د. ربيع دندشلي

المغترب اللبناني أبعد من حوالة مالية

5 دقائق للقراءة
تستحق العلاقة بين لبنان وأبنائه في الخارج مراجعة تتجاوز الإشادة بوفائهم

يمكن اختصار جانب من حياة المغترب اللبناني في مكالمة تصل آخر النهار. يكون قد أنهى عمله، وعاد إلى منزله ليحسب التزاماته في البلد الذي يقيم فيه، حين يأتيه خبر من لبنان عن دواء ارتفع ثمنه، أو قسط حان موعده، أو عطل في منزل العائلة يحتاج إلى إصلاح. يعيد ترتيب حساباته، ويؤجّل نفقة تخصّه، ثم يرسل المبلغ. في تلك اللحظة، يعيش بين اقتصادين ومسؤوليتين ومستقبلين يحاول التوفيق بينهما.

هذا المشهد، بما يختزنه من محبّة وقلق، يفتح بابًا لفهم الاغتراب خارج الصورة الاحتفالية المعتادة. وراء أخبار النجاح والعودة الصيفية، حياة تُبنى في مكان، والتزامات تستمر في مكان آخر. وقد يكون المغترب موظفًا عاديًا، أو صاحب مشروع صغير، أو شابًا لم يثبت موقعه المهني بعد. والمسافة التي تفصله عن لبنان لا تعني أنه تجاوز أزماته؛ أحيانًا تمنحه فقط قدرة أكبر على دفع جزء من كلفتها.

لذلك تستحق العلاقة بين لبنان وأبنائه في الخارج مراجعة تتجاوز الإشادة بوفائهم. ما الموقع الذي نريده لهم في مستقبل البلد؟ وما الذي تقدّمه الدولة كي تتحوّل هذه الصلة العائلية والعاطفية إلى شراكة مستدامة؟

أظهرت الأزمة الأهمية الكبيرة للتحويلات في إسناد الأسر. وفي تقريره عن الفقر المنشور عام 2024، أشار البنك الدولي إلى ارتفاع نسبتها من متوسط يقارب 13 في المئة من الناتج المحلي بين عامَي 2012 و2019 إلى نحو 30 في المئة عام 2022، موضحًا أن انكماش حجم الاقتصاد يفسّر جزءًا من هذا الارتفاع. ولهذه الملاحظة دلالة أساسية، إذ إنّ ازدياد وزن التحويلات قد يكشف ضعف ما بقي من الاقتصاد بقدر ما يعكس حجم الأموال الآتية من الخارج.

على مستوى العائلة، تؤمّن هذه الأموال حاجات فعلية وملحّة. لكنها تضعنا، على مستوى البلد، أمام مشكلة أعمق. حين تتوقف قدرة أسرة على العلاج أو التعليم على وجود قريب يعمل في الخارج، تصبح صلة القرابة مصدرًا للحماية الاجتماعية. وتبقى الأسر التي لا تمتلك هذا السند أشدّ انكشافًا. هنا تظهر مسؤولية الدولة في بناء خدمات وشبكات حماية يصل إليها المواطن وفق حاجته وحقّه، بدل أن يتحدّد أمانه بموقع أحد أفراد عائلته على خريطة الاغتراب.

وفي هذا السياق، قد تخفي لغة «صمود اللبنانيين» جانبًا من الكلفة. فما يبدو قدرة جماعية على الاستمرار قد يكون حاصل تضحيات فردية موزّعة بين بلدان كثيرة، من ادخار يتناقص وساعات عمل إضافية إلى مشروع يتأجّل. يساعد التضامن العائلي على احتمال الأزمة، لكن تحويله إلى عنصر دائم في إدارة البلاد يعني افتراض استعداد المغترب وقدرته على التعويض إلى ما لا نهاية.

