المخرج رمال أبي يونس

في لبنان... راتبُ شهرٍ لا يشتري شهراً من الحياة

8 دقائق للقراءة

لم يعد السؤال في لبنان: كم أصبح سعر الدولار؟ وبات السؤال الأخطر: ماذا بقي للدولار نفسه من قدرة شرائية؟

ولم يعد الفقير يسأل ماذا سأشتري؟ بل أصبح يسأل ماذا سأحذف هذه المرة؟ وعن ماذا سأتخلَى الطعام الدواء الأقساط المدرسية فواتير الكهرباء أم شيئا من كرامته؟

قد يكون سعر الصرف أكثر استقراراً من سنوات الانهيار الأولى، ولكن الراتب الذي يدخل إلى المنزل في أول الشهر، يخرج منه أشلاءً قبل منتصفه، والمشكلة لم تعد فقط في سعر صرف الدولار، والمواطن يكتشف كل يوم أن استقرار الدولار هو على شاشة الصرّاف فقط، فيما تنهار قيمته داخل السوبرماركت.

وإذا كانت المئة دولار تملأ سلّة بعشر سلع، فلقد أصبحت السلع العشر نفسها تحتاج إلى 150 أو 160 دولاراً، والمشكلة لم تعد فقط في العملة، بل في القيمة الشرائية للمال نفسه. فما الذي استقر فعلاً؟ الدولار استقر رقماً، لكنه خسر جزءاً من قوته أمام كلفة الحياة. وهنا تكمن الخديعة الكبرى التي يعيشها اللبناني حيث يقال له إن العملة استقرت، فيما جيبه يعرف حقيقة مختلفة تماما.

فالموظف الذي يتقاضى راتبه بالدولار قد يعتقد للوهلة الأولى أن وضعه تحسّن مقارنة بمرحلة انهيار الليرة، لكنه عندما يدخل السوبرماركت، أو الصيدلية، أو يدفع فاتورة الكهرباء والمولد والإنترنت والمدرسة والنقل، يكتشف أن راتبه يتبخر قطعةً قطعة، والأرقام الرسمية نفسها تشير إلى أن مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفع في آب 2026 بنسبة 16.66% مقارنة بشهر آب سنة 2025 أي أن اللبناني لا يتوهم الغلاء بل يدفعه، والغلاء ليس مجرد انطباع يردده الناس أمام صناديق المحاسبة، بل ظاهرة تظهر أيضاً في المؤشرات الرسمية.

لكن لنكن واضحين التاجر ليس جمعية خيرية ومن حقه أن يربح، ومن حقه أن يحتسب كلفة الشحن والتخزين والكهرباء والموظفين والنقل والرسوم والضرائب والمخاطر، لكن بين الربح المشروع وتحويل حاجة الناس إلى فرصة للاستغلال، هناك قانون يفترض أن يرسم الخط الأحمر. فالقرار رقم 1/277 تاريخ 15 حزيران 1972 يتناول تحديد نسب الأرباح التجارية، فيما ينص المرسوم الاشتراعي رقم 1983/73 المتعلق بحيازة السلع والمواد والحاصلات والاتجار بها، ينص في المادة السابعة، وفق ما توضحه وزارة الاقتصاد، على حظر تجاوز سعر بيع السلعة في حده الأقصى ضعف سعر كلفته.

بمعنى أبسط: للتاجر الحق في أن يربح، ولكن ليس له الحق في أن يحوّل حاجة الناس إلى منجم ذهب.

والمشكلة اللبنانية أن المستهلك في كثير من الأحيان لا يعرف أين تنتهي الكلفة وأين يبدأ الهامش، ولا لماذا ترتفع السلعة بسرعة البرق عندما ترتفع كلفتها، بينما تحتاج إلى مظاهرة كي ينخفض سعرها عندما تتراجع الكلفة.

حتى وزير الاقتصاد عامر البساط شدد منذ فترة على أن تراجع أسعار الطاقة والكلفة عالمياً يجب أن ينعكس على الأسعار المحلية، وأن هوامش الأرباح غير المبررة لا ينبغي أن تكون على حساب المستهلك. ولكن أي رقابة تستطيع أن تغطي بلداً كاملاً بإمكانات بشرية محدودة؟

وأي مراقب يستطيع أن يكون في بيروت وطرابلس وصيدا وصور وزحلة وجبيل وكسروان والبقاع وعكار في الوقت نفسه؟ القانون بلا رقابة جدية يتحول إلى حبر، والرقابة بلا عدد كافٍ من المراقبين تتحول إلى مطاردة، ومحضر الضبط الذي يدخل في مسار قضائي بطيء قد يصبح عقوبة مؤجلة، فيما المواطن يدفع السعر المرتفع واليوم الغلاء لا ينتظر القضاء، ففاتورة اللبناني مستحقة كل مساء.

