ماذا لو لم تكن «حرب السنتين» مجرد حرب أهلية انفجرت بين المسلمين والمسيحيين، كما تروّج لها بعض وسائل الإعلام، ولا صراعًا لبنانيًا ـ فلسطينيًا خرج عن السيطرة، كما يبدو من خلال سرد الأحداث؟ ماذا لو كانت «حرب السنتين»، في جوهرها، جزءًا من خطة استراتيجية سورية صاغها حافظ الأسد منذ وصوله إلى السلطة عام 1970، وتقوم على جعل لبنان محافظة سورية، وتحويل منظمة التحرير إلى مجرد ورقة سورية في المفاوضات الإسرائيلية ـ السورية؟
من خلال مراجعة تاريخية للأحداث وتسلسلها الزمني، تبدو ملامح استراتيجية حافظ الأسد أكثر وضوحًا. ففي لبنان، انتُخب سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية في آب 1970، وسط ما رافق نهاية العهد الشهابي من توتر وصراع بين العسكر والسياسيين. ثم جاءت أحداث «أيلول الأسود» في الأردن في أيلول 1970، وما أعقبها من وجود مقاتلين فلسطينيين عالقين على الحدود السورية ـ الأردنية. وجاءت «الحركة التصحيحية» في سوريا في تشرين الثاني 1970، فأوصلت حافظ الأسد إلى السلطة، حيث عمد، عن سابق تصوّر وتصميم، إلى دفع المقاتلين الفلسطينيين الهاربين من الأردن باتجاه لبنان، مستغلًا حالة التخبط الأمني والسياسي التي كانت تعيشها البلاد بسبب عملية تصفية الحسابات بين السياسيين و«المكتب الثاني».
تتلخص إستراتيجية الأسد، وفق هذه القراءة، في هدفين متكاملين: الأول، تفتيت لبنان وإضعاف بنيته السياسية تمهيدًا لإخضاعه تدريجيًا للنفوذ والسيادة السورية؛ والثاني، تطويع منظمة التحرير الفلسطينية، ومصادرة قرارها المستقل، وتحويلها إلى ورقة سياسية وعسكرية تستخدمها دمشق للضغط والتفاوض مع العرب وإسرائيل والولايات المتحدة.
علما أن تصريحات مسؤولين فلسطنيين سايقين في منظمة الصاعقة وأحدثها بلال حسن، المسؤول العسكري لتنظيم الصاعقة في مخيم تل الزعتر بالاضافة الى وثائق أميركية تؤكد هذا المسار، كاشفةً عن سعي الأسد للسيطرة على منظمة التحرير عبر تنظيم «الصاعقة». أما لبنانياً، فكان الهدف إخضاع المكونات اللبنانية الأساسية وفي مقدمتها الدروز والشيعة والسنة والمسيحيون.
حققت دمشق اختراقًا درزيًا حاسمًا بعد اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، عبر احتواء نجله وليد جنبلاط من خلال هندسة سياسية أدارها حكمت الشهابي، أحد أركان الترويكا السورية إلى جانب حافظ الأسد وعبد الحليم خدام. وكررت دمشق المشهد ذاته مع الشيعة، حيث ترك تغييب الإمام موسى الصدر فراغًا كبيرًا على مستوى القيادة السياسية للطائفة، ما أتاح لحافظ الأسد الهيمنة على جزء من الشارع الشيعي من خلال تبنّي نبيه بري، واستثمار الجزء الآخر عبر السماح المشروط للمشروع الإيراني بالتغلغل في الجسم اللبناني، مقابل حصول النظام السوري على النفط الإيراني شبه المجاني، كما تكشف مذكرات عبد الحليم خدام. وفي المقابل، نجح عبد الحليم خدام في اختراق الشارع السني والعمل على ضبط حركة زعمائه السياسية بما يتوافق مع المصالح السورية، فيما كان مصير من يتجرأ على التمرد الموت أو التهجير.
غير أن مشروع حافظ الأسد، وبحسب الوثيقة الأميركية SNIE 36.4–1–78، الصادرة بتاريخ 8 آب 1978، وهي تقرير استخباراتي خاص شاركت في إعداده وكالة الاستخبارات المركزية وأجهزة استخبارات أميركية أخرى، اصطدم بصلابة وتعقيدات الموقف المسيحي. لذلك انتقلت دمشق إلى سياسة تقوم على تعميق الانقسامات داخل المكونات المسيحية، وإضعاف قدرتها على التماسك السياسي والعسكري، وتشجيع الصدامات الدموية، تمهيدًا لاحتواء بعضها واستيعاب بعضها الآخر، ومحاصرة القوى التي ترفض الخضوع للنفوذ السوري.
من هذا المنظور، يتغير التفسير التاريخي لـ«حرب السنتين»؛ إذ لم يكن المطلوب سوريا انتصار طرف على آخر، بل استنزاف الجميع حتى تتمكن دمشق من ادارة الصراع والتحول الى المرجعية الحصرية لجميع المكونات اللبنانية كما كان والي الشام زمن الامبروطورية العثمانية. وفي الوقت نفسه، كان ترويض منظمة التحرير ضرورة، لأن القرار الفلسطيني المستقل لا يخدم مشروع الأسد الإقليمي.
غير أن المنظمة الفلسطينية بتركيتها المعقدة استعصت على الاحتواء السوري الكامل. ومع استمرار الفشل السوري في إخضاع عرفات، جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ليخرجها من بيروت. ثم فتحت دمشق جبهة المواجهة المباشرة في الشمال عبر دعم انشقاق «أبو موسى» عن «فتح»، لتنتهي معارك طرابلس عام 1983 بإجلاء عرفات وقواته، وترسيخ تونس مقرًا جديدًا للمنظمة وفق تقارير الأمم المتحدة.
تتجلى هنا المفارقة التاريخية الكبرى في المشروع السوري الذي سعى إلى تطويع منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه عجز عن إخضاعها كليًا. ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، تلاه اقتتال الفصائل الفلسطينية، ليؤديا عمليًا إلى القضاء على الوجود العسكري الفلسطيني القوي، ليس في لبنان فحسب، بل على امتداد المشرق العربي. وبذلك، وحتى من دون افتراض نظريات المؤامرة أو وجود تنسيق سوري ـ إسرائيلي مسبق، فإن النتيجة العملية كانت تصفية القوة المسلحة الفلسطينية التي لطالما اعتبرتها إسرائيل أحد أبرز مصادر الخطر على أمنها.
على الجانب اللبناني، امتدّ الاحتلال السوري السياسي والعسكري بعد انتهاء الحرب لعقدٍ كامل. ويخلص هذا التحليل إلى فرضية واضحة: لم تكن «حرب السنتين» مجرد حدث استدعى تدخلًا سوريًا لمعالجته، بل كانت جزءًا من استراتيجية أُعدّت مسبقًا، جرى خلالها استثمار التناقضات اللبنانية ـ اللبنانية واللبنانية ـ الفلسطينية وتأجيجها، بهدف إضعاف لبنان وتفكيك مقوماته وتحويله تدريجيًا إلى محافظة سورية، بالتوازي مع شلّ القوة العسكرية الفلسطينية وتحويلها إلى ورقة تخدم استراتيجية النظام السوري. وقد جرى ذلك، وفق هذه الفرضية، في ظل غضّ نظر إسرائيلي، وتأييد ضمني، وربما تنسيق في إدارة مسار الحرب، وهو ما انعكس في الخطوط الحمر التي رُسمت خلال مراحل القتال المتنقلة.