وللمغترب حدود أيضًا. لديه أسرة والتزامات وشيخوخة يحتاج إلى الاستعداد لها، وقد يواجه فقدان عمل أو ارتفاع كلفة معيشة. ومن حقّه أن يخطّط لحياته من دون أن يتحوّل شعوره بالانتماء إلى امتحان مستمر في مقدار ما يرسل. تقدير دوره يبدأ بالاعتراف بأنّ ما يقدّمه خيار وتضحية، وأنّ نجاحه الشخصي لا ينقل إليه مسؤوليات المؤسسات العامة.

ثمّة، كذلك، فارق كبير بين مساعدة الأهل والاستثمار في البلد. قد يحوّل لبناني مبلغًا لتغطية علاج والدته مهما كانت الظروف، لكن إنشاء شركة أو توسيع مصنع أو تمويل مشروع يحتاج إلى حسابات أخرى. يحتاج إلى معرفة كيفية حماية أمواله، وتنفيذ العقود، وتسوية النزاعات، والحصول على الخدمات. العاطفة تفسّر التمسّك بلبنان؛ أمّا الثقة فتحدّد حجم الالتزام الاقتصادي الممكن فيه.

من هنا، تبدأ أي سياسة جدّية تجاه الاغتراب بتحسين شروط العمل داخل لبنان. فدعوات الاستثمار تفقد أثرها حين يظلّ صاحب المشروع عاجزًا عن تقدير الوقت والكلفة اللازمين لإنجاز معاملاته. ويمكن قياس الجدية بإجراءات منشورة ومبسّطة، ومهل محدّدة، وخدمات يمكن إنجازها عن بُعد، ومعلومات متاحة عن الفرص والمخاطر. يحتاج المغترب إلى مؤسسة يستطيع التعامل معها، وإلى قواعد يعرف أنها تطبّق عليه كما تطبّق على غيره.

وتبقى الأموال جزءًا من مساهمة أوسع. فالطبيب والباحث والمهندس والأستاذ ورائد الأعمال يملكون خبرات وعلاقات قد تفتح فرصًا تتجاوز قيمة أي تحويل مالي. يمكن لشراكة جامعية أن تطوّر برنامجًا بحثيًا، ولصلة مهنية أن تفتح سوقًا أمام مؤسسة لبنانية، ولإرشاد منتظم أن يساعد شركة ناشئة على تجاوز أخطائها الأولى. هذه مساهمات تحتاج إلى جهات محلية قادرة على تحديد احتياجاتها ومتابعة التعاون وتقييم نتائجه.

كما أنّ بناء هذه العلاقة لا يشترط عودة نهائية. فالعودة قرار شخصي يتصل بالعمل والأسرة والاستقرار، وقد لا يكون ممكنًا أو مرغوبًا للجميع. يستطيع اللبناني أن يشارك من مكان إقامته، وأن يحافظ على انتمائه من دون أن يعيد نقل حياته كاملة. الاعتراف بذلك يحرّر العلاقة من الوعود الكبيرة، ويفتحها على تعاون عملي ومتواصل.

وهناك جيل ينشأ في الخارج، قد يحبّ لبنان من خلال روايات أهله وزياراته إليه، لكن علاقته به ستتشكّل أيضًا من تجربته الخاصة. ما سيجذبه هو إمكان التعلّم والعمل والتواصل والمشاركة، وشعوره بأنّ لهذا البلد مكانًا له. استمرار الصلة يحتاج إلى ما يغذّيها في الحاضر؛ فالحنين الذي حمله الآباء لا ينتقل تلقائيًا، بالدرجة نفسها، إلى الأبناء.

يستحقّ المغترب اللبناني موقعًا أوسع في تصوّرنا للمستقبل. ويستحقّ المقيم اقتصادًا يمنحه فرصة من دون أن يجعل سفر أحد أفراد عائلته شرطًا لتحسين حياته. هذان الهدفان يلتقيان في مسؤولية بناء بلد يستطيع أبناؤه أن يختاروا شكل علاقتهم به بحرية وثقة.

لقد ساعد المغتربون عائلاتهم على عبور سنوات قاسية. وما يحتاج إليه لبنان اليوم هو أن يمنحهم أسبابًا للمشاركة في صناعة مستقبله، بعدما حمّلهم طويلًا كلفة المساعدة على احتمال حاضره.