ولكن مهلاً... الدولة ليست بريئة، ولكن لا يمكننا القول إن وزارة الاقتصاد لا تتحرك، فبحسب الوزارة نُفّذ منذ بداية عام 2026 وحتى مطلع أيلول نحو 16 الف كشف ميداني وسطر نحو 700 محضر ضبط.

مع إحالة مخالفات إلى القضاء. كما أعلنت الوزارة عن تعزيز التنسيق مع وزارة الداخلية والبلديات والقوى الأمنية لمؤازرة عمليات الرقابة، لكن حجم السوق اللبناني واتساعه يطرح سؤالاً بديهياً هل الإمكانات البشرية المتوافرة تكفي فعلاً لمراقبة سوق بهذا الحجم؟

وزارة الاقتصاد وعلى رأسها سعادة المدير العام محمد أبو حيدر ونحن نشكر له جهوده المستمرة والقوية التي يبذلها تحدث في تموز عن أكثر من 70 مراقبا ينفذون عمليات الكشف في مختلف المناطق. سبعون مراقباً تقريباً أمام آلاف السوبرماركت والمحلات والمستودعات والمؤسسات ونقاط البيع ومختلف القطاعات في بلد كامل، وهنا تصبح الرقابة سباقاً غير متكافئ.

وإذا أضفنا ضعف تعاون بعض الإدارات والبلديات، والحاجة إلى مؤازرة أمنية في بعض الحالات، ثم انتقال المحاضر إلى مسار قضائي قد يستغرق وقتاً، يصبح السؤال ليس فقط هل لدينا قوانين؟ هل نملك القدرة على تنفيذها بالسرعة التي تحمي جيب المواطن؟ لأن محضر الضبط الذي يحتاج أشهراً حتى تظهر نتيجته لا يعيد للمواطن المال الذي دفعه صباح اليوم.

وهنا يجب أن نكون منصفين وأن نضع الإصبع على الجرح الحقيقي فلا يجوز للدولة أن تدخل إلى السوبرماركت بثوب الشرطي، فيما تدخل إلى سعر السلعة من الباب الخلفي شريكاً في كلفتها، لأن السؤال ليس فقط كم ربح التاجر؟ السؤال أيضاً كم أخذت الدولة قبل أن تصل السلعة إليه؟ رسوم ضرائب جمارك كلفة معاملات محروقات كهرباء نقل تشغيل وكلما ارتفعت كلفة إحدى حلقات هذه السلسلة، تحرك السعر في نهايتها ومن يدفع؟ ليس الوزير ولا الإدارة ولا المستورد من جيبه في نهاية المطاف المواطن هو من يدفع.

وهنا تصبح المفارقة فاضحة:

الدولة تزيد رسماً أو ضريبة، فترتفع كلفة السلعة، ثم ترسل مراقباً لتسأل التاجر لماذا ارتفع السعر، فلا يمكن إدارة الاقتصاد بهذه الازدواجية، ولا يمكن أن تقول للمواطن إنك تحمي قدرته الشرائية بيد، فيما تمد اليد الأخرى إلى جيبه.

فإذا كانت الدولة جادة فعلاً في حماية المستهلك، فلنذهب إلى المكان الذي يخشاه الجميع وهو الشفافية.

فخذوا سلعة أساسية واحدة وافتحوا حسابها أمام الناس، وحققوا كم سعرها في بلد المنشأ؟ كم كلفة شحنها؟ كم دُفع عليها في المرفأ؟ كم بلغت الرسوم والضرائب؟ كم كلف نقلها وتخزينها؟ كم أخذ المستورد؟ كم أخذ الموزع؟ وكم ربح بائع المفرق؟ عندها فقط سنعرف من يأكل الفرق، وعندها لن يستطيع التاجر أن يختبئ خلف الدولة، ولن تستطيع الدولة أن تختبئ خلف التاجر، ولا أن تصبح الدولة والتاجر شركاء خلف الكواليس وأعداء في العلن.

