لم تعد قصة الحوثيين في اليمن تُختصر في حرب داخلية أو في صراع بين جماعة "أنصار الله" والحكومة المعترف بها دوليًا. فالتطورات على الساحل الغربي، من السيطرة على المخا وجزيرة ميون ومناطق أخرى وصولًا إلى باب المندب، نقلت المشهد إلى مستوى مختلف: ماذا يحدث عندما تتمكّن جماعة مسلّحة من السيطرة على جغرافيا استراتيجية، بحيث يصبح موقعها نفسه مصدرًا لقوّة تتجاوز حدود الدولة اليمنية؟
في أيلول، حقّق الحوثيون أكبر تقدّم ميداني لهم منذ سنوات، وسيطروا على المخا ومواقع وجزر على امتداد الساحل المطلّ على باب المندب. وقد اعتبرت مراكز بحثية أن هذا التطور غيّر بصورة جوهرية معادلة الحرب اليمنية وجيوسياسة البحر الأحمر، لأن الحوثيين باتوا في موقع يسمح لهم بالتأثير في أحد أهم الممرّات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومنه بالمحيط الهندي وقناة السويس.
لكن أهمية المسألة لا تكمن في السيطرة على مدينة أو جزيرة بحدّ ذاتها. الأهمية في أن الجغرافيا أصبحت جزءًا من القوّة السياسية للجماعة. فباب المندب ليس مجرّد مضيق في الخريطة اليمنية. إنه نقطة اختناق بحرية ذات أهمية عالمية، وأي قدرة على تهديد الملاحة عبره يمكن أن تنعكس على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق. وقد أدّى توسع الحوثيين بالفعل إلى رفع المخاطر المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وأسواق النفط.
وهنا تكمن المفارقة الحوثية. فقد بدأت الجماعة كفاعل مسلّح داخل دولة تعاني الانقسام، ثمّ تحوّلت إلى سلطة أمر واقع تسيطر على مساحات واسعة من اليمن. أما اليوم، فإنها تقترب من مرحلة مختلفة: أن يصبح الموقع الجغرافي الذي تسيطر عليه مصدرًا لنفوذها في التفاوض والصراع الإقليمي.
وهذا التحوّل مهمّ في العلاقات الدولية. فالقوّة لا تُقاس دائمًا بحجم الدولة أو عدد السكان أو الموارد. أحيانًا يمنح موقع جغرافي حسّاس جماعة محدودة الحجم قدرة على التأثير في قوى أكبر منها بكثير. وحين يكون هذا الموقع مضيقًا بحريًا، تصبح قيمة السيطرة عليه أكبر من قيمة الأرض ذاتها.
لكن هذا النفوذ يحمل في الوقت نفسه بذور الخطر. فكلّما اتّسعت قدرة الحوثيين على التأثير في باب المندب، ازداد احتمال أن تتشكّل في مواجهتهم جبهة إقليمية أوسع. وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على ذلك. فالسعودية تدرس خيارات عسكرية لاستعادة السيطرة على الممرّ البحري، فيما أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في 4 تشرين الأول، بدء عملية واسعة لاستعادة الأراضي التي سيطر عليها الحوثيون.
المشكلة أن الطرف المقابل ليس كتلة واحدة. فالمعسكر المناهض للحوثيين يعاني منذ سنوات من تعدّد القوى والانقسامات السياسية والعسكرية وتضارب الرؤى حول مستقبل اليمن. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن هذا التشرذم كان أحد العوامل التي ساعدت الحوثيين على تحقيق تقدّم سريع.
أما إيران، فمن الصعب فصل التحوّل الحوثي عن موقعها الإقليمي، حتى وإن كان اختزال الحوثيين في كونهم مجرّد أداة إيرانية تبسيطًا لواقع أكثر تعقيدًا. فوجود قوّة حليفة لطهران على مقربة من باب المندب يمنح إيران، في ظلّ الاضطراب الإقليمي الراهن، ورقة استراتيجية إضافية في واحد من أهمّ الممرّات البحرية في العالم. ويزداد الأمر حساسية عندما يُنظر إلى باب المندب بالتوازي مع مضيق هرمز، بما يجعل الممرّين البحريين جزءًا من معادلة أمن إقليمي أوسع. لكن السؤال الأهمّ يتجاوز الحوثيين وإيران والسعودية: من يملك حق التحكّم بممرّ استراتيجي عندما تكون القوّة التي تفرض الأمر الواقع جماعة مسلّحة لا الدولة؟
هنا تعود مسألة الدولة إلى الواجهة. فالمشكلة في الجماعات المسلّحة التي تفرض نفوذها خارج المؤسّسات الرسمية ليست فقط في امتلاك السلاح، وإنما في إنتاج ما يمكن تسميته سيادة موازية: السيطرة على الأرض، امتلاك أدوات القوّة، فرض ترتيبات أمنية، والتفاوض مع الآخرين من موقع القدرة على تعطيل المصالح الحيوية.
وفي حالة الحوثيين، يكتسب هذا الأمر بعدًا دوليًا لأن الجغرافيا التي باتوا يسيطرون عليها ليست هامشية. إنّها تقع عند واحدة من بوابات التجارة العالمية. ولذلك، فإنّ أي تحوّل في ميزان السيطرة عليها لا يبقى شأنًا يمنيًا خالصًا. وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة. فالحكومة اليمنية قد تنجح في استعادة بعض المناطق، وقد تستطيع السعودية تغيير المعادلة العسكرية، وقد يتوصّل الأطراف إلى ترتيبات موَقّتة. لكن السؤال الأعمق: هل يمكن بناء دولة يمنية يخضع فيها القرار العسكري والأمني والممرّات الاستراتيجية لمؤسّسات الدولة، أم أن الأمر الواقع الذي فرضته الجماعات المسلّحة سيتحوّل إلى جزء دائم من النظام السياسي؟
فالمسألة في نهاية المطاف ليست فقط أين يقف الحوثيون على الخريطة، بل من يملك الخريطة نفسها. حين تتمكّن جماعة مسلّحة من تحويل موقع جغرافي إلى مصدر نفوذ إقليمي، لا تعود الأرض مجرّد مساحة للسيطرة؛ تصبح أداة سياسية. وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحوّل الحوثي من جماعة تقاتل على أرض إلى قوّة تحاول أن تجعل من الأرض نفسها قوّة تفاوض. وهنا تتحوّل الجماعة إلى جغرافيا.
أستاذة جامعية