مع تساقط ميليشيات الحوثي في اليمن وتحرير باب المندب وإعلان عملية فجر اليمن لتحرير صنعاء، يستعيد الحرب على الإرهاب الإيراني في المنقطة العربية زخمها، وتخسر طهران المزيد من قدرات أذرعها على ضرب الاستقرار الخليجي والعربي، بينما يواصل بقايا حزبها في لبنان مغامراتهم القاتلة مع تظهير أحد قادة الحرس الثوري الإيراني وهو يتوعد باستئناف الحرب، وتزداد المعطيعات عن سعي «حزب الله» لنقل أسلحته إلى مواقع جديدة لتخزين الأسلحة والذخائر بعد أن خسر مواقعه الاستراتيجية وخاصة تلة علي الطاهر.يؤشر هذا التوجه إلى تمسك إيران بورقة السلاح في الجنوب حتى الرّمق الأخير، بما يتضمّنه من الاستعداد لاستمرار الاستنزاف والتحرّشات العسكرية بجيش الاحتلال الإسرائيلي، لأنّ قدرات «الحزب» لم تعد تسمح له بفتح مواجهات كبرى، وهذا ما يؤدي إلى تصاعد الرفض بين أفراد الطائفة الشيعية في لبنان لاستخدام «حزب الله» للبلدات والقرى لأغراض عسكرية.لم يعد الاعتراض في البيئة الشيعية مقتصرًا على معارضي «حزب الله» من ناشطين، بل توسع الوضع إلى صدام شبه يومي بين الأهالي وبين عناصر «الحزب» وبين حركة «أمل» و «الحزب»، ولعلّ التعبير الأقوى الذي صدر جاء من رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين الذي رفض الانتقادات التي وجهها إليه أتباع «حزب الله» لأنّه رحب برئيس الحكومة نواف سلام واستقبله مؤكدًا أنّ المجلس البلدي ليس مجلسًا سياسيًا. وكذلك ما قاله إمام النبطية الشيخ عبد الحسين الصادق خلال استقباله الرئيس سلام من حرص على التمسك بالدولة ومؤسساتها، وفي طليعتها الجيش اللبناني، في انعكاس لتصاعد المناداة الشعبية بالدولة.رفض أهالي بلدات الجنوب التسامح مع استخدام البنية العسكرية في المناطق المدنية نظرًا لما تشكله من مخاطر على المدنيين، لذلك يسود القلق الآن حول خطوات «حزب الله» المقبلة، وإلى أين سيتجه في انتشاره العسكري والقتالي، وأين سيزرع منشآته وأسلحته، وتفيد التقارير بأن مسؤولين وشخصيات مرتبطة بـ«أمل» قلقون من أن يسعى «حزب الله» إلى استخدام المناطق التي لطالما حافظت فيها «أمل» على وجود قوي، لا سيما في مدينة صور ومحيطها.وتُعد صور موطنًا لعدد كبير من السكان الشيعة، ولطالما كانت معقلا لـ «أمل». وأي محاولة من جانب «حزب الله» لإنشاء بنية تحتية عسكرية في المنطقة قد تُؤدي إلى توترات جديدة داخل الطائفة الشيعية.وتسلط هذه التطورات الضوء على تصاعد التوترات داخل المجتمع الشيعي في جنوب لبنان، حيث يسعى السكان إلى تجنب صراع آخر، في حين يخشون أن يؤدي النشاط العسكري لـ«حزب الله» إلى تعريض مجتمعاتهم مجددًا لتبعات الحرب.وفيما يواظب «النشطاء» الناطقون باسم «حزب الله» إطلاق أوهامهم بشكل درامي، يلقي تحرير باب المندب من عصابات الحوثي بثقله على «الحزب» الذي كان نوابه يطلقون العنتريات بأنّ سيطرة الحوثيين على هذه المنطقة الاستراتيجية على البحر الأحمر هي «ورقة بيد المقاومة» في لبنان، وها هي هذه الورقة تسقط، وقريبًا ستسقط معها صنعاء، ليبقى هذا «الحزب» وحيدًا من دون أن تتمكن إيران من إنقاذه.يبدو «حزب الله» واقفًا على شفير الانتحار، كما فعل الحوثيون، وكما انتفخ «الحزب» وجرى تنفسيه إقليميًا وداخليًا، تتهاوى أوراق إيران في خريفها الثقيل، وهذا سيضعف محاولات «الحزب» الاستثمار في ثمن سلاحه المتهالك، وكلما تأخّر في الانخراط في التسوية سيخسر المزيد من فرصه في الحفاظ على ماء الوجه، بل إنّني أرى مصيره كمصير الحوثي مسحوقًا بعد أن فرّط في فرص التسوية المتاحة له، ولات ساعة مندم.إنّ هزيمة «حزب الله» المحقـّقـة لن تكون هزيمة للشيعة اللبنانيين، بل هي بداية تحريرهم من هذا الكابوس الإيراني الذي حوّل هذه الطائفة إلى خزّان للموت والإرهاب، وسيجد الشيعة طريقهم إلى وطن ينتظرهم كشركاء، فقد انتهى زمن الهمينة.