الدكتور سايد حرقص

هل تنتهي تجربة باسيل كما انتهت تجربة عون عام 1990؟

5 دقائق للقراءة

جبران باسيل هو ابن مدرسة ميشال عون السياسية، القائمة على الشعارات البراقة، والتلاعب بعقول الجمهور، والتحريض على الخصوم عبر الدعاية السوداء التي امتهنها الجنرال عون ونجح فيها. لكن باسيل يواجه اليوم الامتحان الذي لم يستطع عون تجاوزه سنة 1990: كيف تخوض معاركك مع الجميع من دون أن تكتب نهايتك بيدك؟ خاصة أن ذاكرة اللبنانيين لا تحفظ من زمن حكم باسيل، الذي استمر أكثر من 10 سنوات، إلا الوعود والفشل، مما جعل مصداقيته في الحضيض.

لفهم معارك باسيل الدونكيشوتية واستعدائه الجميع بلا أفق سياسي، يجدر استحضار تجربة ميشال عون عام 1990؛ لا للمقارنة، بل لتفكيك نهجٍ يتكرر في جوهره، كتلميذٍ يحاكي أسلوب أستاذه، ويتلخص في: اندفاعٍ حاد شعبوي غير مدروس، وإصرارٍ على مواجهة الجميع، وتجاهل أن هذا السلوك السياسي غير العقلاني قد يقود إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها ميشال عون سنة 1990.

خاض عون في نهاية الثمانينيات مواجهة مفتوحة انتهت بحربين: «حرب التحرير» ضد الجيش السوري و«حرب الإلغاء» ضد «القوات اللبنانية». والمفارقة أن خطابه تبدّل تبعًا لحساباته؛ فبعد أن تحالف مع «القوات» وقال لجعجع لحظة تعيينه رئيسا للحكومة العسكرية :«يا حكيم، بشرفي العسكري سأعامل "القوات" مثل الجيش، وباستطاعتك أن تعتبر نفسك منذ اللحظة معي في السلطة، لكن أريد تأييدك.» انتقل بعد وقت قصير إلى وصف القوات اللبنانية بـ«مافيا فاشية» في «حرب الإلغاء»، معلنًا في 31 كانون الثاني 1990: «سأكسر عنق الميليشيات». ومع سوريا، انتقل من مخاطبة حافظ الأسد من خلال رسائله عام 1988 بعبارات التقدير، منها «القائد الكبير حافظ الأسد» و«أتفهم مصالح سوريا في لبنان»، إلى خطاب «تكسير رأس الأسد» خلال حرب التحرير. وفي 13 تشرين الأول 1990، انتهت المواجهة بعملية عسكرية واسعة أخرجته إلى السفارة الفرنسية ومنها إلى المنفى.

لكن باسيل لا يحتاج إلى إعادة تلك الحروب كي يعيد إنتاج درسها. الأدوات تغيرت. السلاح أصبح خطابًا، والجبهة أصبحت منابر خطابية، والمعركة العسكرية أصبحت معركة إفتراضية بين الجيوش الالكترونية.

الرجل الذي كان لسنوات في قلب السلطة، والذي ارتبط اسمه بعهد عون وبخياراته السياسية، لدرجة قال ميشال عون، المدعوم من «حزب الله» سنة 2009، «كرمى لعيون صهر الجنرال ما تتشكل حكومة»، يقف اليوم في موقع المعارضة، محاولًا تثبيت موقعه لكن بشكل استفزازي للجميع، إلى درجة دفعته حماسته في أيلول 2026 إلى التصريح بوضوح: «أنا رئيس المعارضة».

باسيل يحاول جاهدًا رفع السقف في مواجهة الحكومة، ويطالب بمساءلتها، ويستخدم لغة استعراضية مسرحية في انتقادها، بلغت ذروتها في وعده أن المعارضة التي يتزعمها «ستفترس» الحكومة.

اليوم، وبعد سنوات من التحالف الاستراتيجي مع «حزب الله» نتيجة اتفاق مار مخايل، الذي ساهم في تعزيز قوة التيار وإيصاله إلى السلطة، بدأ باسيل بانتقاد الحزب وتحقير بيئته بألفاظ نابية استفزت القاعدة والقيادة في الوقت نفسه، من دون أي إنذار مسبق.

وهكذا يجد باسيل نفسه أمام معادلة دقيقة: يريد أن يتصدّر المعارضة، لكن المفارقة أن أحدًا من المعارضين الحقيقيين والفاعلين في مواجهة الحكومة لا يثق به ولا يسانده. يريد افتراس الحكومة سياسيًا، من دون أن يمتلك القوة أو الأدوات التي تخوّله ذلك، وفي الوقت نفسه يحاول مهاجمة «القوات» عبر بوابة وزارة الطاقة، متجاهلًا أن قطاع الكهرباء شهد في عهده واحدة من أكثر مراحله تدهورًا، وأن هذا الإرث نفسه هو ما أفقده جزءًا أساسيًا من مصداقيته. فكيف يمكنه أن يقود معركة ضد الآخرين، فيما سجله في الملف الذي يتخذه سلاحًا، لا يمنحه أساسًا قويًا لهذه المواجهة؟

وهنا يظهر وجه الشبه مع تجربة ميشال عون.فالمشكلة التي واجهها عون لم تكن مجرد وجود خصوم. المشكلة كانت في تراكم الصراع بلا تخطيط أو أفق واضح على طريقة الهروب من الدب والوقوع في "الجب"، وأن كل مواجهة فاشلة كان يهرب من نتائجها بافتعال مواجهة أخرى، إلى أن أصبحت القدرة على المناورة أضيق من القدرة على الصمود.

باسيل أمام خطر مختلف.فهو لا يواجه دبابة، بل يواجه ميزان قوى سياسيًا. وكلما ارتفع سقف خطابه، احتاج إلى حلفاء أكثر، لا إلى خصوم أكثر وهذا هو التناقض الذي قد يدمر ما تبقى من تياره في المرحلة المقبلة.

إذا أراد باسيل أن يكون رأس حربة المعارضة، فعليه أولا أن يتواضع ويكون مقبولا من افرقاء المعارضة قبل ادعاء قيادتها وتمثيلها.

أما إذا كانت المعارضة بنظر باسيل مجرد منصة للهجوم والتجريح بالآخرين، فعندها يتحول الانتصار الكلامي العالي السقف، مع الوقت إلى خسارة مدوية في السياسة لان الناس بحاجة الى أفعال وليس الى أقوال.

عندما تكثر الجبهات، لا يكفي أن ترفع صوتك، وتحقر خصومك وتشتمهم، وتعيد اجترار الوعود التي فشلت في تحقيقها، بل يجب أن تعرف كيف تقيّم المخاطر وتمنعها من الالتقاء ضدك في ذروة لحظة ضعفك.

وهنا ستكون معركة باسيل الأصعب.

ليست مع الحكومة، ولا مع «القوات»، ولا مع عهد جوزيف عون ولا مع «حزب الله».

إنها معركة تحديد ما إذا كان قادراً على ألا يتحول من رجلٍ أحرقته السلطة إلى رجلٍ تحرقه معاركه المتعددة، غير المحسوبة المخاطر.