فالأرقام ستتكلم ومن يربح بصورة مشروعة، فليأخذ ربحه ويرفع رأسه، ومن يستغل فليحاسَب، ومن يفرض رسوماً ترفع الأسعار فليشرح للبناني لماذا ؟

هذه هي الدولة، أما أن تبقى فاتورة السلعة صندوقاً أسود، ثم نتقاذف المسؤوليات فوق رأس المواطن، فهذه ليست سياسة حماية مستهلك، هذه إدارة للأزمة على حساب المستهلك. وهذه أخطر نتيجة فاللبناني كان يدخل السوبرماركت ويسأل عن النوعية،

واليوم بات يسأل عن الأرخص، وغداً قد يسأل هل أحتاجه أصلاً؟ فالأم باتت تعيد منتجاً من العربة قبل الوصول إلى الصندوق، والأب يغيّر نوع الحليب من الأغلى الى الأرخص ولا يهمه النوعية، والعائلة تخفف اللحوم وتذهب الى الدواجن لأنها أرخص، والمريض يحسب ثمن الدواء، والموظف الذي كان ينتظر نهاية الشهر ليضع شيئاً جانباً، أصبح ينتظر نهاية الشهر ليرى أي فاتورة بقيت بلا دفع، وهكذا لا ينفجر الفقر دفعة واحدة، الفقر الحديث هو أكثر هدوءاً ووحشية. فهو يبدأ بالتنازل عن المطعم، ثم الثياب، اللحوم، الطبابة، التعليم، ومن ثم يصبح ما كان بالأمس حقاً طبيعياً أصبح رفاهية تحتاج إلى حساب.

وهذه ليست أرقاماً اقتصادية باردة، بل هي إعادة تشكيل لحياة مجتمع كامل إلى الأسوأ.

فاللبناني تحمّل بما يكفي، تحمّل انهيار العملة، وتآكل الودائع، وانهيار الرواتب، وتراجع الخدمات، وفواتير الكهرباء والمولدات، وتكاليف الطبابة والتعليم، ثم قيل له في كل مرة تحمّل قليلاً حتى تعبر البلاد الأزمة، لكن المواطن يحق له اليوم أن يسأل: هو وحده المطلوب منه أن يعبر الأزمة، أم أن الأزمة عليها أن تعبر فوقه؟

فيما ان نواب الأمة يتقاضون رواتبهم بالدولار مع مفعول رجي والمرجعيات الدينية الأربعة يحصلون على رواتب تقاعد.

الدولة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها عن ضبط الأسعار، تُقاس بما يستطيع المواطن شراءه من راتبه، ولا تُقاس حماية المستهلك بعدد الجولات وحدها، بل بالنتيجة التي يشعر بها المستهلك عندما يصل إلى الصندوق. فالمطلوب ليس حرباً على التجار ولا تسعيراً شعبوياً يدمر السوق ويقطع السلع، المطلوب معادلة طبيعية جداً: التاجر يربح، الدولة تجبي بعدالة، والمواطن يعيش

اللبناني لم يعد قادراً على تمويل أخطاء الجميع، راتبه ليس صندوقاً لتمويل العجز، وجبْيه ليست وزارة مال ثانية، وطبق أولاده ليس بنداً يمكن شطبه من الموازنة، المشكلة لم تعد أن مئة دولار تشتري أقل، المشكلة هي أن عمر اللبناني نفسه أصبح يشتري أقل، وهذه أخطر معادلة اقتصادية يمكن أن يصل إليها بلد. أن يرتفع ثمن كل شيء بالمقابل قيمة الإنسان وتعبه أرخص من كل شيء.

فإلى من يطلب من اللبناني مزيداً من الصبر، اسألوا أنفسكم كيف وصل بلدٌ إلى مرحلة أصبح فيها المواطن يحتاج إلى معجزة مالية صغيرة كل صباح كي يعيش حياة عادية. فالجوع لا يقرأ الموازنات، والفقير لا يأكل بيانات وزارية، والطفل لا يفهم معنى العجز والإيرادات والرسوم.

وفي النهاية عندما تصبح الدولة عاجزة عن جعل العمل يكفي للحياة، تصبح القضية أكبر من غلاء معيشة.

تصبح القضية: لماذا يعطي اللبناني شهراً كاملاً من عمره للعمل، ثم يكتشف في نهايته أن راتبه عاجزاً عن شراء شهرٍ آخر من حياته؟