراق الأمني والتهديد المستمر في النبطية وغيرها ليسا وليدي اللحظة، بل هما نتاج حتمي لتآكل الهيبة الرسمية ووجود منظومة عسكرية موازية لسلطة المؤسسات الشرعية. إن الرهان على الرمزية السياسية للزيارات هو هروب من الاستحقاق الجوهري؛ فالدولة إما أن تكون صاحبة القرار الأوحد على كامل جغرافيتها، أو تتلاشى هيبتها لتصبح مجرد شاهد زور. ولب المشكلة يكمن أساساً في عجز القيادات السياسية والعسكرية والأمنية عن مواجهة واقع "حزب الله" الذي يعيش اليوم في أضعف حالاته، ليأتي أداء هذه القيادات ويزيد الضعف ضعفاً بحسم الأمر بإجراءات فعلية وعملية لنزع سلاح "حزب الله".
وهنا تكمن الطامة الكبرى والخطر الحقيقي؛ فانتشار وحدات الجيش اللبناني في تلك المناطق ضمن الصيغة الحالية لن يؤدي إلى بسط سيادة الدولة الفعلية، بل سينعكس تماماً ليتحول إلى مظلة حماية لـ "حزب الله" المأزوم، ولترسانته العسكرية ومنظومة القيادة والسيطرة التابعة له. إن هذه الهوية للقيادة العسكرية، إلى جانب ضعف القيادات السياسية والأمنية، تجعل من المؤسسة غطاءً يحمي هذه الترسانة من الضربات الإسرائيلية، بدلاً من استثمار حالة ضعفها لتقويضها ونزع سلاحها.
إن إنقاذ لبنان والجنوب لا يمر عبر عدسات الكاميرات ولا الخطابات الإنشائية، بل يتطلب مساراً شجاعاً يعالج الخلل البنيوي في الأداء السياسي والأمني وتبعِيّة قيادة المؤسسة العسكرية، وصولاً إلى استعادة الدولة لقرارها السيادي. إن حسم هذا الملف ليس ترفاً، بل هو البوابة الإلزامية لانتقال لبنان نحو مسار السلام والاستقرار والازدهار، وإعادة تموضعه جيوسياسياً بعيداً عن محور الممانعة. والخيارات اليوم واضحة أمام الجميع: إما استعادة الدولة وهيبتها الكاملة عبر خطوات جدية، أو الركون إلى الخوف والهروب من المواجهة لندفع الثمن مصائب وويلات تفوق كل تصور.